أين دارت معارك «الأوديسة» وكيف تحولت مواقع التصوير إلى مزارات سياحية؟

«الأوديسة» بنقاء «الآيماكس»... كيف أعاد كريستوفر نولان صياغة السينما الواقعية من صحراء المغرب إلى جبال آيسلندا؟

جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
TT

أين دارت معارك «الأوديسة» وكيف تحولت مواقع التصوير إلى مزارات سياحية؟

جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

في عصرٍ طغت فيه المؤثرات البصرية الرقمية وأصبحت الشاشات الخضراء شريكاً أساسياً في صناعة السينما، اختار المخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان أن يسبح عكس التيار، متمسكاً بـ«سينما الواقع» في أبهى صورها.

وعبر فيلمه الملحمي الأحدث «الأوديسة» (The Odyssey) الذي أبصر النور في دور العرض العالمية في صيف عام 2026، نجح نولان في تقديم تجربة بصرية وتاريخية استثنائية، مستنداً بالكامل إلى كاميرات «آيماكس 70 ملم» السينمائية الفائقة، ورافضاً استخدام المَشاهد المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي أو التقنيات الرقمية والمؤثرات البصرية.

وقد جمع هذا العمل السينمائي الضخم نخبة من ألمع نجوم هوليوود، حيث جسّد النجم الحائز على الأوسكار مات ديمون دور البطل الأسطوري «أوديسيوس» بحضور تراجيدي لافت، وشاركه البطولة النجم الشاب توم هولاند في دور ابنه «تيليماخوس»، إلى جانب كوكبة من الممثلين الذين خضعوا لتدريبات بدنية شاقة لمحاكاة القتال التاريخي الحي.

هذا الالتزام الصارم بتوظيف المشاهد الطبيعية الحية في العالم الحقيقي منح الفيلم بُعداً جمالياً فريداً، إذ استهلت عدسات الفيلم لقطاتها الأولى والافتتاحية في أواخر شهر فبراير (شباط) من قرية آيت بن حدو العريقة بالمغرب لتصوير التمهيد الملحمي للحرب.

وقد حظي المغرب بنحو 30 في المائة من إجمالي مشاهد العمل، ليتكامل مع تضاريس بلدان أخرى صُور فيها الفيلم مثل اليونان، وإيطاليا، وآيسلندا، واسكوتلندا، والنرويج.

هذا الإتقان البصري حوّل الفيلم إلى ظاهرة سينمائية واجتماعية اجتاحت صالات العرض في العالم العربي، محققةً أرقاماً قياسية غير مسبوقة في نسب المشاهدة والإيرادات، ولا سيما في شباك التذاكر بالمملكة العربية السعودية التي تشهد طفرة ثقافية وسينمائية.

تجسيد طروادة الأسطورية في ركح ورزازات وقصر آيت بن حدو التاريخي

جسّد نولان مدينة «طروادة» الأسطورية الشهيرة ومحيطها عبر استغلال السحر المعماري لقصر آيت بن حدو في المغرب.

هذا الموقع التاريخي، المدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، يتميز ببيوته الطينية المحصنة وأبراجه الشامخة.

قصر آيت بن حدو في المغرب (ويكيبيديا)

يحمل الموقع أهمية سياحية وتاريخية بالغة، ويُعد مكاناً مثالياً للزيارة، حيث يقع على بعد كيلومترات قليلة من مدينة ورزازات، المعروفة عالمياً بأنها «هوليوود أفريقيا» نظراً لقربها من استوديوهات سينمائية ضخمة.

قصر آيت بن حدو في المغرب (ويكيبيديا)

وسَبَق أن صُوّرت على أرضها وفي استوديوهاتها أضخم الأفلام العالمية الحائزة على جوائز الأوسكار.

ومن أبرز هذه الأعمال فيلم «المصارع» (Gladiator) للمخرج ريدلي سكوت، وفيلم «المومياء» (The Mummy) والملحمة التاريخية «الإسكندر» (Alexander)، ورائعة «لورنس العرب» (Lawrence of Arabia)، فضلاً عن أجزاء من المسلسل الأسطوري «صراع العروش» (Game of Thrones).

يقع الموقع بالقرب من البنية السياحية المتطورة لورزازات وقصبة تاوريرت الشهيرة، وهو متاح بالكامل للزيارة السياحية الفردية والمنظمة عبر مسارات تاريخية مجهزة.

في الفيلم، تحولت هذه التضاريس الطينية الحمراء إلى مسرح للمعارض الأسطورية الكبرى، حيث صور نولان حصار طروادة وسقوطها مستفيداً من الإضاءة الطبيعية للشمس الصحراوية، مما أضفى طابعاً ملحمياً حياً يشعر معه المشاهد بزمن الآلهة والأبطال.

قلعة «كاستيلو دي سانتا كاترينا» في صقلية: المعقل التاريخي والسينمائي لجزيرة «إيثاكا»

 

 

تتربع قلعة «كاستيلو دي سانتا كاترينا» فوق القمة الأعلى لجزيرة فافينيانا، كبرى جزر أرخبيل إيجادي الواقع قبالة الساحل الغربي لإقليم صقلية الإيطالي، بارتفاع يصل إلى 314 متراً فوق مستوى سطح البحر، مما جعلها الخيار المثالي للمخرج نولان لتجسيد أسوار مملكة «إيثاكا» الأسطورية وموطن البطل أوديسيوس.

