محمد خان... أفلامه تشهد على زمن فنّي أفضل

المخرج المصري رحل قبل 10 سنوات تاركاً أعمالاً لا تُنسى

فردوس عبد الحميد وعادل إمام في فيلم «الحريف» (شركة أبناء شفيق فتح الله)
فردوس عبد الحميد وعادل إمام في فيلم «الحريف» (شركة أبناء شفيق فتح الله)
TT

محمد خان... أفلامه تشهد على زمن فنّي أفضل

فردوس عبد الحميد وعادل إمام في فيلم «الحريف» (شركة أبناء شفيق فتح الله)
فردوس عبد الحميد وعادل إمام في فيلم «الحريف» (شركة أبناء شفيق فتح الله)

تمرُّ بعد أيام الذكرى العاشرة لرحيل المخرج المصري محمد خان، الذي توفي في الـ26 من هذا الشهر عام 2016. وكان قد تعرَّض لوعكة صحية قبل أيام من وفاته، ولم يتعافَ بعدها، وودَّع الحياة في أحد مستشفيات القاهرة.

خلال السنوات الـ10 الماضية، أُطلقت أفلام مصرية قليلة تستحق التقدير والإعجاب. ليس لأنّ المخرجين الطموحين، القادرين على تحقيق أعمال جيدة، غير متوفّرين بالمطلق، وإنما لأنّ التوجّه التجاري المحض للسينما المصرية ازداد شراسة، وبات هو الخيار الأول وعنوان إنتاجاتها الأساسي، مدعوماً بإقبال المشاهدين العرب. هناك تقدُّم في توظيف التقنيات في أفلام الأكشن، وكثير من العضلات الشابة التي تشارك في الأداء، لكن ليس ثمة أيّ اكتراث فعلي بالقيمة الجوهرية للسينما.

الحال، بأسرها، ليست غريبة. فقد كانت قد استشرت في أيام محمد خان. ما بين «يوم حلو... يوم مُر» (1988) وفيلمه اللاحق «أيام السادات» (2001)، 12 سنة. وما بين «شقة مصر الجديدة» (2007) وفيلمه التالي «فتاة المصنع» (2014) 7 سنوات عجاف. ذلك لأن المنتجين نفضوا أيديهم من مخرجين من طرازه، لا تحقّق أعمالهم أرباحاً ترضيهم.

المخرج المصري محمد خان في لقطة أرشيفية (السينما.كوم)

ما بين 1979 و2014، أنجز خان 24 فيلماً روائياً طويلاً. ومَن ينظر إليها اليوم يجدها أكثر تنوّعاً مما بدا سابقاً. صحيح أنه اشتغل على أفلام ذات طابع تشويقي، مثل «ضربة شمس» (1979)، و«الثأر» (1980)، و«نص أرنب» (1982)، و«فارس المدينة» (1992)، وإنما معظم أفلامه كانت اجتماعية بمضامين جدّية. وكان من بينها أفلام كوميدية، مثل «خرج ولم يعد» (1984)، وأخرى محورها الإنسان الحائر بين انتماءات عاطفية وعائلية، مثل «الحريف» (1983) و«عودة مواطن» (1986)، وأحدها، وهو «أيام السادات»، كان فيلماً سِيَريّاً. وحتى تلك الأفلام التي يمكن وصفها بالتشويقية، لم تخلُ مطلقاً من رؤية اجتماعية ومعالجة جدّية لشخصياتها.

هند كامل ونجلاء فتحي في فيلم «أحلام هند وكاميليا» (مصر العالمية)

ملامح مبكرة

كانت بدايته في الأفلام الروائية الطويلة، بعد بضعة أفلام قصيرة، متجسّدة في فيلم من كتابة الراحل فايز غالي وبطولة نور الشريف، الذي أنتج أيضاً الفيلم. وكان ذلك في «ضربة شمس»، الذي حمل ملامح عدّة لما سيكون عليه أسلوب محمد خان في أفلامه المقبلة. هو فيلم عن القاهرة ومتاهاتها. وليس معنى ذلك أنه جيد في كلّ زوايا وجوانب عمله؛ فالتصوير الليلي ضعيف في توزيع إضاءته، وموسيقى كمال بكير مستَخدمة أكثر مما يجب، كما أنّ هناك ثغراً في الكتابة، مثل أن يترك مصور صحافي كاميرته على دراجته ثم يُفاجأ بسرقتها. وإلى جانب هؤلاء، بدأ خان علاقة عمل مثمرة فنياً مع المونتيرة نادية شكري، استمرّت ردحاً طويلاً.

