في هذه الأيام التي وجدت فيها نفسي أكتب عن علاقتنا الثقافية، نحن المشارقة بأشقائنا المغاربة وعن معرفتهم بنا، وأقرأ ما لدي من أعمال أدبية وتاريخية تدور حول هذه العلاقة - وأبحث عما لا أملكه من أعمال أقرأ عنها فيما لدي - في هذه الأيام أكتشف أن ما كنت أعرفه عن المغرب العربي وثقافته قليل جداً، فضلاً عن أنه لم يكن حصيلة جهد مبذول وتمييز بين المهم والأهم، وأن خلف القليل الشائع عندنا في المشرق تراثاً مغربياً ثرياً كمّاً وكيفاً.
وفي ظني أنني لست المشرقي الوحيد الذي لم يقدر له أن يعرف هذا التراث، وإنما أنا واحد ممن لا يعرفونه، وهم ليسوا قليلين. وهذا انطباع قلت في المقالة السابقة إنه خطأ وطالبت بتصحيحه. لكنني أرى أننا نحتاج قبل الحكم عليه لاختبار صحته ومعرفة مداه إلى معلومات دقيقة نرجع فيها لدور النشر، والمكتبات، والمناهج الدراسية، والدراسات الأكاديمية، والبرامج الإذاعية. وهذا ما نفتقر له، لأن أحداً لم يقم به حتى المؤسسات المختصة وأولاها المنظمة العربية للتربية والثقافة التابعة للجامعة العربية. وغياب هذه المعلومات سبب من الأسباب التي تدعو لإساءة الظن بالإنتاج الثقافي في المغرب ولغيابه في المشرق.
هذا الغياب ليس جديداً، وإنما هو كما ذكرت في المقالة السابقة غياب مزمن، لأننا ننظر في التراث العربي القديم والحديث فنرى أن إسهامات المغاربة لا تلقى في المشرق ما تستحقه من الحفاوة التي تلقاها إسهامات المشرق في المغرب. وأنا هنا لا أطلب معاملة بالمثل، لأن الذي يقدمه هؤلاء وهؤلاء إسهامات مشتركة في ثقافة قومية واحدة، فإذا كان هناك تفسير للواقع الذي أتحدث عنه فهو أن المشرق بالنسبة للمغاربة هو المنبع الذي جاءت منه الثقافة العربية الإسلامية ودخلت أقطار المغرب والأندلس وانتشرت فيها وأصبحت تراثاً للمغاربة كما هي تراث للمشارقة.
لكن هذا التصور يحتاج لشيء من المراجعة؛ لأن الذي حدث في المغرب حدث في المشرق الذي تعرّب وأسلم هو والمغرب في وقت واحد تقريباً على أيدي الفاتحين العرب الذين بدأوا مسيرتهم حاملين لغتهم وعقيدتهم في ثلاثينات القرن السابع الميلادي فلم يمض أكثر من سبعين عاماً على خروجهم من الجزيرة العربية حتى فتحوا ما بين الخليج والمحيط. غير أن ارتباط الثقافة العربية بالإسلام الذي اعتنقه المغاربة بسرعة، فضلاً عن السلطة التي بدأت مع الراشدين في الجزيرة، ثم انتقلت مع الأمويين إلى الشام، وبعدهم مع العباسيين إلى العراق، هذا التاريخ يعطي المشرق مكانه الذي يحج إليه المغاربة وينتظرون ما يصل إليهم من فقهه وأدبه وعلمه. وقد رأيتم في المقالة السابقة ما ذكره الشاعر والكاتب الأندلسي ابن عبد ربه عن تراث المشرق في كتابه «العقد الفريد». وشبيه به ما قاله ابن خلدون الذي قرأت له هو أيضاً رأياً في المغاربة والأندلسيين يقول فيه إن البداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق!