 

 

قلعة «كاستيلو دي سانتا كاترينا» على تلة فوق فافينيانا بإيطاليا 5 مايو 2021... شكل الحصن أحد مواقع تصوير فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان وجسد قصر أوديسيوس الذي عُرض في إيطاليا في 16 يوليو 2026 (رويترز)

وقد استغلت عدسات السينما الطابع الحجري الداكن والمهيب لهذا الحصن المهجور لتوثيق تتابعات درامية حابسة للأنفاس، حيث صُوّرت فوق أسطحه وأبراجه العالية اللقطات الملحمية للملكة بينيلوبي وهي ترنو ببصرها نحو الأفق البحري اللامتناهي وسط الرياح العاتية ترقباً لزوجها الغائب، في حين تحولت الساحات الداخلية والغرف المتهدمة إلى ركح للمواجهات العنيفة والمكائد التي حاكها الخطّاب الطامعون في العرش قبل العودة المفاجئة للملك.

ولم تقتصر المشاهد على الحصن العلوي فحسب، بل هبطت الكاميرات لتوثيق اللقطات البحرية الحية لرسو السفن الخشبية الحقيقية في خليج «كالا روتوندا» القريب والمنحدرات الصخرية المحيطة بالجزيرة لتصوير ممرات العودة السرية نحو أسوار الحصر.

قلعة «كاستيلو دي سانتا كاترينا» فوق القمة الأعلى لجزيرة فافينيانا كبرى جزر أرخبيل إيجادي الواقع قبالة الساحل الغربي لإقليم صقلية الإيطالي (إدارة صقلية)

تُعد القلعة ومحيطها وجهة سياحية وتاريخية من الطراز الأول، حيث يمكن للزوار الوصول إلى الجزيرة بسهولة عبر رحلة بحرية ممتعة تستغرق قرابة نصف ساعة بواسطة العبّارات السريعة المنطلقة بانتظام من ميناء مدينة تراباني في صقلية.

ويمثل الصعود إلى القلعة مغامرة استكشافية رائعة عبر مسار مشي ممهد يمنح السياح إطلالة بانورامية ساحرة بزاوية 360 درجة تكشف كامل الأرخبيل والمياه الفيروزية المحيطة، ويُفضل خوض هذه التجربة عند شروق الشمس أو غروبها لالتقاط صور تذكارية فريدة ومحاكاة الأجواء السينمائية للفيلم.

يقع الموقع أيضاً بالقرب من متحف ومصنع «تونارا فلوريو» التاريخي لتعليب التونة الواقع عند أسفل الجبل، وشاطئ «كالا روسا» الشهير الذي يعد أحد أجمل شواطئ أوروبا بمياهه الشفافة، والتكوينات الصخرية الخلابة التي ميزت هذا العمل السينمائي.

غابة كولبين مسرح المواجهة الدامية مع العمالقة «اللايستريغونيون»

 

 

في هذا الفضاء الطبيعي الممتد على طول ساحل «موري فيرث»، صور نولان واحدة من أكثر تتابعات الفيلم إثارة وقسوة، وهي مأساة سقوط أسطول أوديسيوس.

تقدم المشاهد السينمائية لقطات حية لبطلي العمل، مات ديمون وتوم هولاند، وهما يقودان السفن الخشبية الحقيقية نحو الشاطئ الرملي المحاذي للغابة، محاولين الرسو هرباً من عاصفة بحرية. ومن عمق الأشجار الكثيفة الملتفة لغابة «كولبين».

غابة كولبين باسكوتلندا (دليل زوار غابة كولبين هيئة الغابات والأراضي في اسكوتلندا)

صوّر المخرج اللحظات المفاجئة والغرائبية لظهور عمالقة «اللايستريغونيون» المدرعين آكلي لحوم البشر، الذين دمروا السفن برمي الصخور الضخمة، لتتحول المساحات الخضراء والرمال البيضاء الساحرة إلى مسرح لمذبحة دموية طاحنة خاضتها طواقم الممثلين والكومبارس دون تدخل للغرافيك البصري.

تتميز غابة «كولبين» جغرافياً بتاريخ غامض يعزز روح «اللاعقلانية» السائدة في هذا الجزء من الفيلم، إذ يُحكى في الفولكلور الاسكوتلندي المحلي أن عاصفة رملية عنيفة غمرت قرية بأكملها هنا عام 1694 بسبب «لعنة ساحرة».

غابة كولبين باسكتلندا (دليل زوار غابة كولبين هيئة الغابات والأراضي في اسكتلندا)

وهي اليوم موقع سياحي استثنائي ومفتوح للزيارة، حيث تديرها هيئة الغابات والأراضي الاسكوتلندية، وتوفر ممرات مشي مجهزة للمشاة ومراقبين للطيور، مع منصات خشبية مرتفعة تمنح الزوار إطلالات بانورامية مذهلة على بحر الشمال والغابات الكثيفة.

 

 

قلعة فيندلاتر وجزيرة آيايا موطن السحر والعزلة الموحشة للساحرة سيرسي

 

 

 

انتقلت عدسة نولان السينمائية على بعد مسافة قصيرة بمحاذاة الساحل الاسكوتلندي الوعر نحو «قلعة فيندلاتر» المهجورة وجرفها الصخري الحاد الذي يرتفع فوق البحر لتجسيد المعالم الخارجيّة لجزيرة «آيايا» الأسطورية، موطن الساحرة الشهيرة سيرسي.