لكن ما يكشف الفيلم عنه هو تصاميم تصوير خارجية منفَّذة بنجاح، وهي سمة مهمّة في أفلام خان اللاحقة، يلتقط عبرها أنفاس المدينة.

سنلاحظ أنّ خان، من هذا الفيلم وحتى فيلمه الرائع «الحريف» (1983)، تعامل مع كاتبين فقط، هما فايز غالي وبشير الديك، ومع مدير تصوير واحد هو سعيد شيمي، الذي طمر ثغرَ فيلم خان الأول سريعاً، وانبرى أحد داعمي أسلوب عمل المخرج وجيله.

فيلمان لخان جرى اقتباسهما من أفلام أجنبية: «الرغبة»، عن رواية ف. سكوت فيتزجيرالد «غاتسبي العظيم»، التي صُوِّرت بضع مرات، أفضلها نسخة جاك كلايتون سنة 1974، و«الثأر» (1980)، المأخوذ عن فيلم الغرب الأميركي «ذا برافادوس» (هنري كينغ، 1958). وفي كليهما تحوَّلت الحكاية إلى ما يلائم المجتمع المصري.

ما بين 1979 و2014 أنجز خان 24 فيلماً روائياً طويلاً

نساء ورجال

فيلم خان الرابع «موعد على العشاء» وَرَدَ سنة 1981 عن سيناريو لبشير الديك، الذي كتب حكاية عاطفية عن امرأة متزوجة (سعاد حسني) من رجل مهيمن (حسني فهمي)، تستعيد لحظة حبّها لشاب كانت تعرفه سابقاً (أحمد زكي في التعاون الأول بينه وبين المخرج). وما يمكن تسجيله هنا هو البداية الفعلية لاهتمام محمد خان بالمرأة في أفلامه، التي عبّر عنها في «زوجة رجل مهم» لجهة تصوير العلاقة بين رجل مستبد وامرأة تستحق حياة أفضل. أعجب الفيلم المخرج أنو قوادري، فاقتبسه موضوعاً للفيلم البريطاني «كلارا» بعد سنوات.

هناك زوجة محرومة أخرى في فيلم خان التالي «طائر على الطريق» (1981)، تؤدّيها فردوس عبد الحميد إلى جانب أحمد زكي (التعاون الثاني) وفريد شوقي، قبل أن يعود المخرج إلى سينما الحركة في «نص أرنب» (1982).

«الحريف» في 1984 شهد نضج كلّ تلك الرؤى والمعالجات السابقة. دراما حول المهمّشين. فيلم أكثر واقعية ممّا سبق لخان أن أنجزه حتى ذلك الحين، وأحد أفضل أفلامه إلى جانب «زوجة رجل مهم»، و«أحلام هند وكاميليا»، و«عودة مواطن»، و«سوبر ماركت» (1990). في هذه الأفلام تتطوَّر شخصيات خان المحبطة، التي وصلت إلى نهايات طرقها. وما عاد لديها سوى القبول بما حققته والإذعان لِما لم يتحقّق.

«فارس المدينة» (1992) هو فيلم رائع آخر، وانطلاقة جيدة لبطله محمود حميدة، وهو، في رأيي، أفضل فيلم تشويقي أنجزه خان. إنه أكثر من فيلم «أكشن» حول رجل تتقاسمه مشاغل الحياة وعواطفها.

وإذ لا تكفي المساحة لسرد جميع أعمال خان الأخرى، مثل «يوم حار جداً» (1994)، و«أيام السادات» (2001)، و«فتاة المصنع» (2014)، فإن كلاً منها نقل صورة صادقة عن الحياة في مصر. حتى «خرج ولم يعد» (1984)، مع يحيى الفخراني وليلى علوي وفريد شوقي، يبدأ في القاهرة، لكن أحداثه تدور في الريف، حيث يكمن الجمال المنسيّ للحياة.

