ظاهرة جماهيرية اسمها «الأوديسة»

ارتفاع في مبيعات كتاب هوميروس ورواج للكتب الصوتية... مقابل انتقادات وهجوم من إيلون ماسك

مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
TT

ظاهرة جماهيرية اسمها «الأوديسة»

مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

مع بداية عرض فيلم «الأوديسة» للمخرج العالمي كريستوفر نولان بدأت موجة عالمية من الدعاية المكثفة، ونجح الفيلم بضخامته وحبكته وأبطاله في التحول إلى ظاهرة تحصد الاهتمام والنجاح، وقبل كل ذلك الإيرادات القياسية.

أصبح الفيلم حديث الناس في كل مكان؛ الكل يناقش الأساليب السينمائية التي استخدمها نولان، البعض يتحدث عن تصوير الفيلم بكاميرات آي ماكس، وآخرون يتحدثون عن الموسيقى التصويرية التي أُلِّفت باستخدام آلات تقترب من الآلات الموسيقية في التاريخ الإغريقي، هناك أيضاً من يتحدث عن التزام المخرج بتفاصيل الملحمة التي كتبها هوميروس. البودكاست التاريخي وَجد مادة ثرية للحديث، وتنافس مؤثرو وسائل التواصل من المهتمين بالتاريخ في الحديث عن تفاصيل قصة المحارب أوديسيوس ومعركة طروادة وغيابه عن موطنه في جزية إيثاكا وعن زوجته المخلصة بينيلوبي وابنهما تيليماخوس.

بينيلوبي وابنها تيليماخوس في فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

انتعاشة للكتب والبودكاست

دفع الفيلم بالكتاب إلى مقدمة مبيعات الكتب في بريطانيا، فقد سجلت مبيعات النسخ الورقية من الكتاب ارتفاعاً بنسبة 700 في المائة، مقارنةً بنفس الفترة من العام الماضي، وبيعت 8000 نسخة خلال الأسبوع الماضي فقط. أغرى الفيلم الملحمي كثيرين بالعودة إلى الكتاب الأصلي وترجماته المختلفة وإن كانت الترجمة التي اعتمدها كريستوفر نولان للكاتبة إميلي ويلسون حظيت بالنصيب الأكبر من الإقبال، وهو أمر لم تستعدّ له المكتبات فيما يبدو، فحسب موقع «بي بي سي» وصفت سلسلة مكتبات «واترستونز» البريطانية الإقبال على شراء كتاب «الأوديسة» بأنه «استثنائي»، خصوصاً بالنسبة إلى ترجمة إميلي ويلسون التي حاولت المكتبات توفير نسخ منها للقراء، ولكن الإقبال كان أكبر من المعروض وهو ما أكدته كيت سكيبر، الرئيسة التنفيذية للعمليات في «واترستونز» في حديث مع المحطة الرابعة لـ«راديو بي بي سي»: «لقد وفّرنا مزيداً من النسخ ولكننا لم نكن نتوقع هذا القدر من الطلب خصوصاً على ترجمة إميلي ويلسون. ولهذا تصل إلينا شحنات بشكل يومي ولكن الكتب تنفَّذ فور عرضها في المكتبات».

ترجمة إميلي ويلسون لـ«الأوديسة» تنفد من المكتبات

وحظيت النسخ الصوتية من الكتاب أيضاً بإقبال كبير، فقد احتلت نسخة يرويها الممثل البريطاني ستيفن فراي مركزاً متقدماً في قائمة أكثر 10 كتب صوتية تحميلاً في منصة «سبوتيفاي» في بريطانيا، واحتلت نسخة بصوت الممثل المخضرم إيان ماكالان مركزاً مماثلاً في القائمة في الولايات المتحدة الأميركية.

وإلى جانب النص الأصلي لـ«الأوديسة» نالت روايات حديثة مستوحاة من «الأوديسة» نصيبها من الإقبال أيضاً، مثل رواية «سيرسي» للمؤلفة مادلين ميلر التي تروي فيها قصة الساحرة سيرسي التي حوَّلت جنود أوديسيوس إلى خنازير، وهي من أكثر الروايات تداولاً للمؤلفة. يُقبل القراء أيضاً على رواية الكاتبة مارغريت أتوود «بينيلوبياد» ورواية «إيثاكا» (أغاني بينيلوبي، الكتاب الأول) للكاتبة كلير نورث، عن بينلوبي زوجة أوديسيوس، التي انتظرت عودته بصبر لمدة عشرين عاماً، ونجحت في حماية ميراث ابنها تيليماخوس، وصدَّت 108 من الخُطَّاب طوال فترة غياب أوديسيوس، وذلك من خلال حيلة حياكة نسيج كل يوم ثم فك خيوطه لتعود لحياكته ثانية.