مَثّلت هذه الأنقاض الحجرية الداكنة المتآكلة بفعل الرياح والأمواج القاسية القصر الغامض والموحش الذي لجأ إليه أوديسيوس ورجاله الناجون، حيث دارت المشاهد المفصلية لتحول أفراد الطاقم إلى حيوانات بفعل عقاقير «سيرسي» السحرية، في تتابع درامي يعكس صراع العقل البشري أمام القوى الميتافيزيقية واللاعقلانية.

«قلعة فيندلاتر» المهجورة قرب الساحل الاسكوتلندي (زيارة قلعة فيندلاتر)

تعتبر قلعة فيندلاتر بقايا حصن يعود للقرن الرابع عشر، وهي ملتصقة بجرف صخري حاد يطل على خليج صغير، وتقع على مسافة قريبة جداً من قرية الصيد السياحية الخلابة «كولين».

الموقع متاح للزيارة والاستكشاف الخارجي عبر مسارات برية ساحلية تمتد لقرابة سبعة أميال، توفر لعشاق السينما والتاريخ فرصة فريدة لمعاينة المواقع الحقيقية التي مشى عليها نجوم هوليوود، مما يجعل من الساحل الشمالي الشرقي لاسكوتلندا وجهة سياحية متكاملة لاسترجاع كواليس الفيلم الذي تصدر شباك التذاكر في العالم.

 

 

شواطئ «هجورليفور» في آيسلندا: الرمال السوداء وبوابة «العالم السفلي»

 

 

في سياق الطابع الجنائزي المهيب لفيلم «الأوديسة»، حوّل المخرج كريستوفر نولان شواطئ وجرف «هجورليفور الواقعة في أقصى الجنوب الآيسلندي إلى البوابة البصرية الحية لتجسيد «العالم السفلي» (مملكة هاديس).

رفض نولان استخدام الخلفيات الرقمية أو تعديلات الغرافيك، واعتمد كلياً على الطبيعة الكونية الباردة للموقع، حيث حشد ما يزيد على 400 ممثل ومساعد محلي من آيسلندا بملابس وأزياء تاريخية.

جبل صخري بركاني يرتفع وسط السهول الرملية السوداء الشاسعة على الساحل الجنوبي لآيسلندا، بالقرب من قرية فيك (ويكيبيديا)

صُوّرت في هذه السواحل المشاهد الأسطورية الأكثر قتامة في العمل، حيث تقدم الكاميرات لقطات حية لسفينة أوديسيوس الخشبية الضخمة (التي أُعيد بناؤها وهيكلتها خصيصاً في الموانئ الآيسلندية قبل سحبها برياً عبر السواحل) وهي تبحر وسط مياه المحيط الأطلسي الهادرة العاتية، تزامناً مع خروج أوديسيوس (مات ديمون) ورجاله للقاء أرواح الموتى الراحلة وسط تباين صارخ بين السواد الحالك للرمال والضباب الكثيف الخانق الذي يلف المنطقة، مما منح التتابع السينمائي بعداً فلسفياً ورهبة حقيقية.

تتميز منطقة «هجورليفور» جغرافياً بكونها جرفاً بركانياً مهيباً يرتفع قرابة 221 متراً فوق مستوى سطح البحر، وينتصب كحارس وحيد وسط صحراء ورمال «ميردالساندر» المترامية.

يضم هذا المعلم الطبيعي عند قاعدته معلم التهديف الشهير عالمياً كهف «جيغاجا» (الذي يُعرف بين السياح باسم «كهف يودا» نظراً لأن فتحته الصخرية الطبيعية العملاقة تشبه بشكل مذهل ملامح شخصية «يودا» الشهيرة من أفلام حرب النجوم.

كهف «جيغاجا» الذي يُعرف بين السياح باسم «كهف يودا» (ويكيبيديا)

تقع المنطقة على مسافة قريبة جداً لا تتجاوز 15 كيلومتراً شرق قرية «فيك» (Vík) الساحلية الشهيرة التي تعد المركز السياحي الأبرز لجنوب آيسلندا).

تعد هذه الجغرافيا بيئة سياحية استثنائية مجهزة لاستقبال الزوار، حيث تتيح هيئة المتنزهات الآيسلندية خيارات متعددة لاستكشاف معالم الفيلم، بدءاً من مسار الصعود التدريجي نحو قمة الجرف الذي يستغرق نحو ساعة ونصف ساعة مشياً على الأقدام لتوثيق إطلالة بانورامية بزاوية 360 درجة تكشف مساحات الرمال السوداء اللامتناهية، وصولاً إلى معاينة القبر التاريخي المدفون فوق القمة للمستوطن الفايكنغي الثاني «هجورليفور هروذمارسون» الذي سمي الجبل تيمناً باسمه.

كما يقع موقع التصوير بالقرب من أشهر المزارات السياحية العالمية في آيسلندا، مثل شاطئ «رينيسفيارا» (Reynisfjara) للرمال السوداء وأعمدته البازلتية الشاهقة، ومنحدرات «ديرهولاي» (Dyrhólaey) الصخرية الشهيرة بمراقبة طيور البفن البافن، بالإضافة إلى إمكانية حجز جولات استكشافية مرشدة لزيارة مغارات الجليد الطبيعية في جبل «كاتلا» البركاني القريب، مما يجعل من السفر إلى جنوب آيسلندا تجربة متكاملة تجمع بين سحر الطبيعة وعوالم السينما الملحمية الحية.

