د. خالد بن نايف الهباس
كاتب سعودي
TT

مآلات مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

استمع إلى المقالة

لا تزال لعبة «شد الحبال السياسية» قائمة بين واشنطن وطهران حتى في ظل وقف الحرب بعد التوصل إلى مذكرة تفاهم عامة في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، أرست الأسس الممكنة لوقف الحرب، والبدء بجولات من المفاوضات، رغم عمومية أغلب بنود مذكرة التفاهم الأربعة عشر، لا سيما تلك المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، والعقوبات المفروضة على إيران، علاوةً على عدم تطرقها لسياسة الوكلاء، وصناعة الصواريخ الباليستية.

الأمر لا يتعلق بغموض بعض بنود مذكرة التفاهم، وعدم شموليتها فحسب، بل يمكن الإشارة إلى عدم الثقة والعداء الكبيرين بين واشنطن وطهران، وعدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بمن يمسك بزمام الأمور في إيران في ظل الانقسام الحاد بين المتشددين من قيادات «الحرس الثوري» مقابل المؤيدين للتفاوض مع واشنطن. يضاف إلى ذلك سعي واشنطن وطهران إلى استخدام ما تملكان من أوراق ضغط لتحقيق أقصى قدر من المكاسب، أو تلافي أكبر قدر من الخسائر في المفاوضات الشاقة التي تمتد لستين يوماً قابلة للتمديد إذا لزم الأمر، ناهيك عن تداخل الملفات الإقليمية، والتأثير المتبادل فيما بينها.

طهران سعت منذ بدء الحديث عن المفاوضات وطرح المقترحات المختلفة بشأنها إلى تحويل أي اتفاق محتمل لصفقة اقتصادية في ظل العقوبات القاسية المفروضة عليها، والتي زاد من وطأتها الحصار المضاد الذي طبقته واشنطن بعد غلق إيران مضيق هرمز، ما جعل الأخيرة تعيش وضعاً اقتصادياً حرجاً للغاية. لكنها أدركت أيضاً أن الوقت ليس في صالح الطرف الآخر في واشنطن، حيث تتزايد الأصوات المعارضة لاستمرار الحرب من ناحية، والضغوط المتعلقة بالاستحقاقات السياسية الداخلية المتمثلة بالانتخابات التشريعية النصفية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل من ناحية أخرى، علاوة على التداعيات السلبية لغلق المضيق على أسعار الطاقة، والشحن، وما تركته من أثر سلبي على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي.

أي إن مذكرة التفاهم لم تكن سوى «اتفاق الضرورة» لوقف «حرب غير ضرورية»، ويشوبها الكثير من المخاطر، وينتظرها الكثير من العقبات، والصعوبات. بالتالي هي لا تؤسس لمرحلة استقرار في المنطقة، لأنها لم تحسم الأمور، وكانت النتائج السياسية للحرب أقل بكثير من نتائجها العسكرية، والاقتصادية. فعادةً من ينتصر في الحرب العسكرية ينتصر سياسياً، لكن في هذه الحرب، وللأسباب التي ذكرناها أعلاه، كانت النتيجة السياسية غامضة، وغير حاسمة، ما يجعل الوضع القائم الآن أشبه بـ«الصراع الخامد» الذي يحتمل الكثير من المآلات في المستقبل، بما في ذلك العودة للحرب، أو العمليات العسكرية النوعية، والحصار الاقتصادي من قبل واشنطن، سعياً للتوصل إلى اتفاق محكم.

كما أن الحديث عن إمكانية أن يكون هناك تقاسم للنفوذ بين واشنطن وطهران في المنطقة أمر مستبعد، بحكم العداء التاريخي بين الطرفين، واختلاف أهداف وأجندة كل منهما، بما في ذلك التحالفات الخارجية لكل طرف. مع أنه لا يستبعد أن تكون هناك تفاهمات غير مكتوبة، أو غير معلنة، كما في الحديث عن أن الأرصدة الإيرانية المفرج عنها ستذهب لشراء سلع أميركية، لكن مهما كان هناك من تفاهمات، إلا أننا نستبعد أن تشكل إطاراً يهدف لترتيب المشهد الإقليمي، لأنه يمس بمصالح الدول الخليجية، وموقعها الجيو-استراتيجي في المنطقة. وليس من مصلحة أميركا الإقدام على ذلك، وهناك الكثير من القوى الدولية التي تنتظر الفرصة لتعظيم مصالحها في المنطقة على حساب الدور الأميركي. قوة ونفوذ واشنطن لم تتراجع كما يروج لذلك البعض، لكن تغيرت أولوياتها في المنطقة، وحول العالم، وهذا ليس بالأمر الجديد، ويحدث من فترة لأخرى، وفقاً لتطور وسياق الأحداث الإقليمية، والدولية. فعلى سبيل المثال، سعت إدارة الرئيس الأميركي نيكسون في بداية السبعينات من القرن الماضي إلى «سياسة الاعتماد على الحلفاء الإقليميين»، للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، لكنها تفاجأت بقدوم الثورة الإيرانية عام 1979، وغزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان في العام نفسه، الأمر الذي خلط الأوراق، ودفع الرئيس جيمي كارتر لتبني استراتيجية مغايرة للحفاظ على مصالح أميركا الحيوية في المنطقة، حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية، حيث تم إنشاء قوات التدخل السريع التي تحولت في عهد الرئيس رونالد ريغان للقيادة الوسطى. فيما تحدَّث الرئيس باراك أوباما عن خفض انخراط واشنطن في الصراعات الإقليمية، لكن مع اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية أدرك الرئيس جو بايدن محورية منطقة الخليج للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية. وستظل منطقة الخليج ذات أهمية لتوازنات القوى الدولية نتيجة أهميتها الاقتصادية والجيو-استراتيجية للأمن العالمي.

نختم بالقول إن المواجهة بين أميركا وإيران لم تحسم بالقوة، كما أنها لم تحسم بالدبلوماسية حتى هذه اللحظة؛ بل تم وقف الحرب من دون نتيجة حاسمة يمكن أن تشكل «نقطة تحول» في مستقبل المنطقة، والأمن الإقليمي. بالتالي يتوجب على دول الخليج تعزيز التنسيق والتكامل الخليجي على الصعد كافة.