فإنه من الضروري التوقف عند فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف» (2016)، الذي لم يجد بين النقاد العرب كثيراً مما يثير اهتمامهم. لكنه فيلم بديع، لحكاية عاطفية من دون أن يعلن عن نفسه كذلك. حمل هذا الفيلم نسيماً خاصاً، كما لو كان إعلان حبّ من خان للسينما، في بساطة عناصرها وعمق مدلولاتها.


مقالات ذات صلة

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

يوميات الشرق بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

كما العادة، يوفّر «مهرجان فينيسيا» أفلاماً كثيرة لا يمكن لأي امرئ مشاهدتها في 10 أيام أو حتى أسبوعين. لكنّ الأمر ليس في العدد، إنه في النوعية أولاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق مرَّر «الأسد» إلى يدٍ أخرى واصطاد ابتسامتها (إ.ب.أ)

4 لقطات «مثالية» تفتح لجورج كلوني باب «وظيفة» جديدة

سلَّم النجم الأميركي جورج كلوني جائزة إنجازات العمر الممنوحة له إلى مصوِّرة «وكالة الصحافة الفرنسية»، تيزيانا فابي، ثم تولّى بنفسه مهمّة التصوير بكاميرتها...

«الشرق الأوسط» (فينيسيا)
يوميات الشرق حينما تبادل كلٌّ من بطليه الأدوار (الشركة المنتجة)

سينما الشباب لكسب رهان الإيرادات في الموسم الصيفي بمصر

يواصل فيلم «محمود التاني» تصدره المركز الأول في الإيرادات اليومية لأفلام الموسم الصيفي بالسينمات المصرية، بعدما حقق أكثر من مليون ونصف المليون جنيه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)

كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

عندما وصلت إلى أفغانستان للمرة الأولى كانت تعتقد أنها ستقدّم فيلماً عن الفتيات، لكنها اكتشفت سريعاً أن الفتيان أيضاً يُوضعون في ظروف شديدة الصعوبة.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا (2)

محمد رُضا (فينيسيا)

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
TT

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)

اكتظت قاعة المؤتمرات الكبيرة في مقر مهرجان «فينيسيا» السينمائي بعدد من الحضور فاق المعتاد. واضطر كثير من الصحافيين والنقاد إلى الوقوف على جانبي القاعة للاستماع إلى رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة والمخرجة ماغي جيلنهال، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مع باقي أعضاء اللجنة.

كانت المناسبة تقليداً راسخاً في كل دورة وفي كل مهرجان: على رئيس لجنة التحكيم تقديم رؤيته المسبقة للمهمة التي هو (أو هي) بصددها مع أفراد لجنته. لكن هذا التقليد تعرّض في السنوات القليلة الماضية لمحاولات من الإعلام لطرح أسئلة عن رأي اللجنة في القضايا السياسية الساخنة. حدث هذا في «برلين»، «لوكارنو» وكذلك في «فينيسيا».

ألبرتو باربيرا وماغي جيلنهال في مهرجان «فينيسيا» (رويترز)

لم تُضيِّع جيلنهال وقتاً في التصدِّي لهذا الموضوع، فقالت مباشرة: «الأفلام، على نحو لا يمكن تجنّبه، سياسية أساساً. نستطيع أن نتساءل: كيف نحتفي بالسينما هنا في حين أن العالم في حالة طوارئ؟ بالنسبة إليَّ، يتطلب الجواب موقفاً تعاطفياً. أعتقد أن الفيلم (أي فيلم) يتيح لنا فرصة لإيقاظ التعاطف في ذواتنا». وأضافت: «علينا أن نتحدَّى أنفسنا بالسماح لصانع الفيلم بأن يقول ما يرغب في قوله».

السؤال الآخر الذي بات يتردد، مثل أسطوانة مشروخة، في كل مناسبة، هو عن «قلة عدد الأفلام النسائية الإخراج في المسابقة الرسمية».