 

 

كهف نيستور في اليونان: تجسيد عرين «السايكلوبس» ذي العين الواحدة

 

 

شهد كهف نيستور التاريخي الواقع في شبه جزيرة بيلوبونيز اليونانية تصوير واحدة من أكثر تتابعات فيلم «الأوديسة» إثارة وحبساً للأنفاس، وهي مواجهة أوديسيوس مع العملاق المرعب ذي العين الواحدة «بونيفيموس». ولإضفاء طابع واقعي مهيب، قاد المخرج نولان طاقم العمل المكون من النجمين مات ديمون وتوم هولاند، إلى جانب أكثر من 150 ممثلاً مساعداً ومؤدياً للحركات الخطرة، داخل هذا التشكيل الجيولوجي الضخم.

كهف نيتسور (ويكيبيديا)

صُوّرت في هذا الفضاء الحجري المظلم مشاهد احتجاز الطاقم وحصارهم خلف الصخرة العملاقة، واللحظات الدرامية القاسية لالتهام العملاق لبعض البحارة، وصولاً إلى المشهد الأيقوني الذي استخدم فيه أوديسيوس ذكاءه الحاد لتضليل السايكلوبس وصنع الرمح الخشبي الحقيقي الذي استُخدم لإعماء العملاق تمهيداً لخطتهم الذكية في الهروب بالاختباء تحت صوف الأغنام الحية التي جُلبت خصيصاً إلى الموقع، مما منح المشهد مصداقية بصرية خارقة.

كهف نيتسور (ويكيبيديا)

يقع كهف نيستور جغرافياً فوق تلة «باليوكاسترو» الأثرية في منطقة بيلوس بمحافظة ميسينيا، على بعد نحو 270 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة أثينا، مما يجعله وجهة سياحية بارزة يسهل الوصول إليها عبر رحلة برية بالسيارة تستغرق نحو 3 ساعات ونصف ساعة.

يتربع الكهف مباشرة أسفل بقايا قلعة نافارين القديمة، ويتميز بفتحة صخرية واسعة بارتفاع يفوق 20 متراً وعمق يصل إلى 50 متراً، حيث تذكر الأساطير اليونانية أن الملك نيستور كان يستخدمه لإيواء ماشيته.

تمنح بوابة الكهف الزوار إطلالة بانورامية ساحرة تحبس الأنفاس لواحد من أشهر وأجمل الشواطئ في العالم وهو شاطئ «فوايدوكيليا» (Voidokilia Beach) الشهير بشكل حدوة الحصان الهندسية الدقيقة ومياهه الفيروزية الشفافة ذات الرمال البيضاء الناعمة.

تعد المنطقة بأكملها محمية طبيعية ووجهة سياحية متكاملة ومفتوحة للعموم بالمجان، حيث يتيح الموقع للزوار دمج مغامرة استكشاف معالم الفيلم مع الأنشطة الترفيهية. إذ يسلك السياح مساراً صعودياً ممهداً يمتد لنحو 20 دقيقة من الشاطئ حتى الوصول إلى تجويف الكهف لمعاينة التكوينات الكلسية التي مشى بينها نجوم هوليوود.

كما يقع موقع التصوير بالقرب من مزارات سياحية وتاريخية شهيرة، أبرزها قصر الملك نيستور الأثري المحفوظ بعناية، وبحيرة «يالوفا» المائية (Gialova Lagoon) التي تعد ملاذاً عالمياً لمراقبة الطيور المهاجرة النادرة، بالإضافة إلى مدينة بيلوس الساحلية القريبة، مما يجعل زيارة الكهف رحلة تجمع بين عبق الأسطورة الإغريقية وسحر الطبيعة المتوسطية.

 

الصحراء المغربية ونقاء الكثبان البيضاء في عزلة جزيرة كاليبسو

 

في الجانب المقابل تماماً من لوحة الفيلم البصرية، استغل المخرج نولان التضاريس الساحرة للصحراء المغربية، وتحديداً في جوهرة الجنوب مدينة الداخلة، لتجسيد مَشاهد الشواطئ الممتدة والكثبان البيضاء النقية التي مَثّلت ببراعة «جزيرة كاليبسو» (أوجيجيا) المعزولة.

مدينة الداخلة المغربية (الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية)

جسدت هذه المشاهد جغرافياً موطن الحورية الأسطورية كاليبسو، ومثلت رمالها البيضاء الممتدة العزلة التامة والسجن الفاخر الذي تاه فيه البطل أوديسيوس لسنوات طويلة بعيداً عن وطنه.

تقع الداخلة جغرافياً كشبه جزيرة ساحرة تمتد لنحو أربعين كيلومتراً داخل المحيط الأطلسي في أقصى الجنوب المغربي، متميزة بلقاء فريد ولافت بين أمواج البحر الهادرة والكثبان الرملية الصحراوية المترامية، مما يمنحها عزلة طبيعية أخاذة جعلتها الخيار المثالي لمحاكاة بيئة الجزيرة الأسطورية.

تحظى المدينة بشهرة عالمية كقبلة أولى لعشاق الرياضات المائية والبحرية، لا سيما ركوب الأمواج والتزلج على الماء بالألواح الطائرة (Kitesurfing) بفضل رياحها المنتظمة وخليجها الهادئ.

كما ترتبط الداخلة بالدبلوماسية الدولية والاقتصاد العالمي كحاضنة سنوية لأعمال «منتدى كرانس مونتانا» السويسري الشهير.

