كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

المخرج اللبناني قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الثاني

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.


مقالات ذات صلة

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

سينما «العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق غزي وبحر في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«محمود التاني»... كوميديا شبابية تبرز التفاوت الطبقي في مصر

الفيلم كان يحتاج إلى قدر أكبر من المفاجأة والابتكار في صناعة مواقفه...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

داني كوياتيه: «رقصة العقارب» تعيد قراءة «ماكبث» من قلب أفريقيا

السلطة لا تغيّر الإنسان فحسب، بل تكشف أيضاً عن جوانب خفية في شخصيته

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

المخرج التشادي أشيل رونايمو لـ«الشرق الأوسط»: فيلمي «الدية» يدعو للتحرر من الخوف

قال المخرج التشادي أشيل رونايمو إن فيلمه الروائي الطويل الأول «الدية» (DIYA) يحكي رحلة داخلية يخوضها بطله بحثاً عن الخلاص بعد حادث يغيّر حياته.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

وصلنا اليوم إلى أغنيات دعائية لا تدخل ضمن السياق الدرامي، ويقدمها مطربون غير مشاركين في العمل

داليا ماهر (القاهرة)

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

LES YEUX VERTS

★★★

إخراج: فاني لياتار وجريمي ترويل

‫ فرنسا/ السويد (2026) ‬

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال. نور (سيد العلامي) صبي يلجأ إلى النوم ويغرق فيه، وسنرى ما يحلم به، ثم نجد شقيقته شايا (دعاء بوطابوش مزرقي) تحاول إيقاظه من سباته العميق، وحين تفشل تدخل عالمه الخيالي. بواعث هذه الرحلة في باطن العقل متوفرة؛ فالصبي يعيش محنة عائلة مهاجرة مهددة بالطرد. يعيش في الواقع أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب ظروف تتعلق بسياسة خارجية لا يستطيع، بطبيعة الحال، فعل شيء حيالها. لكن ما إن نتسلل وإياه إلى العوالم الداخلية التي تتراءى له حتى تنحصر الحكاية في كيفية متابعة تلك العوالم التي باتت تشكل حاضر نور. بذلك تتراجع دواعيها.

هذا هو فيلم الافتتاح لدورة مهرجان لوكارنو هذا العام (يوزع جوائزه في الخامس عشر من الشهر الحالي). يمكن للمرء أن يقدّر اختيار المهرجان لهذا الفيلم؛ ذلك لأن المخرجين حرصا على توفير جماليات بصرية أخاذة في أكثر من موضع، ليس فقط على صعيد تصوير تلك الأحلام التي تدور الأحداث فيها بعد فصل تمهيدي، بل أيضاً في تلك المشاهد التي تقع في اليقظة. نتابع رفض السلطات الفرنسية تجديد إقامة الأب (عمر الجباعي) وولديه، ثم سفره إلى إسبانيا تاركاً ولديه، على أمل أن يجد سبيلاً لنقلهما لاحقاً واللجوء معهما إلى بريطانيا. حين يلجأ نور إلى النوم رافضاً اليقظة (وهي حالة تُعرف علمياً باسم «متلازمة الاستقالة» من الواقع عبر النوم)، يواجه الفيلم متاعب كثيرة، ليس في الانتقال بين الخيال والواقع فحسب، بل أيضاً في بناء سرد قوي يتكفَّل بحمل ثقل الموضوع بأسره.

ربما تعويضاً عن ضعف الدراما، أو نتيجةً له، يطغى التشكيل على المضمون، وتطغى البصريات على الدراما. الجانب السياسي للأزمة التي - افتراضياً - تسببت في كل ما سيتبعها من محاولة نور الهروب من الواقع ومحاولة شايا استرجاعه، كان يمكن أن يحظى بتأكيد أكبر، لكي لا يفلت الفيلم صوب الفانتازيا وحدها.

DONKEY PRINCESS

★★︎

إخراج: يواكيم كوسينا

وكريستوفال ليون

‫ تشيلي/ فرنسا (2026) ‬

من الممتع والمثير أن نشاهد أخيراً فيلماً يقتبس حكاية أخرى للمؤلف الفرنسي شارل بيرو (1628-1703)، غير حكاياته الأشهر «سندريللا» و«الجمال النائم» (The Sleeping Beauty) و«ذو اللحية الزرقاء». ليس أن «جلد الحمار» (العنوان الأصلي للرواية) لم تقدِّمها السينما من قبل، لكن ما قدّمته بقي قليلاً وغير ذي أثر، من بينها فيلم صامت (1906)، وفيلم قصير (2013)، وفيلم فرنسي حققه جاك ديمي سنة 1970.

«أميرة الحمار» (ملف مهرجان لوكارنو)

الفيلم الجديد يختلف عن كل المحاولات السابقة من حيث إنه يجمع بين التصوير الحي مع ممثلين والأنيميشن، وقدر كبير من المؤثرات والتصاميم الفنية المثيرة بحد ذاتها، بناءً على خبرة المخرجين السابقة في الميدان نفسه.