***ولا شك في أن إسهامات المشارقة لها مكانها المعلوم ودورها البناء في الثقافة العربية في الماضي والحاضر. لكن هذا لا يبرر أن ننسى الإسهامات المغربية التي لم تكن مجرد إضافات كمية، وإنما كانت إلى جانب هذا إضافات كيفية أبدعها الأندلسيون والمغاربة، واحتضنها المشارقة الذين كانوا في كثير من الأحيان يبدأون فلا تكاد أعمالهم تصل إلى المغرب والأندلس حتى تجد من ينتظرونها بشوق، ويواصلون العمل فيها، ويضيفون لها ما يغنيها كمّاً وكيفاً.
الشعر العربي بدأ كما نعرف في الجزيرة العربية، ووصل إلى ما وصل إليه من غنى وانتشار على أيدي الأخطل، وبشار، وأبي نواس، وابن الرومي، والبحتري، والمتنبي، وأبي العلاء، فإذا لم نجد في المغرب والأندلس من يضارع هؤلاء فسوف نجد شعراً آخر له ملامحه الخاصة، وعالمه المتميز، وصوره، وموسيقاه. وهو مع ذلك شعر عربي أصيل نقرأه في دواوين ابن هانئ، وابن عبد ربه، وابن زيدون، وابن حمديس الصقلي، والحُصْري صاحب القصيدة الشهيرة التي يقول في مطلعها:
يا ليلُ، الصب متى غده؟
أقيام الساعة موعده!
وقد عارض هذه القصيدة أو نظم على منوالها أمير شعراء العصر أحمد شوقي قصيدته التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب:
مضناك جفاه مرقده
وبكاه ورحَّم عُوَّده.
والمجال لا يتسع للحديث عن بقية شعراء القيروان الذين يعدون بالعشرات، ومنهم الحُصْريّ، وابن رشيق، وابن شرف الذين نقرأ شعرهم فنجد فيه ما نجده في شعر الأندلسيين؛ عذوبة، وأناقة، وموسيقى هزت المتنبي حين استمع لشعر ابن عبد ربه فأرسل إليه في الأندلس من يحدثه عن إعجابه به.
والمعروف أن شعراء فرنسا في العصور الوسطى، خاصة شعراء التروبادور في الجنوب المتاخم لإسبانيا، تأثروا بالشعر الأندلسي ونقلوا عنه القافية التي لم تكن موجودة في الشعر الفرنسي من قبل.
والذي نقوله عن الشعر نقوله عن الفلسفة العربية التي بدأت في المشرق مع الكندي، والفارابي، وابن سينا، ثم انتقلت إلى الأندلس حيث وصلت إلى القمة فيما قدمه ابن رشد. والذي رأيناه في الشعر والفلسفة نراه في الموسيقى العربية التي حملها زرياب إلى الأندلس فتطورت وعرفت أشكالاً لم تعرفها في المشرق، وظلت حية مسموعة إلى اليوم تقدمها في المغرب والجزائر فرق خاصة وتسمى هناك «الآلة».
***
وكما أن المشارقة يبدأون والمغاربة يواصلون، فالمغاربة كذلك يبدأون والمشارقة يواصلون.
الموشح الأندلسي كما نعرف جميعاً وكما يعلن باسمه عن أصله ظهر للوجود في الأندلس، والفضل كما يعتقد مؤرخو الأدب لشاعر ضرير عاش في القرن التاسع الميلادي وهو محمد بن حمود القبري. لكنه وصل إلى تمام نضجه على يد الشاعر عبادة بن ماء السماء الذي عاش في العقود الأخيرة من القرن العاشر والأولى من القرن الحادي عشر، وأصبح محتاجاً لمن يكشف عن أوزانه، لأن الحرية التي نظم بها بعض الشعراء موشحاتهم أعفتهم من الالتزام ببحور الشعر المعروفة، ومن هنا احتاج الموشح لمن يحدد أشكاله ويستنبط قواعده ليهتدي بها الشعراء والنقاد إذا نظموا الموشح أو تحدثوا عنه. وهذا هو الدور الذي نهض به الشاعر المصري ابن سناء الملك في كتابه الذي سماه «دار الطراز في عمل الموشحات».
وسوف نواصل هذا الحديث.
