«جمال الحمار»... فيلم سويسري يكشف ما أخفته الحرب والمنفى

مخرجته قالت لـ«الشرق الأوسط» إن السينما ساعدتها على إحياء الذكريات

عُرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
TT

«جمال الحمار»... فيلم سويسري يكشف ما أخفته الحرب والمنفى

عُرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة السويسرية-الكوسوفية، ديا جينوفتسي، إن السينما بالنسبة إليها مساحة يمكن من خلالها إعادة فتح الحوارات المؤجلة داخل العائلة، ومواجهة ذكريات ظلت لسنوات طويلة حبيسة الصمت، موضحة أن فيلمها «جمال الحمار» (The Beauty of the Donkey) جاء نتيجة رحلة طويلة مع والدها، لم يكن هدفها البحث عن الماضي فقط، وإنما محاولة فهمه، وإعادة اكتشاف ما أخفته الحرب والمنفى من قصص لم تكن معروفة حتى لأفراد الأسرة أنفسهم.

وأضافت ديا جينوفتسي -في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»- أن العمل يمثّل امتداداً لفيلم قصير سبق أن أنجزته قبل نحو تسع سنوات تناول رحلة والدها لاجئاً من كوسوفو إلى إيطاليا ثم سويسرا، مؤكدة أن ذلك الفيلم كان البداية الحقيقية لحوار إنساني بينهما حول سنوات المنفى وما تركته من آثار على العائلة.

ويتناول فيلم «جمال الحمار» (The Beauty of the Donkey) رحلة تعود فيها المخرجة مع والدها إلى قريته في كوسوفو بعد أكثر من خمسين عاماً من المنفى، في محاولة لإحياء الذكريات التي حملها معه طوال حياته عن طفولته وأسرته.

لكن العودة تكشف عن أن القرية التي عاشتها الذاكرة لم تعد موجودة؛ فالبيوت دمّرتها الحرب، والسكان تفرقوا أو رحلوا، في حين تتحول إعادة تمثيل الماضي بمشاركة أبناء القرية إلى رحلة لاكتشاف الخسارات التي تركتها الحرب، وفي مقدمتها اختفاء جدة المخرجة خلال حرب كوسوفو، في عمل يمزج بين الوثائقي والخيال لإعادة بناء الذاكرة أكثر من إعادة بناء التاريخ.

وشارك الفيلم في عدد كبير من المهرجانات الدولية، من بينها مهرجانا «زيوريخ» في سويسرا و«شيكاغو» بالولايات المتحدة. كما حصد مجموعة من الجوائز، أبرزها جائزة أفضل تصميم صوت بمهرجان «ييهلافا الدولي للأفلام الوثائقية» في التشيك.

وأشارت ديا جينوفتسي إلى أن «الحديث عن تلك التجربة لم يكن سهلاً في البداية، لكن السينما منحتني طريقة مختلفة لطرح الأسئلة، بعيداً عن المواجهة المباشرة؛ إذ تسمح البنية الفنية والإبداعية للفيلم بفتح مساحات يصعب الوصول إليها في الحياة اليومية»، وفق قولها.

وثّقت المخرجة جانباً من حياة عائلتها (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن أكثر ما ساعدها في هذا المشروع كان قرار إعادة بناء ذكريات طفولة والدها داخل القرية نفسها التي نشأ فيها، رغم أنها لم تعد تشبه المكان الذي عاش فيه، بعدما دمرت الحرب معظم معالمها وأُعيد بناؤها من جديد، مؤكدة أن إعادة تمثيل تلك الذكريات وسط المكان الحقيقي أطلقت لدى والدها ردود فعل عاطفية لم تكن تتوقعها، وفتحت أمامهما أبواباً للحديث عن ذكريات سعيدة في البداية، قبل أن تقودهما تدريجياً إلى استعادة أكثر اللحظات ألماً في تاريخ العائلة.

وأكدت ديا جينوفتسي أن تصوير الفيلم استغرق نحو عامَين ونصف العام، وهي فترة كانت ضرورية ليس فقط على المستوى الإنتاجي، وإنما أيضاً على المستوى الإنساني، لأن الوقت الطويل أتاح لها التفكير ملياً فيما تريد أن تقوله، وفي الأسئلة التي كانت تحاول البحث عن إجابات لها، كما منح والدها فرصة ليعيش التجربة بهدوء، ويبدأ هو الآخر طرح أسئلة جديدة حول تاريخ عائلته، لأن الفيلم كشف لهما عن تفاصيل لم يكونا يعرفانها عن الظروف التي أحاطت ببعض الخسارات التي تعرضت لها الأسرة.