أصبح الوصول إلى هذه المنطقة وتأمل مسارات التصوير متاحاً وبأعلى معايير الأمان والسلامة اللوجستية، بفضل البنية التحتية المتطورة وعلى رأسها المحور الطرقي الاستراتيجي الأحدث للربط بين شمال المغرب وجنوبه، الطريق السريع تزنيت - الداخلة البالغ طوله 1055 كيلومتراً، صدر قرار رسمي بإطلاق اسم الرئيس الأميركي «دونالد ج. ترمب» عليه تكريماً وتقديراً للعلاقات الاستراتيجية والمواقف السياسية المغربية الأميركية.

مدينة الداخلة جنوب المغرب (ويكيبيديا)

 

لا يمثل فيلم «الأوديسة» مجرد محطة عابرة في شباك التذاكر العربي والسعودي والعالمي، بل هو وثيقة سينمائية تثبت أن سحر الواقع وعظمة التضاريس الطبيعية يمتلكان سطوة بصرية لا يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أو زيف الشاشات الخضراء محاكاتها.

قرار نولان بالارتحال بكاميراته بين قلاع صقلية العتيقة، وكثبان الداخلة البيضاء، وشواطئ آيسلندا الحالمة باللون الأسود، قد أعاد صياغة مفهوم «السياحة السينمائية»، متحولاً بهذه المواقع التاريخية من مجرد خلفيات للمشاهد إلى وجهات حية تفتح أبوابها اليوم لعشاق الفن السابع والمغامرين لاستكشاف حدود الأسطورة على أرض الواقع.

ومع هذا النجاح الجماهيري والنقدي غير المسبوق لإنتاج عام 2026، تظل هذه المعالم شاهدة على رهان سينمائي ناجح انتصر للإنسان والطبيعة، ممهداً الطريق لجيل جديد من الرحلات الاستكشافية التي تتبع خطى الأبطال خلف الشاشة.


مقالات ذات صلة

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

يوميات الشرق الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

صنع الاتحاد على مدى عقود جانباً كبيراً من ذاكرته في 90 دقيقة، قبل أن يبحث اليوم عن مساحة تعيش فيها هذه الذاكرة خارج زمن المباراة عبر صناعة الأفلام والمسلسلات.

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق طاقم العمل خلال تصوير أحد مشاهد الفيلم (حساب المخرج بفيسبوك)

حسام أبو دان: «غزة 13» يروي أحلامنا التي قتلتها «حرب الإبادة»

قال المخرج الفلسطيني حسام أبو دان إن فيلمه الروائي الطويل الأول «غزة 13» هو أول فيلم روائي يتم تصويره في غزة بعد الحرب.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الألماني فرنر هرتزوغ في مهرجان فينيسيا (د.ب.أ)

فرنر هرتزوغ لـ«الشرق الأوسط»: بطلتا فيلمي شقيقتان ملتحمتان في شخصية واحدة

قال المخرج الألماني فرنر هرتزوغ إن الرجال في أفلامه أقل تعاطياً مع العواطف والوجدانيات؛ فهم متمرِّدون على أنفسهم وعلى الآخرين، وقساة أيضاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية سوزان ساراندون لحضور العرض الأول لفيلم «غرفة الصدى» خلال فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي الثالث والثمانين في مدينة البندقية بإيطاليا (إ.ب.أ)

سوزان ساراندون لا تزال تخسر أدواراً بسبب مواقفها حيال الحرب في غزة

كشفت الممثلة الأميركية سوزان ساراندون، الأحد، أنها ما زالت تُحرَم من بعض الأدوار في هوليوود بسبب انتقاداتها العلنية لحرب إسرائيل في غزة.

«الشرق الأوسط» (البندقية)
يوميات الشرق محمود حميدة وشيرين في أحد مشاهد فيلمهما الجديد (الشركة المنتجة)

أفلام مصرية جديدة تبحث عن نصيبها من الإيرادات بنهاية «موسم الصيف»

رغم اقتراب موسم الصيف السينمائي في مصر من نهايته، فإن دور العرض تستقبل خلال سبتمبر الحالي عدداً من الأفلام الجديدة.

انتصار دردير (القاهرة)

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
TT

الاتحاد يمدد حضوره خارج الـ90 دقيقة… ويدخل صناعة الأفلام والمسلسلات

الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)
الاتحاد يجعل صناعة الأفلام والمسلسلات امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب (النادي)

على مدى عقود، صنع نادي الاتحاد السعودي جانباً كبيراً من ذاكرته في 90 دقيقة؛ أهداف وبطولات ونجوم ومدرجات تناقلت حكاياتها أجيال من المشجعين.

واليوم، يبحث النادي عن مساحة أخرى تعيش فيها هذه الذاكرة خارج زمن المباراة، بعدما قرر الدخول إلى صناعة الأفلام والمسلسلات، وجعل الشاشة امتداداً جديداً لحضوره خارج الملعب.

الخطوة بدأت بإعلان النادي وشركة «تلفاز 11»، المتخصصة في تطوير وإنتاج المحتوى، شراكة استراتيجية طويلة الأمد، يتعاونا بموجبها على إنتاج أفلام ومسلسلات وأعمال ترفيهية موجهة إلى الجمهور في السعودية والمنطقة وخارجها، تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة الشركة في صناعة المحتوى وسرد القصص.

يقول رئيس الإعلام المؤسسي في النادي، رياض المزهر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الفكرة انطلقت من إدارة الإعلام لديهم، ولم تُقتبس من تجربة نادٍ آخر، موضحاً أنه لا يعرف نادياً عربياً سبق الاتحاد إلى نموذج مماثل بهذه الصورة.

