«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

افتتاحية قوية في السعودية بـ2.43 مليون دولار... وإحياء ملحمة هوميروس لجيل جديد

«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها
TT

«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

«الأوديسة»... السينما في أفضل حالاتها

تجاوز فيلم «الأوديسة» The Odyssey كونه أحدث أفلام المخرج كريستوفر نولان، ليتحول إلى حدث ثقافي وسينمائي يتصدر النقاشات منذ لحظة عرضه... حيث تداول الجمهور مشاهده وتفاصيله بحماس منقطع النظير، بينما تواصل صالات السينما استقبال أعداد متزايدة من المشاهدين الراغبين في خوض هذه التجربة الملحميّة.

وفي السعودية، انعكس هذا الزخم على شباك التذاكر، بعدما افتتح الفيلم عروضه بإيرادات بلغت 9.1 مليون ريال (2.43 مليون دولار)، مع بيع 145.9 ألف تذكرة خلال أسبوعه الأول، متصدراً الإيرادات الأسبوعية في واحدة من أبرز افتتاحيات العام، ومؤكداً المكانة التي باتت تحظى بها أفلام نولان لدى الجمهور السعودي. جاءت هذه الانطلاقة منسجمة مع الحضور العالمي للفيلم، الذي جمع 263.8 مليون دولار في عطلة افتتاحه؛ منها 123.5 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا، و140.3 مليون دولار في الأسواق الدولية.

السينما بوصفها حدثاً

ويمكن القول إن «الأوديسة» أعاد الشعور الذي يصاحب الأعمال الكبرى، حين يصبح موعد العرض مناسبة منتظرة، ويتحوّل حجز المقعد واختيار الصالة وتوقيت المشاهدة إلى تفاصيل تحمل أهميتها الخاصة، حيث امتلأت العروض الأولى، وامتد البحث إلى المدن التي تتوافر فيها الشاشات الأكبر، فيما عاد كثير من المشاهدين إلى الفيلم للمرة الثانية، رغبة في استيعاب عالمه واستعادة مشاهده على نحو أهدأ.

ومع كل عرض جديد، تعود أفلام نولان السابقة إلى دائرة المقارنة، حيث امتلأت منصات التواصل بقوائم ترتب أعماله من Memento «ميمينتو» إلى «أوبنهايمر» Oppenheimer، بينما حاول كثيرون تحديد الموقع الذي يستحقه «الأوديسة» داخل هذه المسيرة... وربما تكمن دلالة هذه المقارنات في أنها لم تعد تدور حول الفيلم وحده، بل حول إرث مخرج بات كل عمل جديد له يعيد فتح النقاش حول مجمل تجربته السينمائية.

الفيلم الذي صُوّر كاملاً بكاميرات «آيماكس»، للمرة الأولى في تاريخ الأفلام الروائية الطويلة، يعبر خلال نحو 3 ساعات بين الحرب والمغامرة والرعب والعاطفة، ويمنح كل محطة ملامحها الخاصة، مع بقاء البحر خيطاً بصرياً وشعورياً يصل أجزاء الرحلة بعضها ببعض.

عودة هوميروس

وامتد تأثير الفيلم إلى النص الذي استند إليه، حيث عادت ملحمة هوميروس، المكتوبة قبل قرابة 3 آلاف عام، إلى واجهة الاهتمام، وانتشرت النقاشات حول شخصياتها وحوادثها والفروق بين صفحاتها ورؤية نولان. واتجه قراء إلى البحث عن ترجماتها، فيما تعرّف جمهور جديد إلى أوديسيوس وبينيلوبي وتيليماخوس وكاليبسو وسيرسي والسايكلوبس، في لقاء بين الثقافة الشعبية وواحد من النصوص المؤسسة للأدب الغربي.

اختار نولان روح الملحمة نقطة انطلاق، ثم أعاد ترتيب عالمها وفق رؤيته، حيث حافظ على جوهر الرحلة من ملك إيثاكا العائد من حرب طروادة، والسنوات التي تفصله عن زوجته وابنه ووطنه، والمخاطر التي تختبر ذكاءه وصبره وقدرته على البقاء. وفي المقابل، منح الحكاية إيقاعاً سينمائياً معاصراً، وأعاد تخيل بعض مخلوقاتها وشخصياتها، وربط مغامراتها بخط عاطفي واضح يجعل العودة إلى بينيلوبي مركز الرحلة ومحركها الأساسي.