وحول اختيارها المزج بين الفيلم الوثائقي والمشاهد المعاد تمثيلها، قالت إن «هذا القرار لم يكن نتيجة رغبة في التجريب، بل جاء بشكل طبيعي منذ المراحل الأولى للمشروع». وأكدت أنها كانت تعرف منذ البداية أن الاعتماد على «الوثائقي التقليدي» لن يكون كافياً، لأن تاريخ القرية لم يُحفظ داخل أرشيفات رسمية، ولم تكن هناك صور أو تسجيلات مصورة توثّق الحياة اليومية في خمسينات وستينات القرن الماضي.

وأضافت أنها فُوجئت في أثناء التصوير بأن الجانب الوثائقي أخذ مساحة أكبر مما كانت تتوقع في البداية، لأن رحلة البحث نفسها تحولت إلى تحقيق حقيقي، إذ كانت كل خطوة تكشف عن معلومات جديدة، وتفتح أبواباً لم تكن موجودة عند كتابة المشروع، وهو ما جعل الفيلم يتطور باستمرار حتى في أثناء التصوير، ويصبح أكثر ارتباطاً بالواقع مما كانت تتخيل في البداية.

وأكدت أن «الوصول إلى هذا التوازن لم يكن سهلاً، بل تحقق خلال مرحلة المونتاج، حيث جرى البحث بعناية عن الإيقاع المناسب بين لحظات الفرح والدفء العائلي، والمشاهد التي تكشف تدريجياً عن حجم الخسائر التي عاشتها الأسرة والقرية بأكملها»، لافتة إلى أن نجاح الفيلم يعتمد على جعل الجمهور يتعلق أولاً بالشخصيات وحياتها، قبل أن يواجه معها حجم الفقد.

وعن مشاركة سكان القرية في إعادة تمثيل الماضي، قالت إن «هذا القرار كان من أكثر الخيارات أهمية في الفيلم، لأنهم لم يكونوا ممثلين يؤدون أدواراً مكتوبة، بل كانوا أشخاصاً عاشوا تلك البيئة أو ورثوا تفاصيلها عن آبائهم وأجدادهم، ولذلك لم يكن عليهم أن يمثلوا، بل أن يستعيدوا جزءاً من حياتهم الحقيقية أمام الكاميرا».

وأضافت أن «أبناء القرية منحوا الفيلم شيئاً لا يمكن لأي ممثل محترف أن يقدمه، وهو الخبرة المعيشة، فالمشاهد التي أُعيد تنفيذها لم تكن مجرد لقطات درامية، وإنما امتداد لقصص عائلاتهم، ولهذا بدت طبيعية وصادقة».

وانتقلت المخرجة إلى الحديث عن قصة جدتها، ووصفتها بأنها كانت أكثر أجزاء الفيلم قسوة على المستوى الشخصي، لافتة إلى أن التصوير قادها إلى أماكن لم تكن تتخيل أنها ستزورها، من بينها مشرحة «بريشتينا» المركزية، حيث لا تزال توجد رفات لضحايا حرب كوسوفو لم يتم التعرف إلى هوياتهم بعد مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على انتهاء الحرب.

وأضافت أنها خضعت مع أفراد عائلتها لفحوص الحمض النووي، كما التقت أطباء شرعيين ومسؤولين عن التحقيقات المتعلقة بالمقابر الجماعية، في محاولة لفهم الآليات التي لا تزال تُستخدم حتى اليوم للبحث عن المفقودين، مشيرة إلى أن هذه الرحلة لم تكن مجرد بحث عن شخص مفقود، بل كانت أيضاً رحلة لفهم طبيعة ما حدث قانونياً وإنسانيا.

وقالت إن هذه التجربة جعلتها تدرك للمرة الأولى أن اختفاء جدتها لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عائلية مؤلمة فقط، وإنما هو جزء من جريمة حرب ارتُكبت خلال النزاع، مؤكدة أنها لم تكن قد صاغت هذه الفكرة بهذا الوضوح في ذهنها قبل بدء العمل على الفيلم.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

سينما أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته

محمد رُضا (لندن)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق المهرجان يتوسع بعد نجاح نسخته الأولى (إدارة المهرجان)

مهرجان سينمائي في غزة يناصر قضايا المرأة من بين الركام

بشعار «نساء يصنعن الحياة من الموت» يراهن صناع مهرجان «غزة الدولي لسينما المرأة» على الاستمرار في مقاومة الصعوبات.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المنتج السابق في هوليوود هارفي واينستين (ا.ب)

السجن 15 سنة للمنتج السابق هارفي واينستين بتهمة الاعتداء الجنسي

حكم ‌قاض في نيويورك، اليوم (الأربعاء) على المنتج السابق في هوليوود هارفي واينستين، بالسجن 15 سنة بتهمة ​الاعتداء الجنسي على مساعدة إنتاج سابقة في 2006.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».