الحكاية ذات خط واضح: ملك بريطانيا، في زمن غابر، يفاجأ بوفاة زوجته التي يحب. إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال الموت، لكنه سيفعل شيئاً حيال الأحياء. سيقرر أن الحب ممنوع في مملكته، ومن يحب سيعاقب. الجميع واقع تحت هذه الهيمنة، بمن فيهم ابنته ديانا (أنطونيا غيزن)، التي تعيش أسوأ مراحل حياتها بسبب استبداد الأب وحرصه على منعها من الوقوع في الحب. ستجد الحبيب، رغم ذلك، في شخص شاب اسمه لالو (أندرو بارغستد). عندما يكتشف الأب ما حدث، ينفي الحبيب إلى أرض قفراء لا يمكن العيش فيها. لكن، قبل نفيه، يمنح لالو معشوقته إسوارة تستطيع أن تنقلها إلى أي زمان ومكان تختاره.

للهرب من وطأة الوضع، تستخدم ديانا الإسوارة لتجد نفسها في حالات مختلفة. هي مرّة على شاطئ البحر مع زوجها، وفي مرّة أخرى ممثلة في برنامج تلفزيوني تؤدي دور حمار. يحدث هذا قبل أن تلتقي لالو في تشيلي. نقلة مفاجئة تنجح فقط لأنها محض خيالية، وبالكاد تتجنّب السذاجة بفضل خيط متواصل من الأحداث والمزج الناجح - تقنياً - بين الصورة الحية والرسم، المحاطَين بتصاميم إنتاجية وديكورات مقبولة.

لا يمكن أن يكون المؤلف بيرو قد وضع مثل هذه النهاية، ولا حاك ذلك النوع من الخيال، لكن المخرجين يمنحان نفسيهما الحرية في التصرّف بالمادة على النحو الذي يريانه مناسباً لرؤيتهما. إنه نجاح تقني، وليس نجاحاً فنياً كاملاً، يؤكده الفصل الأخير الذي يبعثر الاهتمام وينجلي عن نهاية هابطة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.


شاشة الناقد: فيلمان عن البطولة... أحدهما واقعي والآخر في منتهى الخيال

«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن البطولة... أحدهما واقعي والآخر في منتهى الخيال

«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)
«تشي غيفارا: الرفاق الآخرون» (بنتاكل برودكشنز)

CHE GUEVARA‪:‬ THE LAST COMPANIONS ★★★★★

• إخراج: كريستوف ديمتري ريفاي

• فرنسا (2026)/ وثائقي

ينطلق هذا الفيلم للعرض في باريس الشهر المقبل، وهو مُبرمج بعد ذلك لعروض أوروبية متعددة مباشرة. إذا ما رضينا بكلمة واحدة بشأن ما إذا كان يستحق المشاهدة أم لا، فالجواب الموجز: بكل تأكيد.

يحمل الفيلم عنوان «تشي غيفارا: الرفاق الآخرون»، لكنه لا يدور أساساً عن تشي غيفارا الذي أُعدم يوم 1 أبريل (نيسان) سنة 1961 في بوليفيا. ليس عن مبادئه الثورية، ولا عن أسطورته بوصفه قائد حركة عسكرية مناوئة لليمين، ولا حتى عن إرثه، رغم أن كل ذلك يرد تلقائياً في هذا الفيلم. ما يعرضه المخرج كريستوف ديمتري ريفاي، بعد 22 سنة من البحث والتجميع والتصوير ثم استكمال الفيلم هذا العام، هو رفاق السلاح الستّة الذين أكملوا طريقهم من بعده.

استكمال الطريق لم يكن بدوره مجرد حَمل أفكار غيفارا والدفاع عنها، بل محاولة الإفلات من الجيش البوليفي (وبعده الإكوادوري وسواه) طيلة 5 أشهر، قطعوا خلالها 3800 كيلومتر، معظمها سيراً على الأقدام، متنقلين بين سفوحِ جبالٍ وسهول ووديان وقرى، ودائماً تحت خطر إلقاء القبض عليهم أو قتلهم في معارك على أيدي جنود يفوقونهم عدداً بأضعاف. كيف استطاع هؤلاء الستة النجاة من الكمائن؟ فوصول معظمهم إلى كوبا بعد 5 أشهر من المطاردات، بحماية فرنسية (بأمر من الجنرال شارل ديغول)، هو إنجاز يقترب من الخيال.