وكشف المزهر أن التوجه يقوم على إنتاج أعمال درامية وتجارية مشتركة ربما ترتبط بالرياضة أو تبتعد عنها تماماً؛ مضيفاً أن الاتحاد قد يظهر خلفيةً للأحداث، أو تكون إحدى شخصيات مسلسل من مشجعيه، أو يحضر اسم النادي بصورة طبيعية داخل القصة، فيما يظل العمل في جوهره درامياً.

وهنا تكمن الفكرة الأبعد للمشروع: ألا تكون الشاشة مكاناً يروي قصة «الاتحاد» فقط؛ بل فضاء يصبح النادي نفسه جزءاً من حكاياته. ولهذا استحدث استوديو خاصاً به بوصفه بيت إنتاج متخصصاً لتطوير وكتابة وإنتاج الأعمال، في خطوة تنقله من إتاحة اسمه ولاعبيه ومنشآته لصناع المحتوى إلى المشاركة في صناعة ما سيظهر على الشاشة.

والمشروع تجاوز بالفعل مرحلة الفكرة؛ إذ أفاد المزهر بأن العمل بدأ على أول مشروعين ضمن هذا التوجه، لكنه تحفظ على الكشف عن تفاصيلهما في الوقت الراهن.

الشراكة تجمع إرث «الاتحاد» وقاعدته الجماهيرية بخبرة «تلفاز 11» في صناعة المحتوى وسرد القصص (النادي)

ذاكرة تعبر الأجيال

لا يضع الاتحاد العائد المالي المباشر في مقدمة رهانه الجديد، بل تستهدف التجربة، بحسب المزهر، تعزيز حضور النادي وتقديمه من خلال الدراما «بطريقة ناعمة وليست موجهة بشكل مباشر»، فيما ستكون أي عوائد تحققها الأعمال مشتركة بين طرفي الشراكة.

فبينما اللاعب يعتزل، والبطولة تتحول مع مرور السنوات إلى تاريخ، ويأتي جيل لم يشاهد اللحظات التي صنعت ذاكرة من سبقه، يمنح الفيلم والمسلسل النادي طريقاً آخر لعبور الزمن؛ من خلال شخصية أو قصة أو تفصيل يستطيع أن يُبقي اسم الاتحاد وهويته ولاعبيه حاضرين لدى أجيال جديدة، وحتى لدى مشاهد ربما لا يتابع كرة القدم.

وبذلك تصبح الدراما بالنسبة إلى الاتحاد أداة من أدوات القوة الناعمة، من خلال حضور يتجاوز تعريف المشاهد بـ«النادي»، وإنما يجعله يلتقيه داخل قصة يريد معرفتها.

نمو السينما السعودية

لا يأتي اختيار نادي الاتحاد للشاشة في فراغ؛ بل في لحظة اكتسبت فيها صناعة السينما السعودية وزناً مختلفاً خلال سنوات قليلة؛ ففي 2025، بلغت إيرادات شباك التذاكر 920.8 مليون ريال (245 مليون دولار)، بنمو 8.9 في المائة عن العام السابق، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً.

لكن الرقم الأكثر دلالة على التحول يتعلق بالمحتوى المحلي نفسه؛ إذ حققت 11 فيلماً سعودياً خلال العام 122.6 مليون ريال (32.7 مليون دولار) من الإيرادات، بعد بيع 2.8 مليون تذكرة، مقارنة بنحو 56.8 مليون ريال (15 مليون دولار) للأفلام السعودية في 2024، بما يعني أن إيرادات الإنتاج المحلي تجاوزت الضعف خلال عام واحد.

وفي سوق أصبح فيها الفيلم السعودي قادراً على المنافسة على المشاهد وشباك التذاكر، يبدو دخول مؤسسة رياضية بحجم نادي الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداداً لتحول أكبر؛ فالسينما لم تعد مجرد مساحة عرض، بل أصبحت سوقاً للحكايات والهويات والملكية الفكرية.

أما «تلفاز 11»، فتأتي للشراكة بخبرة ممتدة من المحتوى الرقمي إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، ومن أعمالها «سطار» و«ناقة» و«مندوب الليل»، مع تجربة سابقة في الاقتراب من عالم الأندية الرياضية عبر الفيلم الوثائقي «الروح الزرقاء» عن نادي الهلال عام 2022.

دخول الاتحاد إلى صناعة المحتوى امتداد لتحول أكبر في سوق السينما (النادي)

حكاية ترسخ الهوية

يرى رئيس تحرير منصة «فاصلة» السينمائية، أحمد العياد، أن هذه الشراكة تمثل «خطوة مهمة وواعدة»، لأنها تجمع نادياً يمتلك تاريخاً طويلاً وقاعدة جماهيرية كبيرة بشركة لديها خبرة في صناعة المحتوى السينمائي والتلفزيوني.

ويضيف العياد أن الاتحاد يمتلك «مخزوناً ضخماً من الحكايات»، لا يتوقف عند بطولاته ونجومه، وإنما يمتد إلى علاقته بمدينة جدة وجماهيره في مختلف مناطق السعودية، بما يمنح الأعمال فرصة للوصول إلى جمهور يتجاوز مشجعي النادي نفسه.

لكن هذا المخزون وحده لا يضمن نجاح التجربة؛ فالعياد يضع شرطاً أساسياً أمام المشروع: أن تستطيع الأعمال تجاوز المحتوى الدعائي المباشر؛ لأن الجمهور يريد قصة حقيقية وممتعة، فيها النجاح والإخفاق والتحديات، لا مجرد عمل احتفائي بالنادي.