ما لم يكن متوقعاً هو رد جيلنهال على هذا السؤال. وعوض أن تقول شيئاً مثل إن المهرجان يختار أفلامه تبعاً لقيمتها، وليس لجنس صانعيها، أو إنها كانت تأمل أن تكون هناك أفلام نسائية الإخراج أكثر، قالت بجدية: «أعتقد أن الأمر بات أخيراً واضحاً: الرجال يصنعون أفلاماً أفضل من النساء». وشرحت ما تعنيه متحدثة عن «منظومة» على المرأة أن تمر عبرها. وحمل بعض تعليقها تلميحاً ساخراً إلى عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في المسابقة الرئيسية، باستثناء فيلم واحد.

من «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم برودكشن)

امرأة وحيدة

وضع جواب رئيسة لجنة التحكيم بعض النقاط على الحروف. فالمشكلات التي تواجه المرأة، وقناعاتها والمسائل التي تحيط بها، ليست المادة التي يتوجَّه إليها الجمهور الكبير؛ ذاك الذي يفضِّل، تلقائياً، مخرجين لديهم أسماء رنَّانة، أو يجري وراء أفلام دارجة تحتوي على ذلك الخليط من المغامرة والمطاردات والعنف. وليس معنى ذلك أن بعض المخرجات لا يتمتعن بالقدرة على توظيف هذه العناصر على النحو الذي يتطلبه الإنتاج، بل إن غالبيتهن لديهن موضوعات أكثر أهمية بالنسبة إليهن.

تقوم شركات الإنتاج، الأميركية خصوصاً، غالباً على مبدأ واحد هو الإيراد. ويختلف الوضع في أوروبا، حيث هناك مُتَّسع أكبر لمشاركة المرأة في إخراج أفلام تعكس اهتماماتها. على الرغم من ذلك، تصل نسبة المخرجين الرجال إلى الثلثين، وأحياناً أكثر.

وعندما يواجه مهرجان «فينيسيا» حالة كهذه، فإنه يفضِّل الحُكم على النتائج المرئية، لا على جنس المخرج أو أي عامل آخر.

ومن المثير حقاً أن الفيلم النسائي الوحيد في المسابقة هذا العام هو «امرأة مجهولة» لمي الطوخي، وهي مخرجة دنماركية من أصول مصرية تعيش في الدنمارك منذ سنوات. والفيلم إنتاج دنماركي، مع مساهمة إيطالية.

تكريم جورج كلوني في ليلة الافتتاح

فيلمان عن الإعلام

كان حفل الافتتاح نفسه حافلاً بالنجوم وكبار السينمائيين الذين حضروا المناسبة. ووقف رئيس المهرجان، ألبرتو باربيرا، مستقبلاً ضيوفه كالعادة، ومن بين من استقبلهم رئيس مهرجان «كان» تييري فريمو. وتعانق الاثنان، متناسيين، ربما للحظات، المنافسة الحامية بين المهرجانين.

كان جورج كلوني المُحتفى به في ليلة الافتتاح. وصل برفقة زوجته اللبنانية، وحظي بالترحيب الكبير الذي يستحقه.

فيلم الافتتاح هذا العام، «حبر» (Ink) لداني بويل، يتناول موضوعاً لا يبتعد عن تاريخ صناعة الإعلام وواقعها الراهن. وهو عمل بيوغرافي جزئي عن لاري لامب، الذي ترأس تحرير صحيفة «ذَ صن» حين اشتراها المليونير روبرت مردوخ (الفيلم في «شاشة الناقد» اليوم). ولا يتحدث عن وضع سياسي، لكنه يعرض لمحات خاطفة وذكية عن الفترة التي تدور فيها الأحداث، وينتهي بربط الماضي بالحاضر على صعيد الإعلام.

لاحقاً، وفي عداد ما سيُعرض في المسابقة هنا، سنشاهد فيلماً آخر عن الإعلام والإعلاميين، هو «برايمتايم» للمخرج لانس أوبنهايم، ومن بطولة روبرت باتنسون، الذي يؤدي دور مراسل شبكة «NBC» الأميركية كريس هنسن.

كان فيلم الافتتاح، من حيث نوعيته وجدواه، أفضل من فيلمي افتتاح المهرجانين الكبيرين المنافسين، «برلين»، و«كان».

افتُتح مهرجان «برلين» العام الحالي بفيلم «لا رجال صالحون» (No Good Men) لشهربانو سادات، وهي إحدى عضوات لجنة التحكيم هنا، فيما أُسندت المهمة في مهرجان «كان» إلى الفيلم الفرنسي «قبلة كهربائية». وقد أخفق كلاهما في تقديم تبرير حقيقي لاختيارهما في هذا النطاق.