في الواقع، لو أن القرار كان صنع فيلم روائي عن هؤلاء بدلاً من تحقيق فيلم وثائقي، لبدا الأمر خيالياً وغير قابل للتصديق. لكن الفيلم يؤكد، على لسان الناجين من رفاق غيفارا، ما حدث، في مقابلات أجراها المخرج معهم خلال فترة إعداده الفيلم، ومن خلال شهادات جنرالات ومسؤولين معادين لهم في بوليفيا وغيرها. مجموع ما يُدلي به هؤلاء لا يشكل وثيقة تاريخية كانت غائبة عن التداول فقط، بل استعادة لتاريخ شامل كان بمعظمه غائباً عن التداول ومنسياً طيلة تلك العقود.

لسد ثغرةِ ما لا يستطيع الفيلم تصويره حيّاً من المشاهد، أو ما لم يستطع الحصول عليه من وثائق مصوّرة، عمد المخرج إلى الاستعانة برسوم لشرح مواقع وأماكن وسبل هرب أو مواجهات. التكامل بين التصوير الفعلي والرسوم منجَز بدقّة؛ مما يُفيد في توجيه الفيلم صوب ما ينشده من توفير معلومات وحقائق، من دون التحوّل إلى بروباغاندا. يجري هذا عبر الاستماع إلى الشهادات والتعليق الصوتي الهادئ. يقترب المخرج من كل الأطراف (من بينها شهادات لعملاء من «سي آي إيه») مسافة واحدة، تاركاً للمُشاهد تأسيس مسافته الخاصّة. لكنه، في الوقت نفسه، يودِع البالَ وقائع لم يكشف عنها فيلم من قبل، على تعدد ما خرج من محاولات روائية وغير روائية سابقاً.

في مجمله، هو حديث عمّن أهملهم التاريخ، وما دفعوه في مقابل ما آمنوا به وعاشوا له.

SPIDER‪-‬MAN‪:‬ A BRAND NEW DAY ★★︎

• إخراج: ديستِن دانيال كريتون

• الولايات المتحدة (2026)

«مع القوّة العظمى تأتي المسؤوليات العظمى»، تقول عمّة «سبايدر-مان» في أحد المشاهد. إنها حكمة دون شك، لكنها ليست من ابتداع الفيلم، بل جرى تداولها في أفلام أخرى، من بينها الفيلم السابق من السلسلة (2021)، في مشهد جمع بين توم هولاند في دور «سبايدر-مان» وعمّته (ماريسا تومي). هذا لأن الفيلم الجديد مكوّن من مشاهد عدة سابقة تجمع بين هذا البطل وشخصيات أخرى. «سبايدر-مان: يوم جديد» لا يتأخر عن العودة إلى الماضي، عوض بناء حكاية جديدة تفي، على الأقل، بأننا نشهد يوماً جديداً بالفعل.

«سبايدر-مان: يوم جديد» (كولومبيا بيكتشرز)

إنه الفيلم التاسع من السلسلة التي شهدت قدراً ملحوظاً من اللعب على العواطف. منذ البداية، بيتر باركر، الذي يتمتع بقدرات خارقة تحوّله إلى رجل عنكبوتي يستخدم الخيوط اللزجة في طيرانه فوق مدينة نيويورك، يحب زميلته في الدراسة ولا يستطيع الكشف عن حقيقته. يفكّر في التخلي عن بطولاته، لكنه لا يقدر. إلى ذلك، هو الشخص الحائر بين هويّتين، كل منهما تنافس الأخرى على الاستحواذ عليه.

تلعب العاطفة دوراً أكبر من المعتاد بقليل. ما عاد باركر شخصية مراهقة واقعة في حب رومانسي، أو تعرف إلى أي فصيل من المخلوقات تفضّل أن تنتمي: السوبرمانية أم تلك العادية القدرات التي تشبهنا؟ وهل يضع عاطفته في زجاجة أم يواصل تعلّقه بالفتاة التي أحبها منذ سنوات؟ يكتشف، عندما يلتقيها وصديقَ الأمس ند (جاكوب باتالون)، أنهما لا يعرفانه بسبب تعرّضهما لحالة غامضة جعلتهما ينسيانه تماماً. في الوقت نفسه، عليه أن يهتم بنفسه ليدرأ عنها أخطاراً أخرى، فكما هي الحال مع كل الأبطال الخارقين، هناك أعداء لدودون يتمتعون بقوى مماثلة، أو أكبر من قواهم، ولو إلى حين.

هناك قدر كبير من الاستعادات التي تؤخر سرد ما يُفترض أنها حكاية جديدة. في الواقع، لا يفي العنوان بيوم جديد بقدر ما يعبّر عن يوم مُستطرَد. كتابته الموزّعة بين المؤثرات والدراميات المبثوثة وسطها لا تخلو من الفوضى في السرد. كذلك يبدو البوليس الأميركي وقد ترك مهامه لـ«سبايدر-مان»، الذي سرعان ما نراه يفشل في إحدى مهامه. المخرج ماهر في توضيب المؤثرات والإشراف عليها، لكن هذا أفضل ما يمكن الخروج به من هذا الفيلم.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز