«33 خطوة» يتأمل آثار العنصرية بأوروبا الشرقية

الفيلم الروائي نال تنويهاً خاصاً في «كارلوفي فاري السينمائي» بالتشيك

اعتمد مخرجا الفيلم على معالجة سينمائية مختلفة (الشركة المنتجة)
اعتمد مخرجا الفيلم على معالجة سينمائية مختلفة (الشركة المنتجة)
TT

«33 خطوة» يتأمل آثار العنصرية بأوروبا الشرقية

اعتمد مخرجا الفيلم على معالجة سينمائية مختلفة (الشركة المنتجة)
اعتمد مخرجا الفيلم على معالجة سينمائية مختلفة (الشركة المنتجة)

لا يبدأ الفيلم السلوفاكي «33 خطوة» من لحظة الاعتداء، بل من آثاره التي لا تغادر صاحبها، فبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على تعرض ميلان دانييل لهجوم عنصري كاد يودي بحياته، يعيش الرجل أسيراً لصدمة لم تندمل، بينما تعيد أنباء الإفراج الوشيك عن أحد المعتدين فتح الجرح من جديد، لتتحول حياته إلى مواجهة قاسية مع الذاكرة، والخوف، والرغبة في التحرر من الماضي.

ويتابع الفيلم رحلة ميلان الداخلية أكثر مما يلاحق تفاصيل الجريمة نفسها، إذ يرسم عالمه من خلال ذكرياته المتقطعة، وأحلامه، وهواجسه، ولحظاته اليومية مع أسرته، ليقدم صورة عن إنسان يحاول استعادة توازنه في مواجهة جراح لم يتركها الزمن خلفه، وبين كل خطوة وأخرى يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للإنسان أن ينجو من العنف حتى لو نجا من الموت؟

وبأسلوب يمزج بين الروائي والتسجيلي، يقدم الزوجان السلوفاكيان شيمون دومتشيك وآنا دومتشيك أول أفلامهما الروائية الطويلة، مستلهمين القصة الحقيقية لحياة بطل الفيلم، ليطرحا رؤية إنسانية تتجاوز الحكاية الفردية نحو تأمل أوسع في آثار الكراهية، والعنصرية ضد مجتمع الروما، وكيف يمكن لندوب الماضي أن تمتد إلى الأجيال التالية.

نال الفيلم تنويهاً خاصاً عند عرضه في التشيك (الشركة المنتجة)

وعُرض الفيلم في الدورة الستين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» بالتشيك، حيث نال تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم، في أول تجربة روائية طويلة للثنائي.

وقال شيمون دومتشيك في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» إنه كان يحلم منذ سنوات بصناعة فيلم يجمع بين اتجاهين مختلفين، الأول يعتمد على الواقعية الجديدة، ويقدم شخصيات حقيقية، وحياة تبدو طبيعية تماماً، والثاني ينتمي إلى أفلام الإثارة ذات البناء الدرامي المحكم، مؤكداً أنه وجد في هذه القصة فرصة لتحقيق الأمرين معاً.

وأضاف أن رحلة تمويل الفيلم لم تكن سهلة، خاصة مع التغيرات التي شهدتها صناعة السينما في أوروبا الشرقية خلال سنوات الإنتاج، مشيراً إلى أن فريق العمل اضطر إلى تمويل نحو نصف الفيلم من موارده الخاصة حتى يرى المشروع النور.

وأوضح أن «الدافع الإنساني وراء الفيلم جاء من شعور شخصي عاشه في حياته، يتمثل في أن الإنسان قد يجد نفسه يمر بـ(جحيم) حتى لو لم يكن مسؤولاً بالكامل عما حدث له»، لافتاً إلى «أن هذا الإحساس بالوحدة، وأنه لا أحد يهتم بمصيرك، تعيشه فئات كثيرة من البسطاء، والمهمشين، وهو ما حاول الفيلم التعبير عنه، إلى جانب بعده الروحي».

مزج مخرجا الفيلم بين الممثلين المحترفين وغير المحترفين (الشركة المنتجة)

وأكد أن التعاون مع زوجته آنا لم يكن مصدراً للخلاف، بل كان قائماً على نقاش طويل لكل مشهد قبل التصوير، موضحاً أن السيناريو كان محدد البناء بشكل دقيق، لكنه لم يتضمن حوارات مكتوبة، إذ تُركت للممثلين لتخرج بصورة طبيعية، وهو ما منح الفيلم إحساساً كبيراً بالصدق.

ولفت إلى أن «أصعب ما واجهه الفريق كان العمل مع بطل الفيلم ميلان دانييل، الذي لم يكن ممثلاً محترفاً، وكانت حالته الصحية متقلبة، حتى إنهم في بعض الأيام لم يكونوا يعلمون ما إذا كان سيتمكن من الحضور إلى موقع التصوير، وهو ما جعل كل يوم تصوير يحمل تحدياً جديداً».

وتطرق إلى أكثر المشاهد صعوبة، مشيراً إلى أنها كانت المشاهد الطويلة التي تعتمد على الحوار، مثل لقاء الطبيب النفسي، أو المواجهة مع رجل الشرطة، لأنها تطلبت الحفاظ على الإيقاع والانفعال لعدة دقائق، مع المزج بين ممثلين محترفين وآخرين يخوضون التمثيل للمرة الأولى.

وأشار إلى أن اختيار الممثلين لم يعتمد على الخبرة بقدر ما اعتمد على ملاءمتهم للشخصيات، موضحاً أن ميلان وأفراد أسرته لم يسبق لهم الوقوف أمام الكاميرا، بينما ضم الفيلم ممثلين محترفين، وأن المزج بين الطرفين منح العمل صدقاً استثنائياً.

رحلة صناعة الفيلم استغرقت أكثر من 5 سنوات (الشركة المنتجة)

وقالت آنا دومتشيك لـ«الشرق الأوسط» إن الفيلم استغرق خمس سنوات من العمل، وهي المدة نفسها تقريباً التي تزامنت مع زواجها من شيمون، مؤكدة أن تعاونهما الفني جاء بصورة طبيعية بعدما اعتادا منذ بداية علاقتهما مناقشة الأفكار الفنية، والكتابة معاً، معتبرة أن الحوار الدائم بينهما كان سبباً في تطوير العمل.

وأضافت أن أكبر التحديات تمثلت في كونهما يقدمان أول فيلم روائي طويل، إذ اكتشفا خلال التصوير أن كثيراً من القرارات كان يمكن اتخاذها بصورة مختلفة، لكنهما تعلما من التجربة، خصوصاً في كيفية العمل مع عائلة حقيقية داخل بيئتها الطبيعية، حيث لم يكن من الممكن فرض جدول تصوير تقليدي، أو العمل لساعات طويلة كما يحدث في الإنتاجات المعتادة.

وأوضحت أن نقص التمويل في المراحل الأخيرة أجبرهما على استكمال الفيلم بإمكاناتهما الخاصة، مؤكدة أن التجربة كانت مرهقة، لكنها منحت فريق العمل خبرة كبيرة في صناعة فيلم طويل بميزانية محدودة.

ولفتت إلى أن حصول الفيلم على التنويه الخاص في مهرجان «كارلوفي فاري» كان اعترافاً بخصوصيته، موضحة أنها أحبت اسم الجائزة نفسها، لأنها تعكس فكرة أن «الفيلم مختلف عن الأعمال التقليدية، وأن لجنة التحكيم رأت فيه شيئاً مميزاً يستحق التقدير».

صناع الفيلم خلال العرض في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأكدت أن أكثر لحظة مؤثرة بالنسبة لها كانت جلسة النقاش التي أعقبت العرض بحضور ميلان دانييل، عندما تحدث أمام الجمهور عن رفضه الانتقام ممن اعتدوا عليه، معتبرة أن تلك اللحظة أكدت أن الرسالة الإنسانية للفيلم وصلت إلى الجمهور.

وأضافت أن «أحد النقاد كتب بعد العرض أن الفيلم جعله يدرك للمرة الأولى أن أفراد مجتمع الروما يحملون المشاعر والأحاسيس نفسها التي يحملها الجميع، معتبرة أن هذه القراءة كانت من أهم ردود الفعل التي تلقتها، لأنها تعكس نجاح الفيلم في كسر الصور النمطية السائدة».


مقالات ذات صلة

في عيدها الـ88... حملة لإنقاذ سينما «البيتلز»

يوميات الشرق لا أحد يهدم التصفيق الذي بقي معلقاً في الهواء (غيتي)

في عيدها الـ88... حملة لإنقاذ سينما «البيتلز»

سينما «ريل»، التي كانت تُعرف أصلاً باسم «ذا رويال» وتقع في منطقة ديري كروس بمدينة بليموث في إنجلترا، ظلَّت مغلقة منذ عام 2019...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قدمت المخرجة رؤية مغايرة للصور التي وثقت مراحل سابقة (الشركة المنتجة)

إيرين وايزجربر: «البحار السوداء» يعيد قراءة التاريخ من الصور المنسية

قالت المخرجة الكندية إيرين وايزجربر إن فيلمها القصير «البحار السوداء» (Black Seas) لا يتعامل مع الأرشيف السينمائي بوصفه سجلاً للماضي ينبغي الحفاظ عليه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق اعتمدت المخرجة في التصوير على كاميرات قديمة (الشركة المنتجة)

المخرجة الكندية فيرميت: أتعامل مع الظلام بوصفه مساحة للتأمل

قالت المخرجة الكندية، راين فيرميت، إنَّ فيلمها الروائي الطويل «الروافع (Levers)» لا يقدِّم الظلام بوصفه مجرد خلفية للأحداث.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

تجاوز فيلم «الأوديسة» The Odyssey كونه أحدث أفلام المخرج كريستوفر نولان، ليتحول إلى حدث ثقافي وسينمائي يتصدر النقاشات منذ لحظة عرضه.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق أوديسيوس يعود إلى وطنه عقب حرب طروادة، حيث يواجه خلالها آلهة ووحوشاً وعواصف وتحديات مأساوية (أ.ب)

إيرادات فيلم «الأوديسة» تتخطى تكلفة إنتاجه بعد أيام من طرحه

أعلنت شركة يونيفرسال بيكتشرز أن فيلم «الأوديسة» للمخرج كريستوفر نولان حقق إيرادات 264.1 مليون دولار من مبيعات التذاكر على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)