شاشة الناقد: في «حبر» سيرة حياة تنطوي على تاريخ الصحافة في مرحلتها الذهبية

جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)
جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)
TT

شاشة الناقد: في «حبر» سيرة حياة تنطوي على تاريخ الصحافة في مرحلتها الذهبية

جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)
جاك أوكونور في «حبر» (هاوس برودكشنز)

INK★★★★

إخراج: ‪داني بويل‬

‫ بريطانيا (2026).‬

أول ما يخطر على بال الناقد حين يشاهد هذا الفيلم الجديد لداني بويل هو الكيفية التي جرى بها تجاوز الطابع المسرحي تماماً، وصولاً إلى حالة سينمائية خالصة. وليست هذه المرّة الأولى التي يحدث فيها هذا الانفصال بين العمل المسرحي والاقتباس السينمائي، لكن مَن لا يعرف أصل الفيلم لن يدرك أنه عمل مقتبس نُقل عن الخشبة. ألّفه جيمس غراهام، الذي يكتب للمسرح منذ عام 2005. وفي عام 2017 كتب «حبر»، وقدّمه على مسرح ألميدا، وهو مسرح صغير يقع في شمال لندن ويتّسع لنحو 320 شخصاً. ولاحقاً، انتقلت المسرحية بنجاح إلى أحد مسارح «وست إند»، ثم واصلت نجاحها على مسارح برودواي في نيويورك.

يغيب العنصر المسرحي ومفرداته تماماً عن هذا الفيلم، باستثناء مشهد الحوار الأول، الذي يأتي بعدما يبدأ الفيلم بلقطات بالأبيض والأسود لبعض شخصياته. وهو مشهد طويل نسبياً يجمع بطلي الفيلم الأساسيين، غاي بيرس وجاك أوكونيل. يجسّد الأول شخصية روبرت مردوخ، الذي اشترى للتو صحيفة «ذَ صن»، ويحاول إقناع الثاني، الذي يؤدي شخصية لاري لامب، الصحافي في «ديلي ميل»، بترك صحيفته والانتقال إلى «ذَ صن» رئيساً للتحرير. وفي هذا المشهد، الذي يستغرق نحو 5 دقائق، تلخيص لخلفية ما سنراه لاحقاً على امتداد دقائقه الـ116. يقبل لاري العرض المغري ويخوض التجربة، محاولاً تقديم صحافة بريطانية جديدة وناجحة، بعدما كان توزيع الصحيفة قد تراجع قبيل شراء مردوخ لها عام 1969. وفي ذلك الحين، كانت تعاني أزمةً، بعدما انخفضت مبيعاتها إلى أقل من 700 ألف نسخة يومياً.

لم تنل التجربة الأولى في هذا المجال رضا مردوخ. فقد انتقد رئيس التحرير أمام فريقه من المحررين، مما أثار غضب لاري لامب. لكن الانتقاد دفع لاري لامب إلى نفض الغبار عن الصحيفة وتحويلها كلياً إلى جريدة ترفيهية تغطي مختلف الشؤون التي تلبّي رغبات الفئات غير المحافظة، أو كما يقول في اجتماع تحريري عاصف: «أريد أن نغطي كل اهتمامات الناس اليومية». وشملت هذه الاهتمامات الرياضة والأبراج وبرامج التلفزيون والموضوعات النسائية، إلى جانب موضوعات أخرى، في مقدمتها الجنس.

وما إن فعل ذلك حتى ارتفع مؤشر التوزيع بوتيرة متسارعة، وواصل صعوده ليبلغ مليوني نسخة في أواخر السبعينات.

ينتهي الفيلم بتلك الضربة المركزية التي رفعت المبيعات إلى ذروتها، وهي نشر أول صورة في الصحافة البريطانية لامرأة عارية على الصفحة الأولى.

