لم تعد الحرب ضد الجماعات الإرهابية في غرب أفريقيا محصورة في صحراء مالي أو سهول بوركينا فاسو أو تخوم النيجر. إنها لم تعد حرب الساحل... لقد عبرت الحدود وتجاوزت نحو فضاءات أوسع.
طيلة السنوات الأخيرة، تسلل الخطر رويداً رويداً نحو دول السافانا والحزام الحدودي الفاصل بين الساحل وخليج غينيا: توغو، بنين، غانا وكوت ديفوار. هذه الدول لم تعد تنظر إلى ما يجري في الساحل باعتباره أزمة جيران، بل بوصفه تهديداً مباشراً لأمنها الوطني واستقرارها السياسي وممراتها التجارية.
لقد وصل الحريق أولاً إلى بنين ثم توغو، وقد أعلنت الأخيرة حالة طوارئ أمنية في إقليم السافانا شمال البلاد منذ يونيو (حزيران) 2022 بعد تصاعد التهديدات والهجمات القادمة من الحدود مع بوركينا فاسو.
وهكذا أصبح شمال توغو نموذجاً مكثفاً لما يجري في المنطقة. فالمعركة هناك لا تدور فقط ضد خلايا مسلحة تعبر الحدود، بل ضد محاولة الجماعات المسلحة تحويل المناطق الهامشية إلى فضاءات رخوة: قرى بعيدة عن العاصمة، طرق تهريب قديمة، نزاعات رعي وأرض، وشعور محلي بأن الدولة لا تحضر إلا عبر الجباية أو الجيش.
إنها أرض خصبة لإطلاق تمرد واستقطاب مقاتلين، لذلك تحاول حكومات السافانا الأفريقية بناء جدار أمني قبل أن يتحول التسلل إلى تمركز، وقبل أن يصبح الخوف اليومي حاضنة للتنظيمات المسلحة.
إن ما أشارت إليه تقارير من وجود قواعد أو مواقع عسكرية في شمال توغو، وظهور ما وصفه سكان محليون بـ«عسكريين بيض»، يفتح نافذة على طبيعة الرد الجديد، وماهية الجدار الأمني الذي يُراد له أن يوقف زحف الخطر القادم من الشمال.
الحديث هنا ليس عن قواعد فرنسية كلاسيكية، ولا عن حضور روسي على طريقة «فاغنر»، بل عن حضور أكثر غموضاً: مدربون، خبراء، عناصر دعم، طائرات مسيّرة، وربما شركات أمنية خاصة. السلطات التوغولية، بحسب ما ورد، تنفي وجود مقاتلين أتراك، لكنها تقر بوجود مدربين أتراك في إطار تدريب الجيش على استخدام طائرات مسيّرة تركية.
لقد وقعت توغو اتفاقية للتعاون العسكري مع تركيا عام 2021، واشترت ثلاث طائرات مسيرة من طراز بيرقدار، واستقبلت مدربين أتراكاً لم يعرف عددهم ولا طبيعة المهام التي أوكلت إليهم، ولكن في نهاية عام 2024 قتل جنديان تركيان إلى جانب 9 جنود توغوليين في هجوم إرهابي شمال البلاد. تتحدث التقارير عن وجود مدربين أتراك وخبراء عسكريين يساعدون في تدريب القوات، وإزالة الألغام، وقيادة المروحيات، وتأمين الحدود الشمالية.
دخول تركيا على خط الأمن في غرب أفريقيا ليس حدثاً معزولاً. أنقرة بنت خلال العقد الأخير سياسة أفريقية تقوم على ثلاثة أعمدة: الدبلوماسية، والمقاولات والبنية التحتية، ثم الصناعات الدفاعية. وما يجعل العرض التركي جذاباً لدول مثل توغو وبنين ومالي والنيجر هو أنه أقل كلفة من السلاح الغربي، وأقل حساسية سياسياً من العودة إلى فرنسا، وأقل فجاجة من النموذج الروسي. كما أن الطائرات المسيّرة التركية، خصوصاً «بيرقدار»، تحولت إلى بطاقة نفوذ عسكري ودبلوماسي في أفريقيا، وقد أشارت تقارير إلى توسع صادرات السلاح التركي، وإلى أن أنقرة أصبحت مورداً مهماً للمسيّرات والمعدات العسكرية لعدد متزايد من الدول.
بالنسبة لدول السافانا، الحاجة واضحة: مراقبة حدود طويلة ومفتوحة، رصد تحركات مجموعات صغيرة وسريعة، وضرب أهداف قبل أن تتحول إلى قواعد خلفية. الجيوش التقليدية في المنطقة تعاني من ضعف الاستخبارات الميدانية، وقلة الطيران، ونقص التدريب على حرب العصابات. هنا توفر تركيا حلاً عملياً: مسيّرات، تدريباً، صيانة، خبراء ميدانيين، وربما توفر دعماً غير معلن في التخطيط والعمليات. لهذا لم يعد الحضور التركي مجرد بيع معدات، بل شراكة أمنية تتقدم في الفراغ الذي تركه تراجع النفوذ الفرنسي واضطراب التنسيق الإقليمي.
لكن هذا الدور يحمل إشكالياته؛ فإذا كانت تركيا تقدم نفسها شريكاً رسمياً للدول، فإن الغموض المحيط ببعض الأسماء، خصوصاً شركة «السادات» التي توصف أحياناً بأنها «فاغنر التركية»، يطرح سؤالاً حساساً: هل نحن أمام تعاون عسكري منضبط بين دول، أم أمام خصخصة جديدة للحرب في أفريقيا؟ تقارير عدة تحدثت عن صعود شركات أو شبكات أمنية تركية في فضاءات مثل ليبيا والنيجر والساحل، مع اتهامات تنفيها هذه الجهات غالباً.
الخطر هنا أن تتحول مواجهة الإرهاب إلى سباق بين وكلاء خارجيين: روس في مالي وبوركينا، أتراك في مناطق أخرى، بقايا حضور فرنسي أو أوروبي، ودعم أميركي استخباراتي من بعيد. في هذه الحالة قد تربح بعض الدول معركة تكتيكية، لكنها تخسر استقلال قرارها الأمني على المدى الطويل. فالمسيّرة قد توقف هجوماً، والمدرب الأجنبي قد يرفع كفاءة وحدة خاصة، لكنهما لا يبنيان ثقة بين الدولة وسكان القرى الحدودية.
المعركة الحقيقية في السافانا ليست عسكرية فقط. المسلحون لا يتمددون لأنهم أقوى من الدول في العدد والعتاد، بل لأنهم يعرفون كيف يدخلون من شقوق الظلم المحلي: نزاعات الأراضي، تهميش الشباب، ضعف العدالة، الفساد في التعويضات، والخوف من انتقام الجيش. لذلك فإن أي قاعدة عسكرية تُقام على أرض قرية، كما ورد في شهادات سكان شمال توغو، يجب أن تُدار بحساسية عالية. تعويض السكان لا يكفي إذا شعروا بأنهم أُجبروا على الرحيل، وأن أمن الدولة بُني فوق هشاشتهم.
من هنا تبدو دول السافانا أمام معادلة صعبة: لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام تمدد الجماعات الإرهابية، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تكرر أخطاء الساحل، حيث تحولت الحرب الطويلة إلى استنزاف للدولة والمجتمع معاً. المطلوب هو توازن بين القوة والشرعية: جيش حاضر، لكن غير منفلت؛ تكنولوجيا حديثة، لكن تحت رقابة قانونية؛ شراكات خارجية، لكن من دون تفويض السيادة؛ وتنمية محلية تجعل السكان جزءاً من الدفاع لا ضحايا له.