وهنا يكمن ربما أصعب اختبارات رهان الاتحاد على القوة الناعمة، ويتمثل في أن يكون النادي حاضراً بما يكفي لترسيخ هويته، وخفيفاً بما يكفي كي تبقى الحكاية هي البطل.

وبعد عقود صنع خلالها حضوراً في الملعب، يدخل الاتحاد اليوم تجربة مختلفة يسعى منها لأن يصبح شريكاً في صناعة ما يشاهده الجمهور، ويمنح ذاكرته طريقاً جديداً للعبور من جيل إلى آخر، أبعد من حدود الـ90 دقيقة.


محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
TT

محبو المقناص يتأهبون لموسم الصيد شمال السعودية بتجهيز أدوات الطاروح

تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)
تتعامل أدوات الطاروح مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص (واس)

تستعد صحراء منطقة الحدود الشمالية السعودية لاستقبال موسم جديد لصيد الصقور في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وسط حضور متزايد للهواة، ومحبي المقناص من مختلف أنحاء المملكة، ودول الخليج.

وتبرز صحراء الحماد في منطقة الحدود الشمالية بوصفها إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها محبو المقناص، لما تتميز به من امتداد صحراوي مفتوح، وموقع يرتبط بمسارات هجرة الصقور.

ومع قرب الموسم، تبدأ الاستعدادات والتجهيزات التي تسبق لحظة طرح الصقر عند ظهوره في السماء، حيث تشمل إعداد عدة الطاروح، وتجهيز أدواته، بوصفها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الصيد بالصقور في المنطقة، بدءاً بالمناشبية، والملواح، إلى الشبك، والحمام المساعد، وغيرها، حيث لكل منها وظيفتها، ووقت لاستخدامها.

استعدادات مع قرب موسم الصيد تشمل إعداد عدة الطاروح وتجهيز أدوات الطرح (واس)

وتلتقي الأدوات التي تتباين في أشكالها وطرق استخدامها عند غاية واحدة، تتمثل في التعامل مع الصقر المهاجر وفق أساليب وخبرات توارثها أهل المقناص جيلاً بعد آخر، فيما تطورت بعض تفاصيلها مع مرور الزمن، لتجمع اليوم بين الخبرة المتوارثة ووسائل المساعدة الحديثة.

وتأتي «المناشبية» ضمن الأدوات المستخدمة في طرح الصقور، وتعتمد على مهارة الطاروح في إعدادها، وتجهيزها، واستخدامها في الوقت والمكان المناسبين، فيما يمثل «الملواح» أداة مرتبطة بتدريب الصقر، واستدعائه، ومحاكاة المطاردة، ويستخدمه الصقار لإثارة انتباه الطير، وتحفيزه على الانقضاض.

أدوات الطاروح تطورت بعض تفاصيلها مع مرور الزمن (واس)

ويعد «الشبك» من أبرز أدوات الطرح، وتتعدد طرق استخدامه بحسب الأسلوب المتبع، ونوع الطير المستهدف، فيما يدخل «الحمام المساعد» في بعض الطرق بوصفه وسيلة لاستدراج الصقر، وتوجيهه إلى المسار المعد للطرح.

وترافق الصقار مجموعة أدوات أصبحت جزءاً من عدته، ومفردات المقناص، منها خاصة بحمل الصقر، والعناية به، والتعامل معه، كـ«البرقع» الذي يحجب الرؤية عن الطير، ويستخدم في التعامل معه، ونقله، والسبوق الذي يربط به، فضلاً عن الوكر، والدس، وغيرهما.


«المسرح فرجة»... شعار يجمع عشّاق الخشبة في «مهرجان لبنان المسرحي الدولي»

مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)
مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)
TT

«المسرح فرجة»... شعار يجمع عشّاق الخشبة في «مهرجان لبنان المسرحي الدولي»

مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)
مسرحية «المهرّج فيوري» من إيطاليا تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)

تشهد الحركة المسرحية في لبنان نهضة لافتة تعيد إلى الخشبة حضورها ودورها في المشهد الثقافي. فبين عروض جديدة وتجارب شابة ومهرجانات تفتح أبوابها أمام المسرحيين، يستعيد أبو الفنون شيئاً من بريقه، مؤكداً مرة أخرى أنه لا يزال مساحة للتعبير واللقاء. وفي هذا السياق، يأتي «مهرجان لبنان المسرحي الدولي» ليحتفي بالخشبة وفنانيها، رافعاً شعار «المسرح فرجة تحمل هموم المجتمع»، في دعوة إلى استعادة متعة المسرح والاحتفاء به فناً حيّاً ومتجدّداً.

مسرحية «نقوش على الخواء» من المغرب تشارك في المهرجان (الجهة المنظمة)

وفي دورته الـ13، التي تنظِّمها، كما في كل عام، جمعية «تيرو للفنون» و«مسرح إسطنبولي»، يقدّم المهرجان عروضاً مسرحية من لبنان ودول أخرى. ومن 18 الحالي إلى 22 منه، يفتح أبوابه مجاناً أمام الجمهور في 3 مدن لبنانية: صور وطرابلس وبيروت. وتُقام العروض في «المسرح الوطني اللبناني» في كلٍّ من صور وطرابلس، فيما تستقبلها في بيروت «سينما الكوليزيه» التاريخية، إحدى أقدم دور العرض السينمائي في لبنان.