يلي ذلك انتقال من أحداث السبعينات والثمانينات إلى عالم اليوم، من خلال عرض سريع لصور ولقطات متتابعة، لا يستعرض التطورات التي شهدتها الصحافة العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا تزال تشهدها، فحسب، بل يعبّر أيضاً عن الفارق المقلق بين عالم الصحافة الكلاسيكي وعالمها الراهن. ويتضمّن ذلك لقطة لإيلون ماسك بوصفه مؤشراً على مستقبل مقلق، إلى جانب دلالات على الوضع الذي تشهده الصحافة العالمية، وهي تحاول البقاء حيّة وسط اللهاث الحالي وراء كل تطوّر تقني جديد.

كتب غراهام السيناريو بنفسه، وصاغ من خلاله كل ما سبق من تاريخ صحافي وشخصي، لا للامب وحده، وهو محور الفيلم وشخصيته الرئيسية، بل للمحيطين به أيضاً، ومن بينهم مردوخ. وهناك أكثر من 15 شخصية مساندة تؤدي أدواراً أساسية، إلى جانب شخصيات أخرى تظهر مرحلياً ثم تمضي.

وإذ يمضي الفيلم واصفاً الأزمات المتلاحقة في حياة لامب والصحيفة، ويفرد وقتاً لتناول جريمة اختطاف زوجة نائب مردوخ ومساعده الأول وقتلها على يد رجلين من ترينيداد، يعرض المخرج حكاياته بأسلوب بصري رائع. ثمة لقطات عدّة مصوّرة بكاميرات مختلفة، وفواصل بين المشاهد تعبّر، بلقطات حيوية، عما يجول في نفوس الشخصيات، وتختصر المسافة حين لا بد لبعض المشاعر من أن تطفو على السطح، من دون حوار. وبذلك يحوَّل النص المسرحي إلى فعل سينمائي متكامل، خارج حدود الخشبة وشروطها.

يقدّم أوكونيل وبيرس، وسائر المشاركين، أداءً رائعاً وحيوياً، وقد أعرب مردوخ عن إعجابه بأداء بيرس لشخصيته. ويؤدي ذلك كله دوراً حاسماً في وضع الفيلم في مصاف أفضل أعمال مخرجه، وأفضل الأفلام التي تناولت عالم الصحافة منذ «المواطن كاين» لأورسن ويلز، قبل 85 عاماً.

RUNNER ★★★

إخراج: سكوت ووف

‫ الولايات المتحدة (2026) ‬

عروض: تجارية.

ينضم «راكض» إلى نوع الأفلام التي تمزج المخاطر والمطاردات بالمواقف والحوارات الخفيفة عبر بطولة ثنائية واحدة للتشويق والثانية للضحك بعيداً عن وطأة المشاهد الحادة أو بسببها.

الفتاة في خطر. لقطة من «راكض» (آنجل برودكشنز)

النتيجة ليست سيئة، على الرغم من أن الحكاية مطروقة، وإن قُدّمت في مواقف مختلفة. فهي تتحدث عن رجل يُدعى هانك (آلان ريتشسون)، يقول إنه ودّع مرحلة خوض المخاطر وأعمال القتل بحثاً عن حياة عادية، يجدها الآن في العمل بتوصيل الطلبات في أنحاء متفرقة من أستراليا.

يتولى هانك تسليم طرد طبي يحتوي على كبد من فئة دم نادرة. ويرافقه في المهمة بن (أوين ويلسون)، الذي أحضر إليه الطرد، ويشاركه مغامرات الطريق المحفوفة بالمخاطر. وعليهما إيصاله إلى منزل بعيد خلال ساعات قليلة، لإنقاذ فتاة صغيرة من الموت، قبل أن يفسد الكبد وتفقد حياتها. لكن عصابة تسعى إلى سرقته، لكونه من فئة دم نادرة تتيح لها بيعه بمليون دولار.

ندرك باكراً أن الرحلة ستتعرض لهجوم مسلّحين، مما سيضطر هانك إلى التخلي عن هدوئه والدفاع عن الطرد الذي يتعين عليه إيصاله، مهما كانت العقبات.

وعلى الرغم من تقليدية الحبكة، فإن المخرج ووف لديه رغبة واضحة في تقديم فيلم خالٍ من الشوائب عموماً؛ فيلم سهل التقبّل وجيد التنفيذ إلى حد بعيد.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
TT

العصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود

جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)
جون واين في «القبعات الخضر» (وورنر برذرز)

تشارك المخرجة الأميركية باربرا كوبل في الدورة المقبلة من «مهرجان فينيسيا» (من 2 إلى 12 سبتمبر/ أيلول المقبل) بفيلمها الجديد «Union Town»، ضمن قسم الأفلام التسجيلية الذي يضم 18 فيلماً آخر.

«يونيون تاون» سياسي النبرة، شأنه شأن أفلامها السابقة، وأشهرها «Harlan County, USA». ويتناول الفيلم الجديد عمال توصيل الطلبات المحتجِّين على ساعات العمل الطويلة وتدنِّي الأجور. وكوبل هي المخرجة الوحيدة التي فازت مرتين بـ«أوسكار أفضل فيلم تسجيلي»؛ الأولى عن «هارلن كاونتي» (1976)، والثانية عن «حلم أميركي (American Dream)» (1990). لذا؛ فمن المتوقع أن يشقَّ «يونيون تاون» طريقه إلى ترشيحات «الأوسكار» في العام المقبل، وربما يمنحها الفوز لثالث مرة.

تجسُّس: جين هاكمن في «المحادثة» (باراماونت)

نماذج أولى

كوبل واحدة من جيل سينمائي أولى السياسة اهتماماً خاصاً في الستينات والسبعينات. أتحدَّث هنا عن روبرت ردفورد، وجاك نيكولسون، ووارن بيتي، وبيتر فوندا؛ من الممثلين، وهال أشبي، وفرنسيس فورد كوبولا، وألان ج. باكولا، وسيدني بولاك، وميلوش فورمان؛ من المخرجين. كانت تلك الحقبة مهمَّة؛ لأنها مرحلة أساسية في تاريخ «هوليوود»، حين التفتَ ذلك الرعيل إلى الموضوعات السياسية، ليشكلوا ما يمكن وصفه بالعصر الذهبي للفيلم السياسي في هوليوود.

مبدئياً، كانت «هوليوود» والسياسة على طرفي نقيض منذ انتشرت عبارة لا يزال صداها يتردد إلى اليوم: «إذا كانت لديك رسالة، فأرسلها إلى (وسترن يونيون)». وربما كان المنتج سام غولدوين أول من قالها، لكنها ترددت على ألسنة آخرين رأوا أنه لا داعي إلى دمج الأفلام بالسياسة؛ فالأفلام غايتها الترفيه، بينما السياسة فعل مضاد له.

لكن هذا لم يكن صحيحاً يوماً. فقد ضربت السياسة أطنابها في السينما منذ عهد الأفلام الصامتة. وكان «ميلادُ أُمَّة (Birth of a Nation)»؛ الملحمةُ التي أنجزها ديفيد وورك غريفيث عام 1915، فيلماً سياسياً مجَّد جماعة «كو كلوكس كلان»، وأيَّد الجنوب المناوئ تحرير«العبيد».

كانت أفلام المرحلة المكارثية، والأفلام التي هاجمها اليمين لكونها ناقدة، أو عُدّت ترويجاً لليسار، كلها سياسية. ومن بينها فيلم تشارلي تشابلن «أزمنة معاصرة (Modern Times)» عام 1936، وفيلم إدوارد دميتريك «مرمى نيران (Crossfire)» عام 1947. وحتى فيلما الوسترن «حادثة أوكس بو (The Ox-Bow Incident)» لوليام أ. ولمان (1943)، و«ذروة الظهر (High Noon)» لِفرِد زينمان (1952)، تضمَّنا السياسة في صلب موضوعيهما.

وغنيٌّ عن القول إن كل نتاج سينمائي يُعبِّر، بصورة أو بأخرى، عن موقف سياسي. فأفلام الترفيه تبعث الطمأنينة، وتخفِّف وطأة المصاعب، وتسلِّي الناس، وهو المنوال الذي طبع غالبية إنتاجات «هوليوود» حتى اليوم. وبدورها، تعبِّر الأفلام التي تروّج لفكرة يمينية أو يسارية عن مضمون يستخدم السينما وسيلة لنشر الرسالة.

«المنظر المختلف» مع وارن بيتي (باراماونت)

دولة عميقة

بدت المسألة أوضح في الستينات والسبعينات، عندما أمسك عدد من المخرجين بزمام الأمور كما لم يحدث من قبل. وفي سياق البحث عن موضوعات جديدة، منحت «هوليوود» مخرجيها حرية اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها.

كان «دكتور سترانجلوف (Dr. Strangelove)» لستانلي كوبريك (1964) رائداً في الستينات، بسخريته من سياسة البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية. وفي العام نفسه، قدَّم جون فرانكنهايمر «7 أيام في مايو (Seven Days in May)»، الذي تناول مخططاً يقوده عدد من كبار القادة العسكريين للانقلاب على رئيس الولايات المتحدة؛ اعتراضاً على توقيعه معاهدة لنزع السلاح النووي مع الاتحاد السوفياتي.

وكان فرانكنهايمر قد حقق فيلماً من النوع نفسه عام 1962، بعنوان «المرشَّح المنشوري (The Manchurian Candidate)»، حيث نجد لورنس هارفي عائداً من الحرب الكورية بعدما غُسل دماغه ليخدم الأجندة الشيوعية في أميركا.

لكن الأعمال الأكبر نضجاً وتعبيراً عن تمرُّد «هوليوود» على وصايا المكارثية ومخلَّفاتها، وعلى الخوف من المجهول، كانت تلك التي تناولت بصراحة موضوع «الدولة العميقة».

ومن أبرز الأفلام في هذا الصدد عملان حققهما ألان ج. باكولا باحتراف لافت، هما «كلوت (Klute)» عام 1971، و«المنظر المختلف (The Parallax View)» عام 1974. وكلاهما فيلم تشويقي يتناول جهات خفية تدير البلاد، وتُقدِم على القتل إذا شعرت بأن الضحية تهدد مصالحها.

وحقق باكولا بعد ذلك فيلماً مهماً آخر هو «كل رجال الرئيس (All the President’s Men)» عام 1976، عن تحقيقات الصحافيين بوب وودوورد، وكارل بيرنستاين، التي أدَّت إلى الكشف عمّا تُعرف حتى اليوم بفضيحة «ووترغيت».

وفي الاتجاه نفسه، شخَّص فرنسيس فورد كوبولا، في «المحادثة (The Conversation)»، 1974، من بطولة جين هاكمن، وضعاً مماثلاً، حيث توجد جهات نافذة تتجسَّس على المواطنين. ومع نهاية العقد نفسه، حقق رائعته «القيامة الآن (Apocalypse Now)»، التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر انتقادية صارمة.

أسهمت أفلام السبعينات في الكشف عن فضيحة «ووترغيت» وانتقاد حرب فيتنام والمؤسسة العسكرية الأميركية

فيتنام وسواها

شهدت «هوليوود»، منذ الستينات والسبعينات وفي العقود التالية، سيلاً من الأفلام التي تناولت الحرب الفيتنامية من وجهة نظر معارضة لها، كما في «العودة إلى الوطن» لهال أشبي، و«فصيلة (Platoon)» لأوليفر ستون، و«خسائر الحرب (Casualties of War)» لبرايان دي بالما. وفي المقابل، ظهرت أفلام قليلة أيدتها، من بينها «القبعات الخضر (The Green Berets)» لجون واين عام 1968، الذي قدَّم تلك الحرب بوصفها مشروعة.

شكَّلت تلك الحرب مصدر قلق في الداخل الأميركي، ونتجت عنها أعمال لم ترتبط بها مباشرة، بقدر ما مثَّلت ارتداداً معارضاً لها، كما في «إيزي رايدر» لبيتر فوندا (1969)، الذي شارك جاك نيكولسون في بطولته. وقاد نيكولسون لاحقاً بطولة فيلمين ناقدين للمؤسسة؛ أولهما «التفصيلة الأخيرة (The Last Detail)» لهال أشبي عام 1973، وثانيهما «واحد طار فوق عش المجانين (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)» لميلوش فورمان عام 1975.

وكان لروبرت ردفورد حضوره المهم في هذا المجال. فإلى جانب «كل رجال الرئيس»، الذي تقاسم بطولته مع داستن هوفمان، قاد بطولة «3 أيام للكوندور (Three Days of the Condor)» لسيدني بولاك عام 1975، حيث تعمد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى اغتيال موظفيها.