القائمة طويلة للروايات الحديثة التي تتناول بطلات وأبطال ملحمة هوميروس، ولا شك أن الفيلم قد أغرى كثيرين بالانغماس في معالجات معاصرة للملحمة الاسطورية. وتشير التقارير إلى رواج قراءة الملحمة والروايات المستمدَّة منها بين جيل الألفية بشكل كبير.

رواية «سيرسي» لمادلين ميلر

انتقادات وتعليقات

غير أن الفيلم أيضاً فتح باباً كبيراً للنقاش عن القصة وأحداثها وما التزم به المخرج وما لم يلتزم به. بالنسبة إلى كريستوفر نولان كان هناك خيط محدد بدا كأنه تعليق على عالمنا المعاصر، وهو «قانون زيوس» الذي نسمع أبطال الفيلم يتحدثون عنه في مختلف المواقف. قانون زيوس في الملاحم الإغريقية يتعلق بضيافة واستقبال الغريب؛ أنْ تعامل الناس كما تحب أن تعامَل. في الفيلم تعاقب الآلهة أوديسيوس على خداع أهالي مدينة طروادة بالدخول مع جنوده مختبئين داخل الحصان الخشبي الضخم الذي قُدِّم لأهل المدينة على أنه هدية، ولكن البطل وجنوده استخدموه للهجوم على المدينة وفتح أبوابها للمحاربين. لقد خالف أوديسيوس القانون المقدس للضيافة المتبادلة بين الضيوف والمضيفين والذي يطالب الناس بالرأفة بعضهم ببعض، وأن يرحبوا بالغريب في بيوتهم، بشكل ما يومئ نولان ببراعة إلى الحروب المعاصرة ومعاملة اللاجئين.

بالنسبة إلى الكاتبة إميلي ويلسون، صاحبة ترجمة ملحمة هوميروس التي اعتمدها نولان في كتابة السيناريو، افتقر الفيلم لبعض الخيوط الرئيسية في الملحمة، وقالت في حديث لوكالة «أسوشيتد برس»: «أريد الاحتفاء بحقيقة أن هناك كثيرين ممن عادوا إلى الملحمة، ولكن في الوقت نفسه أشعر بأن نولان كان يحاول حشر كل شيء، بينما أغفلَ في المقابل موضوعاتٍ جوهريةً في القصيدة»، أما المؤرخة ماري بيرد فقد علَّقت بأن نولان أغفل كل النكات والمواقف المضحكة في الملحمة.

مات دايمون في دور أوديسيوس في فيلم «الأوديسة» (آي إم دي بي)

وعلى الجانب الآخر من النقد التاريخي كان هناك النقد المبنيّ على مواقف سياسية؛ مثل نقد إيلون ماسك لكريستوفر نولان بأنه لم يستخدم ممثلين من أصول يونانية أو أنه استخدم ممثلة سوداء لتمثيل شخصية «هيلين» المعروفة بجمالها، وقال على موقع «إكس» إنه سيقوم بصنع فيلم عن الأوديسة عبر برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي يكون «صحيحاً من الناحية التاريخية»، وهو ما أثار السخرية من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين أشاروا إلى أن ماسك لا يعرف أن قصة الأوديسة كلها من صنع الخيال بما تضمه من آلهة ووحوش أسطورية وحتى هوميروس يعتقد كثيرون أنه شخص خيالي.


مقالات ذات صلة

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

سينما «ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من...

محمد رُضا (لندن)
سينما إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق كريم مع صناع الفيلم على السجادة الحمراء (الشركة المنتجة)

«مطلوب عائلياً»... عودة «غير مقنعة» لكريم عبد العزيز إلى الكوميديا

يعود الفنان المصري كريم عبد العزيز إلى الكوميديا الاجتماعية عبر فيلمه الجديد «مطلوب عائلياً».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «سما» لرباب خميس (إدارة مهرجان الدوحة السينمائي)

مهرجان «الدوحة» يحتفي بالسينما المستقلة وقصص المهمَّشين

أعلن مهرجان «الدوحة السينمائي» قائمة أفلام «المسابقة الدولية»، التي ستشهد تنافس 15 فيلماً، حظي 11 منها بدعم «برنامج المنح» التابع لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق بيرس بروسنان وجوني ديب وأدريان برودي وأنتوني هوبكنز برعوا في الرسم كما في التمثيل

جوني ديب يبيع لوحاته بالملايين وأنتوني هوبكنز يرسم ليشفى... ممثّلون من أمام الكاميرا إلى أمام اللوحة

من أنتوني هوبكنز إلى سيلفستر ستالون مروراً بجوني ديب وغيرهم... نجوم هوليوود يفجّرون مواهب خفيّة بالريشة والألوان.

كريستين حبيب (بيروت)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».