وحُوِّلت «سينما الكوليزيه» إلى «المسرح الوطني اللبناني»، لتصبح مساحة ثقافية حرّة ومستقلة، مفتوحة مجاناً أمام الجمهور، وتُقام فيها ورش تدريبية ومهرجانات وعروض فنية، إلى جانب احتضانها مكتبة عامة ومقهى فنياً.

ويشير مؤسس «المسرح الوطني اللبناني»، الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي، الحائز «جائزة اليونيسكو-الشارقة للثقافة العربية»، إلى أن «الهدف من مشروع إعادة تأهيل سينما الكوليزيه هو إقامة صلة بين الجنوب والشمال وبيروت».

ويتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يمثّل المهرجان استكمالاً لحلمنا الذي بدأ قبل 7 أعوام، مع تأسيس المسرح الوطني اللبناني في صور، وهو أول مسرح وسينما يفتحان أبوابهما مجاناً أمام الجمهور في لبنان».

ويضيف: «يهدف المهرجان إلى مواجهة تداعيات الحرب التي يعيشها لبنان، والتأكيد على أهمية بقاء المسرح مفتوحاً أمام الناس في الحرب والسلم. وبفضل جهود الشباب المتطوعين، سنحقّق ما بعد المركزية الثقافية، ونكسر، عبر الفنون، الجدار الوهمي بين المناطق اللبنانية، ونربط بعضها ببعض من خلال المساحات الثقافية».

«فراشة» مونودراما من الجزائر (الجهة المنظمة)

ويتابع إسطنبولي: «نحن سعداء بأننا نعيش الحلم في بيروت، من خلال تأسيس المسرح الوطني اللبناني في سينما الكوليزيه التاريخية، بعد تأسيسه في مدينتي صور وطرابلس. وهذا إنجاز مهم للمسرحَين اللبناني والعربي».

وتتنافس العروض الثمانية المشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان على جوائز عدة، بينها أفضل ممثل، وأفضل ممثلة، وأفضل سينوغرافيا، وأفضل إخراج، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم. وتتألف اللجنة من الممثلَين اللبنانيين عمر ميقاتي وجوليا قصار، والكاتب والمخرج اللبناني يوسف الرقة، إلى جانب المخرج الأردني خالد المسلماني والكاتب الدكتور قاسم قاسم.

ومن بين الأعمال المشاركة مسرحية «المهرّج فيوري» الإيطالية، التي تستلهم موضوعها من قصة «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، ويؤديها الممثل الإيطالي نيكولا ميشيل.

كذلك تُعرض المسرحية اليونانية «أي جيرونتوكوري» (العانس)، وهي من فكرة فاني داليزيو وأدائها. ويشارك المخرج الجزائري بوطالب الطاهر بمسرحية «الفراشة»، من بطولة الممثلة بولناس شروق. ومن العراق، تُعرض مسرحية «من الطين وإلى»، من تأليف وسام عبد السلام، وإخراج زيدون السلطان، وتمثيل أظهر الأسدي، فيما يشارك المغرب بمسرحية «نقوش على الخواء»، من إخراج إدريس كصري.

ويخصّص المهرجان مساحة للعروض اللبنانية، بينها «بانتظار الأمل وراجعين»، من إنتاج جمعية «تيرو للفنون»، ويشارك في بطولتها عدد من الأطفال والشباب النازحين، إلى جانب مسرحية «زوجات ولكن» لقاسم قاسم، وعرض «4333» من أداء ديانا آدم.

وتشهد ليلة الافتتاح عروضاً راقصة وفولكلورية من اليابان وسوريا وفلسطين، في محطة تجمع ثقافات مختلفة على خشبة واحدة. ويتضمّن البرنامج أيضاً تحية إلى الدكتور سلطان القاسمي.

ويشيد إسطنبولي بالحركة المسرحية التي يشهدها لبنان حالياً، والتي تسهم، برأيه، في ولادة مواهب حقيقية من جيل الشباب. لكنه ينتقد، في المقابل، غياب الدعم الرسمي لهذا الفن، مما يجعل الحركة المسرحية رهينة مبادرات فردية لا تحظى بالتشجيع اللازم للنهوض بها. ويعلّق في هذا السياق: «نعاني في لبنان نقصاً في الدعم المسرحي، فتتحوّل أعمالنا إلى مجازفة في ظل إمكانات محدودة. حتى إن مسرحيين محترفين يعانون المشكلة نفسها، رغم خبراتهم الطويلة في هذا المجال».

من عروض المهرجان «العانس» من اليونان (الجهة المنظمة)

وعن كثافة الإنتاج المسرحي في لبنان، يقول: «لا أستطيع متابعة جميع المسرحيات المعروضة كي أقيّمها، لكنني أدرك تماماً أن وسائل التواصل الاجتماعي أدّت دوراً بارزاً في تنشيط الحركة المسرحية. فالمواهب التي تطل عبر المنصات الإلكترونية في مجال الكوميديا و(استاند أب كوميدي) بدأت تحجز لنفسها مكاناً لدى الجمهور، وانتقل بعضها إلى الخشبة لتقديم عروضه. وأرى في ذلك أمراً مشجّعاً ومساعداً على النهوض بالمسرح. وكما في أي مهنة أخرى، هناك أعمال جيدة ترتقي إلى المستوى المطلوب، وأخرى ضعيفة بسبب رداءة موضوعاتها».