أوديسيوس بين البطولة والانكسار

يمنح الفيلم أوديسيوس (مات ديمون) صورة تجمع الصلابة والهشاشة. فهو قائد يعرف كيف يواجه الخطر، لكنه يحمل داخله إرهاق الحرب ومرارة الفقد وطول الغياب. ومع تقدم الرحلة، يتراجع وهج القائد المنتصر أمام رجل يختبر حدود قدرته على الاحتمال، وتصبح العودة إلى إيثاكا امتحاناً نفسياً يوازي كل ما يواجهه في البحر.

وتكتسب بينيلوبي (آن هاثاواي) حضورها حتى في غيابها عن أجزاء واسعة من الأحداث. فهي الغاية التي تمنح الرحلة معناها، وصورتها ترافق أوديسيوس كلما اشتدت المحنة. ويتعامل الفيلم مع علاقته بها بوصفها جوهر الحكاية العاطفي، كما يقدم أوديسيوس أكثر إخلاصاً لزوجته من صورته في نص هوميروس.

في الملحمة، ترتبط رحلته بعلاقته مع كاليبسو والساحرة سيرسي، بينما يختار نولان مساراً مختلفاً يعزز وفاءه لبينيلوبي، ويجعل الشوق إليها قوة دافعة تتقدم على الإغواء. هذا التغيير يمنح الحكاية تماسُكاً عاطفياً، ويجعل العودة فعل حب بقدر ما هي استعادة للعرش والوطن. وفي المقابل، يظهر ابنهما تيليماخوس (توم هولاند) شاباً تشكلت حياته في ظل أب يعرفه من الحكايات، فتتحول عودة أوديسيوس إلى لقاء بين رجلين يحمل كل منهما صورة متخيلة عن الآخر.

الرعب داخل الملحمة

يحضر الرعب بوصفه أحد أقوى عناصر الفيلم، فالمخلوقات والجزر والفراغات المعتمة تحمل توتراً يتصاعد قبل ظهور الخطر، ويجيد نولان بناء الخوف عبر الصوت والمسافة والانتظار. كما يصل هذا التوتر إلى ذروته في مشاهد اللّيستريغونيين، وكذلك في المواجهات التي تختلط فيها الأسطورة بالإحساس البدائي بالخطر.

وتدعم موسيقى لودفيغ غورانسون هذا العالم بإيقاعات ثقيلة وممتدة، تمنح البحر رهبة خاصة، وترافق أوديسيوس في لحظات الانتصار والانكسار. وتقود الموسيقى المشهد أحياناً بقوة ضاغطة، قبل أن تنسحب لتترك الصمت يؤدي دوره، خصوصاً في اللحظات التي يواجه فيها البطل خساراته.

سباق خلف المركز الأول

هيمنة «الأوديسة» على شباك التذاكر السعودي تركت بقية الأفلام تتنافس على المراكز التالية، حيث حل الفيلم المصري «ابن مين فيهم؟» ثانياً بإيرادات بلغت 2.9 مليون ريال (773 ألف دولار)، بينما جاء Toy Story 5 في المركز الثالث، وحل الفيلم المصري «صقر وكناريا» رابعاً.

وبلغ إجمالي إيرادات شباك التذاكر السعودي خلال الأسبوع نحو 26.6 مليون ريال (7.09 مليون دولار)، مع بيع قرابة 527 ألف تذكرة. واستحوذ فيلم نولان وحده على الحصة الأكبر من الإيرادات والحضور، في أسبوع كشف حجم الطلب على الأعمال السينمائية الكبرى حين تجمع بين الاسم الجماهيري والتجربة البصرية والحدث الثقافي.


مقالات ذات صلة

التحالف: إصابة 13 مدنياً وتضرر 7 منازل ومركبتين باعتداءات حوثية على السعودية

الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: إصابة 13 مدنياً وتضرر 7 منازل ومركبتين باعتداءات حوثية على السعودية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن إصابة 13 مدنياً بإصابات بسيطة ومتوسطة، وتضرر 7 منازل سكنية ومركبتين، نتيجة اعتداءات ميليشيا الحوثي الإرهابية على مدن سعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يشمل نطاق التعاون مجالات مثل التقنية الحيوية وعلوم المواد والنفط والغاز والتصنيع مع دراسة تقديم الحوسبة عالية الأداء كخدمة متخصصة للقطاعات (هيوماين)

«هيوماين» و«كاوست» تستكشفان إتاحة قدرات الحاسوب العملاق «شاهين 3» عبر السحابة

تستكشف «هيوماين» و«كاوست» إتاحة قدرات «شاهين 3» عبر السحابة لدعم الذكاء الاصطناعي والبحث والتطبيقات كثيفة الحوسبة.

نسيم رمضان (لندن)
الخليج جانب من مراسم توقيع الاتفاقية (واس)

السعودية وجيبوتي تعفيان الجوازات الدبلوماسية والخاصة من التأشيرة

أبرمت السعودية وجيبوتي، الاثنين، اتفاقية الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة بين حكومتي البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم الأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني السعودي افتتح أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية» الاثنين (واس)

انطلاق أعمال «قمة الرياض العالمية للتقنية الحيوية الطبية»

تناقش القمة موضوعات مرتبطة بمستقبل التقنية الحيوية الطبية، من أبرزها الاستراتيجيات الوطنية والأطر التنظيمية، والبنية التحتية للبحث والتطوير والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من المؤتمر الصحافي على هامش المنتدى العالمي الرابع لـ«اليونيسكو» لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض (الشرق الأوسط)

«اليونيسكو»: تحذيرات متزايدة من فقدان السيطرة على تطوير الذكاء الاصطناعي

قالت نائبة مدير عام «اليونيسكو»، آسيا ريجينيه، إن العالم يشهد تحذيرات متزايدة بشأن احتمال فقدان السيطرة على تطوير الذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع وتيرة تطور التقن

عبير حمدي (الرياض)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
TT

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي»، الذي يهدف إلى ترسيخ ممارساتٍ واعية، ومسؤولة، وعادلة في توظيف التقنيات في الصناعات الإبداعية، والحد من مخاطر إساءة استخدامها، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والمحافظة على أصالة الإبداع، والثقافة.

ويستهدف الدليل الإرشادي -الذي يشمل 11 قطاعاً ثقافياً- المؤسسات، والممارسين الثقافيين، ومطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومستعرضاً أبرز أنماط إساءة الاستخدام المحتملة في كل قطاع.

كما يقدّم إرشاداتٍ تسهم في تمكين العاملين في القطاع الثقافي من مواكبة التقنيات الحديثة، وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة، وتعزيز الابتكار بما يدعم تطوره، ونموه، ورفع مستوى الوعي بالممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويرتكز الدليل على سبعة مبادئ توجيهية هي: السلامة والأصالة الثقافيتان، وملكية الأعمال الإبداعية ونسبتها إلى أصحابها، والشفافية وقابلية التفسير والاستخدام النظامي للبيانات، والاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، وتوظيفه أداةً لتمكين الإبداع، وتعزيز الوصول للمحتوى الثقافي، وحماية خصوصية البيانات وأمنها.

ويؤكد الإصدار بقاء الإنسان مسؤولاً عن الرؤية الإبداعية، والصياغة الفنية النهائية، وأن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مساندةً تدعم قدرات المبدعين، مع الإفصاح عن استخدامه، والحصول على الموافقات اللازمة، والتحقق من سلامة البيانات، والمخرجات، واحترام حقوق المؤلف، والملكية الفكرية.

ويتوافق الدليل مع الإرشادات الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وينسجم مع توصية منظمة «الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونيسكو) بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأطر ذات الصلة الصادرة عن «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا). كما يُعد وثيقة إرشادية غير ملزمة، مع بقاء الأولوية للأنظمة واللوائح المعمول بها في البلاد.

ويأتي الإصدار ضمن جهود الوزارة لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، وترسيخ الإبداع البشري، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، والمحتوى الثقافي، والإسهام في حفظ التراث، وإدارته، بما يدعم بناء مستقبل ثقافي رقمي أكثر أماناً، وشمولاً، واستدامة، وينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».


مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
TT

مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة دولية، عن أن تغير المناخ يفرض تهديداً لا يحظى بالاهتمام الكافي على إنتاج الكاكاو، يتمثل في الأمطار الغزيرة وتوقيت هطولها، وليس الجفاف وارتفاع درجات الحرارة فقط؛ ما قد يؤثر في محصول أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته.

ووجد باحثون من جامعة هارفارد الأميركية وجامعة غانا في الدراسة التي نُشرت نتائجها، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم». أن أنماطاً جوية واسعة النطاق قد تجعل بعض مخاطر الأمطار الشديدة قابلة للتنبؤ قبل أشهر؛ ما يمنح مزارعي الكاكاو وقتاً لاتخاذ إجراءات تساعد على حماية الأشجار والمحاصيل.

وتعتمد أشجار الكاكاو، التي يمكن أن تعيش لعقود، على سلسلة دقيقة من المراحل لإنتاج محصول جيد، تبدأ بالإزهار والتلقيح ثم تكوين الثمار ونموها. ويمكن للأمطار القليلة جداً أو الغزيرة في التوقيت الخاطئ أن تلحق أضراراً بالمحصول وتؤثر في إنتاج الموسم بأكمله. وأوضح الباحثون أن الأمطار الغزيرة خلال الإزهار، أو التي توفر ظروفاً مواتية لانتشار الأمراض الفطرية خلال الإزهار والمراحل الأولى من نمو الثمار، قد تأثر بدرجة تأثير الجفاف نفسها.

وركز الباحثون في البداية على غانا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة للكاكاو، وحللوا نحو عقدين من بيانات الإنتاج على مستوى المناطق، إلى جانب سجلات الطقس اليومية. وأظهرت النتائج أن الأمطار الزائدة خلال موسم الأمطار، إلى جانب الجفاف خلال موسم الجفاف، تفسر نحو ثلثي التغيرات السنوية في إنتاج الكاكاو في غانا.

واختبر الباحثون مجموعة من العوامل المناخية، بينها متوسط هطول الأمطار، والأمطار الغزيرة، وفترات الجفاف، ورطوبة التربة، ودرجات الحرارة القصوى. وتبيَّن أن أفضل مؤشرين للتنبؤ بالتغيرات في الإنتاج هما الأمطار الشديدة خلال موسم الأمطار الرئيسي ونقص الأمطار خلال موسم الجفاف.

وتظهر التأثيرات الأشد للأمطار في غانا بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، عندما تكون الأشجار في مرحلة الإزهار وتبدأ الثمار الصغيرة في التكوّن، في حين قد يؤدي نقص الأمطار بين نوفمبر (تشرين الثاني) وفبراير (شباط) إلى الإضرار بالمحصول أثناء استمرار نمو الثمار. كما يمكن للرطوبة وتناثر مياه الأمطار أن يساعدا في انتشار الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار والثمار.

وللتأكد من اتساع نطاق النتائج؛ حلل الباحثون بيانات من الإكوادور وإندونيسيا، وهما من كبار منتجي الكاكاو، ووجدوا نمطاً مشابهاً؛ إذ ارتبطت السنوات التي شهدت أمطاراً أغزر خلال مواسم الأمطار بتراجع الإنتاج. ويرى الباحثون أن فهم توقيت الأمطار الشديدة ربما يساعد المزارعين على تحسين توقيت إجراءات مكافحة الأمراض، خصوصاً مع توفر توقعات جوية مسبقة. وقد تشمل إجراءات الحماية زيادة الغطاء النباتي لحماية الأزهار من قطرات المطر الكبيرة، والإبقاء على مزيد من الأوراق المتساقطة على الأرض للحد من تناثر المياه ونقل مسببات العدوى من التربة إلى الثمار.

وحسب الفريق، ترتبط بعض أنماط الأمطار المؤثرة في المحصول بظواهر مناخية واسعة النطاق، مثل «النينيو» والتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي؛ ما قد يتيح التنبؤ ببعض مواسم الخطر قبل أشهر. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الأمطار ليست التحدي الوحيد؛ إذ يؤثر في إنتاج الكاكاو أيضاً تقدم عمر الأشجار، والتنقيب عن الذهب، والتهريب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، والآفات والأمراض.


القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
TT

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة. فهي ليست مجرد مشروب يبدأ به الصباح أو يُقدَّم للضيف، وإنما جزء من طقوس اجتماعية متوارثة؛ فنجان صغير يفتح باب الحديث، ويعلن الترحيب، ويمنح الجلسة وقتاً أطول.

المفارقة أن المقاهي التي تنتشر اليوم في المدن السعودية، بتصاميمها العصرية وقوائمها التي تحتفي بأصول البن وطرق تحضيره، ليست فكرة جديدة تماماً. فقبل قرون، كانت مكة المكرمة من الأماكن التي شهدت ظهور أحد أقدم أشكال المقاهي العامة.

ووفقاً لموقع «إي دي ميدل إيست»، بدأت القهوة رحلتها في القرن الـ15 من اليمن، حيث ارتبطت في بداياتها بالأوساط الصوفية، قبل أن تنتقل إلى مكة، وتظهر فيها أماكن عُرفت باسم «القهوة خانة». وبحلول أوائل القرن الـ16، أصبحت هذه الأماكن جزءاً من الحياة اليومية في المدينة.

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة (فيسبوك ميراكي)

لم تكن تشبه المقاهي التي نعرفها اليوم، لكنها أدت وظيفة قريبة منها؛ إذ كانت أماكن بسيطة ومفتوحة في محيط الأسواق والطرق التجارية، يقصدها الناس للراحة من الحر، والاستماع إلى الأخبار، ومناقشة الأعمال وشؤون المجتمع.

وبذلك، ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بفكرة المكان الذي يجتمع فيه الناس، وليس فقط بالمشروب نفسه. ومن مكة، انتشرت المقاهي إلى مدن عربية وإسلامية أخرى، مثل القاهرة ودمشق وإسطنبول، لتصبح لاحقاً جزءاً من المشهد الحضري في المنطقة.

من المقهى إلى المجلس

في السعودية، أخذت القهوة لاحقاً طريقاً مختلفاً، وانتقلت بدرجة أكبر من الأماكن العامة إلى البيوت والمجالس.

وهناك اكتسبت معنى أكثر خصوصية؛ فأصبحت جزءاً من استقبال الضيف، وعلامةً على الكرم، وطقساً اجتماعياً له تفاصيله المعروفة. ولم يعد الفنجان مجرد مشروب، بل أصبح وسيلةً للتقارب وبدء الأحاديث.

وبعد قرون، بدأت القهوة تستعيد حضورها في الفضاء العام، مع انتشار المقاهي الجديدة خلال العقد الثاني من القرن الـ21.

جاءت هذه العودة في وقت كانت فيه السعودية تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وظهر معها اهتمام متزايد بما يُعرف عالمياً بـ«الموجة الثالثة للقهوة»، وهي ثقافة تتعامل مع القهوة بوصفها حرفةً وفناً، بدءاً من مصدر حبوب البن، مروراً بالتحميص وطريقة الاستخلاص، ووصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع التجربة.

لكن السعودية لم تكتفِ باستيراد هذا الاتجاه، بل مزجته بثقافتها الخاصة.

مقاهٍ تحمل ذاكرة المكان

«ميراكي» محاولة للجمع بين القديم والجديد (إنستغرام قهوة ميراكي)

في جدة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالتجارة والحجاج وحركة القهوة في المنطقة، ظهرت مقاهٍ حاولت منح التجربة الجديدة هويةً محلية.

ومن بينها «ميراكي» (Meraki)، الذي كان من المقاهي اللافتة في تلك المرحلة. ويقول أحد مؤسسيه، محمد شطا، إن التصميم بالنسبة إليه كان محاولةً للجمع بين القديم والجديد، بحيث يمنح التراث المكان عمقه، بينما تمنحه الحياة المعاصرة روحاً جديدةً.

وفي الرياض، يقدم «شملات» مثالاً آخر على هذه الفكرة؛ فقد رُمِّم بيت طيني تاريخي وحُوِّل إلى مساحة تجمع بين المقهى والنشاط الثقافي، مع الحفاظ على ملامح المبنى ومواده الأصلية.

أما «كمل ستيب» (Camel Step)، فقد جعل من التصميم جزءاً من تجربة القهوة نفسها. ويقول المصمم فارس العاصمي إن قراءة تاريخ المكان ومواده وعادات الناس فيه تمثل نقطة البداية في تصميم فروع العلامة.

وفي حائل، استُلهم تصميم أحد الفروع من إرث العمارة البروتالية السعودية، مستخدماً الخرسانة المكشوفة والخشب وضوء النهار بطريقة هادئة، لتقديم مساحة حديثة تستلهم الماضي من دون أن تعيش فيه.

فنجان يجمع الماضي بالحاضر

تصميم مقهى «كمل ستيب» يستلهم تاريخ المكان ومواده وعادات أهله (موقع المقهى)

لهذا تبدو قصة القهوة السعودية اليوم أكبر من مجرد انتشار المقاهي المختصة؛ فما يحدث هو إعادة اكتشاف لعلاقة قديمة بين القهوة والمكان والناس.

فمن «القهوة خانة» في مكة، حيث كان الناس يجتمعون لتبادل الأخبار والأحاديث، إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت أماكن للعمل واللقاء والثقافة والتصميم، تغيرت القهوة وطريقة تقديمها والأماكن التي نلتقي فيها حولها، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي: فنجان قهوة كان دائماً أكثر من مجرد فنجان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended