إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي... ولا تستهدف أي دولة

أكد أن علاقة تركيا بالسعودية هي «علاقة استراتيجية» واعتبر أن سوريا باتت أمام «مرحلة جديدة»

الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)
TT

إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي... ولا تستهدف أي دولة

الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية هي «علاقة استراتيجية»، كاشفاً عن أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات من شأنها «الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى بكثير». وقال إن مضيق هرمز يشكّل أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي و«تتمثل أمنيتنا وتوقعاتنا في أن ينتهي التوتر الراهن في أقرب وقت ممكن، وأن يعود مضيق هرمز ليؤدي دوره في خدمة التجارة الدولية بصورة آمنة ومستقرة ومن دون انقطاع».

وكان إردوغان يرد على أسئلة مكتوبة وجَّهتها له «الشرق الأوسط» عقب توقيعه «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع ولي العهد رئيس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في مكة المكرمة الأسبوع الماضي. وقال الرئيس التركي في أجوبته إن «من الخطأ اختزال (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) في اعتبارها مجرد انعكاس ظرفي» للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أنه «لا ينبغي النظر إلى الأمر بالاقتصار على البعد العسكري؛ ذلك أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقية هو تعزيز بعدها الردعي، وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن فيما بينها، وحماية الاستقرار الإقليمي». ولفت إلى أن الاتفاقية «جاءت للتأكيد على حق الدفاع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة»، ومشدداً على أنها «لا تستهدف أي دولة من الدول»، بل هي «مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام إليها».

وطالب إردوغان بضرورة أن «تتوقف على وجه السرعة الهجمات الإسرائيلية على لبنان»، معتبراً أن سوريا باتت «أمام مرحلة جديدة» و«أهم تطلعاتنا هو أن تُمهد هذه المرحلة الطريق أمام سلام دائم واستقرار وإعادة إعمار سوريا»، متعهداً بأن بلاده «لن تسمح بوجود أي تنظيمات أو كيانات في شمال سوريا أو في أي جزء آخر منها من شأنها أن تهدد أمن تركيا».

وفيما يأتي نص أجوبة الرئيس التركي:

اتفاقية مكة الثلاثية

* فخامة الرئيس، كيف نشأت فكرة «اتفاقية مكة الثلاثية»، وما أبرز التطورات التي قادت إليها؟

- جاءت فكرة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» نتيجة للأوضاع الجديدة التي فرضتها التطورات التي شهدتها منطقتنا، وانطلاقاً من وعي الدول الثلاث بمسؤولياتها المشتركة. لقد كنا دائماً نعتقد أن قضايا المنطقة يجب أن تُحلّ من قِبل دولها، وقد كنا دائماً ندعم محاولات إيجاد حلول لها؛ وكان هذا على الدوام هو الأساس الذي تنبني عليه مقاربتنا للوضع. فقضايا المنطقة ينبغي أن تصل إلى الحلول من قِبل الفاعلين الإقليميين بها؛ فنعتبر أننا بهذا العمل نكون قد أقدمنا على خطوة أولى في سبيل تحقيق ذلك. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة؛ الأهمية القصوى التي تكتسيها جهود التآزر والتضامن بين الدول الشقيقة والصديقة. فنحن في تركيا كنا ولا نزال على الدوام ندعو إلى الحوار وتعزيز قنوات التشاور بدلاً من تعميق الخلافات؛ لأننا نعلم أن السلام الدائم لا يتحقق من خلال وضع حد للنزاعات فحسب، بل من خلال مد جسور الثقة المتبادلة والإرادة السياسية القوية والرؤية المستقبلية المشتركة. وبالتالي، فـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» هي ثمرة لهذا الفهم، فهي تتعدى كونها توافقاً بين الدول الثلاث إلى مبادرة لتحمّلنا للمسؤولية التاريخية الجسيمة في تحقيق الاستقرار للمنطقة وتمكين شعوبها الشقيقة والصديقة من الأمن والأمان. وهنا أريد أن أؤكد على شيء بالغ الأهمية، وهو أن هذه الاتفاقية مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة التي ترغب في السلام والاستقرار.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال توقيعه «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الجمعة (واس)

إننا في تركيا اليوم وكما كنا في الماضي وسنبقى على الدوام ندعم السلام والاستقرار وتعزيز الأخوة مع أشقائنا. فنحن نعتبر «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» تجسيداً عملياً لهذه الإرادة القوية، وليس لنا أي اعتراض حول انضمام دول أخرى إلى هذه الاتفاقية. إننا - بحول الله: سنكون نحن تركيا والسعودية وباكستان قد فتحنا الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون والعمل المشترك في منطقتنا. فبلدنا يملك الإرادة القوية في إبقاء هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه على الدوام؛ والمساهمة بكل قوة في جهود تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

* هل للاتفاقية؛ علاقة بمسار التوتر المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران، أم أن فكرة التنسيق الثلاثي كانت مطروحة في السابق؟

- لا شك أن لارتفاع حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران خطورته على التطورات التي تعرفها المنطقة. لكن من الخطأ اختزال «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في اعتبارها مجرد انعكاس ظرفي لهذا التصعيد؛ فذلك سيؤدي إلى فهم غير صحيح للسياسات والنوايا المعتمدة في بلدنا. فهذه الاتفاقية جاءت للتأكيد على حق الدفاع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وأنها لا تستهدف أي دولة من الدول، فقد جاءت من أجل العمل على تعزيز الأمن والرفاهية والاستقرار في المنطقة، وهي مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام إليها. ذلك أن رؤيتنا فيها لا تقتصر على الدول الثلاث، بل نطمح أن تكبر، بل ولربما تتوفر الظروف المناسبة في يوم ما فتجتمع تحت سقفها كل دول المنطقة، فذلك سيكون الخطوة المثلى في سبيل تحقيق الاستقرار الدائم في كل ربوع المنطقة. فهذه الخطوة التي أقدمنا عليها اليوم لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت الاتفاقية مطروحة منذ زمن طويل؛ أثناء مباحثاتنا و لقاءاتنا المتكررة مع الشركاء الذين وقَّعنا معهم الاتفاقية، ومع سائر دول المنطقة. لقد كنا دائماً وأبداً نؤكد ومنذ سنوات طويلة أن تعزيز السلام والأمن في منطقتنا يتطلب مشاورات منتظمة على صعيد الدول المعنية، وكانت جهودنا تنصبّ على ما يخدم ذلك. لأن حلحلة قضايا المنطقة ينبغي أن تقام بعيداً عن الوصفات المفروضة من الخارج؛ فنحن نعرف جيداً تلك الحلول المستوردة من الخارج إنما تجلب الكوارث. لهذا؛ فقد عملنا في تركيا باستمرار ملتزمين بالمضي على ضوء السياسات التي تعتمد الإرادة الذاتية والعقل المشترك لدول المنطقة. وبالتالي، فإننا لا ننظر للآلية الثلاثية المنبثقة عن «اتفاقية مكة» باعتبارها ردة فعل آنية في مقابل وضع دولي معين، بل نراها خطوة جبارة قمنا بها انطلاقاً من إرادة استراتيجية في مواجهة المستجدات التي تعرفها المنطقة. إننا في تركيا نقف دائماً إلى جانب الحلول الدبلوماسية لا مع التصعيد، ومع الحوار لا الصراع، ومع التعاون الإقليمي وتعزيز روابط العمل المشترك لا مع الانقسام. نحن بلد قادر على التحدث مع جميع الأطراف، وعلى تحمّل المسؤولية في القضايا الصعبة، وسنواصل دورنا من أجل تحقيق السلام والاستقرار الدائم في كل المنطقة.

الردع الجماعي

* مع أن الاتفاقية تحمل الصبغة الدفاعية، فإن نصها يطالعنا بعبارة تقول إن أي اعتداء على أي طرف فيها يُعتبر اعتداءً على الأطراف الثلاثة. هل هذا صحيح؟

- نعم، فكما يفهم من اسمها إنها «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» فهي تقوم على أساس الدفاع الجماعي. كما أن توقيعها في مكة المكرمة بين دول شقيقة يضفي عليها رمزية خاصة. وهذا مصدر سعادة بالغة لنا. فـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» قبل كل شيء قائمة على أساس الردع الجماعي؛ اتفاقية تسعى إلى تعزيز مجالات التعاون الأمني والدفاعي وتفسح الباب أمام تطوير المشاريع المشتركة في مجال الصناعات الدفاعية. ودعم الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب. فهذه الاتفاقية لا تستهدف أي طرف، بل الغاية منها هي تحقيق السلام والاستقرار والرفاهية لشعوبنا. والمواد الواردة في نصها واضحة؛ لا لبس فيها على الإطلاق. فالأساس الذي تعتمده هو أن أي تهديد لأمن أحد الأطراف ينظر إليه على اعتباره تهديداً أمنياً لباقي الأطراف الموقّعة عليها. لكن لا ينبغي النظر إلى الأمر بالاقتصار على البعد العسكري؛ ذلك أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقية هو تعزيز بعده الردعي، وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن فيما بينها، وحماية الاستقرار الإقليمي. لقد حققت تركيا إنجازات عظيمة في مجال الدفاع والأمن، ونالت تقدير وإعجاب الكل في هذا الصدد. وعبر هذه الاتفاقيات مع الدول الشقيقة والصديقة، فإننا نمنح هذه الإنجازات بعداً إقليمياً داعماً للسلام. وفي الوقت نفسه، فإن الدول الموقّعة على هذه الاتفاقية تؤكد على تعهدها ألا تكون محل عنصر تهديد فيما بينها، بل على النقيض من ذلك ستسعى إلى القيام بكل ما من شأنه أن يقوّي مظاهر التضامن فيما بينها. فالرسالة التي تريد الأطراف الموقّعة على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إبلاغها واضحة لا لبس فيها: وهي أن أمننا يتحقق من خلال ما يضمن الأمن لنا جميعاً، وأننا على يقين تام أنه في حالة ما إذا طبقنا هذا النهج الشامل سنكون قد حققنا السلام والاستقرار والازدهار لنا جميعاً.

الأمير محمد بن سلمان وإردوغان وشهباز شريف في صورة جماعية مع وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء المخابرات ببلادهم بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (الرئاسة التركية)

* هل يمكن القول إن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط قرَّرت تحمّل مسؤولية الأمن والاستقرار، الشيء الذي كان يُعتبر في السابق من اختصاص القوى العظمى؟

- اليوم باتت دول المنطقة مضطرة أكثر من أي وقت مضى إلى تحمّل مسؤولية أمنها واستقرارها ومستقبلها بنفسها. وهذا هو المبدأ الذي كنا ندافع عنه على الدوام: فلا أحد يعرف قضايا المنطقة أفضل من دولها وشعوبها. صحيح أن التطورات الإقليمية قد تكون لها انعكاسات دولية، لكن تعزيز السيادة الإقليمية والتضامن المشترك والإرادة الجماعية سيسهِم في تعزيز الاستقرار العالمي. فنحن في تركيا نعتقد أن بناء آليات اكثر متانة بشكل متضافر بين دول المنطقة لتأمين الأمن والاستقرار أمر بالغ الأهمية. ذلك أننا ما فتئنا نقيم علاقات جيدة مع معظم دول المنطقة، وندرك أن تحويل هذه العلاقات تعاوناً مؤسسياً دائماً أمر مفيد جداً. لذلك؛ نؤمن بضرورة أن تضمن دول المنطقة أمنها واستقرارها الاقتصادي عبر علاقات مؤسسية فيما بينها. فالمشهد القائم في الوضع الراهن يؤكد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُرسَم بمعزل عن إرادة دولها. ولا ينبغي أن يكون هدفنا هو تشكيل تكتلات إقصائية، بل أن يكون بناء نظام تعاون إقليمي قائم على احترام السيادة ووحدة الأراضي، والثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. ستواصل تركيا العمل وفق هذا النهج، وستتحمل مسؤولياتها متى دعت الضرورة، وستواصل جهودها الدبلوماسية لتعزيز السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.

أمن إمدادات الطاقة

* هل ترون أن «اتفاقية مكة» ستُسهِم في تعزيز الأمن في منطقة الخليج، التي تتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي؟

- بالطبع، أرى ذلك، ونرى ذلك. وكما أكدتُ منذ البداية، فقد وقّعنا اتفاقية من شأنها أن تخدم ازدهار المنطقة ورفاهها وسلامتها وأمنها. إن أمن منطقة الخليج لا يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى دول المنطقة فحسب، بل يحظى أيضاً بأهمية بالغة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية. ترتبط الكثير من الملفات ارتباطاً مباشراً بأمن وسلام هذه المنطقة، بدءاً من أمن إمدادات الطاقة وحتى سلامة الممرات البحرية، ومن استمرارية حركة التجارة وحتى الاستقرار الاقتصادي العالمي. وهذا ليس مجرد طرح نظري؛ فقد أظهرت لنا التطورات التي شهدتها الأشهر القليلة الماضية ذلك بوضوح.

لذلك؛ فإننا نرى أن كل خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج تكتسب قيمة وأهمية ليس على الصعيد الإقليمي فحسب، بل أيضاً من منظور السلام والازدهار العالميين. ونحن نرى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» ستُسهِم إسهاماً كبيراً في ترسيخ مفهوم الأمن المشترك والتضامن في المنطقة، وستُحدث تغييراً في النهج السائد فيها. ولا يمكن النظر إلى الأمن والتنمية الاقتصادية بمعزل أحدهما عن الآخر. وقد أكدتُ مراراً أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية يسيران جنباً إلى جنب. بعد أن مرت أوروبا بحروب كبرى، وصلت أولاً إلى تحقيق الاستقرار والأمن من خلال العمل المشترك، ثم انتقلت إلى التكامل الاقتصادي والازدهار. ويمكننا أن نصل معاً إلى هذه المرحلة من دون أن نمر بكل هذه الآلام والمعاناة. فلا يمكن أن تكون التجارة والاستثمارات والازدهار مستدامة في غياب السلام والاستقرار. كما أن استقرار منطقة الخليج يمثل، في الوقت ذاته، مسألة استراتيجية فيما يتعلق بأمن الروابط الاقتصادية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. ونحن لا ننظر إلى السلام والاستقرار في الخليج بمعزل عن رؤيتنا لأمننا والسلام الإقليمي. ولذلك؛ سنواصل الاضطلاع بكل المسؤوليات الملقاة على عاتقنا، ونستمر بجهودنا الدبلوماسية البناءة.

مضيق هرمز

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوب إيران يوم الاثنين 10 أغسطس (أ.ف.ب)

* هل تتوقعون أن تعود الأوضاع في مضيق هرمز إلى مسارها الذي كانت عليه قبل اندلاع الصراع الحالي؟

- يعتبر مضيق هرمز منطقة ذات أهمية لا تقتصر على النطاق الإقليمي، بل تمتد إلى المستوى العالمي. فهو يُعدّ ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى إمدادات الطاقة العالمية والتجارة الدولية. ولذلك؛ فإن أي توتر قد يحدث في هذه المنطقة لا تقتصر تداعياته على دول المنطقة وحدها، وقد رأى العالم بأسره ولمس آثار ذلك من خلال أسعار النفط.

لقد أثبت مضيق هرمز أنه يشكل أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. وتتمثل أمنيتنا وتوقعاتنا في أن ينتهي التوتر الراهن في أقرب وقت ممكن، وأن يعود مضيق هرمز ليؤدي دوره في خدمة التجارة الدولية بصورة آمنة ومستقرة ومن دون انقطاع. وهذا بدوره مرهون بتحلي جميع الأطراف بضبط النفس، والإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة. ولم نؤيد قط تصعيد التوتر، بل على العكس، دافعنا عن حل المشكلات عبر التفاوض، من خلال إقامة حوار مع جميع الأطراف. وسعينا إلى جمع الأطراف على طاولة واحدة. لأننا نعلم أن الوصول إلى حل دائم، سواء في مضيق هرمز أو أوكرانيا أو فلسطين، لا يتحقق عن طريق الصراع، بل عن طريق الدبلوماسية. وتقع على عاتق دول المنطقة مسؤولية كبيرة فيما يتعلق بأمن ممر مائي بهذه الأهمية والحساسية. ونحن نرى أن تعزيز المِلكية الإقليمية ومفهوم الأمن المشترك من شأنه أن يسهِم إسهاماً كبيراً في استقرار مضيق هرمز. وينبغي أن يكون الهدف هو عودة مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي الآمن والمستقر، وأن يصبح هذا الوضع مستداماً ودائماً.

علاقة استراتيجية

* كيف تقيّمون العلاقات الحالية مع المملكة العربية السعودية؟

- نحن نرى أن علاقاتنا مع المملكة العربية السعودية تمثل علاقة استراتيجية، شكّلها تاريخنا المشترك، وروابط الأخوة التي تجمع بيننا، والمصالح المتبادلة. إن تركيا والمملكة العربية السعودية ليستا دولتين صديقتين وشقيقتين فحسب، بل إنهما أيضاً دولتان تضطلعان بمسؤوليات مهمة تجاه السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة. ونحن سعداء بالزخم الذي اكتسبته علاقاتنا خلال الفترة الأخيرة. وبينما نعمل على تعزيز حوارنا السياسي، فإننا نعمل أيضاً على تطوير تعاوننا في كثير من المجالات، وفي مقدمتها الاقتصاد والتجارة والاستثمار وصناعات الدفاع والطاقة والسياحة. ونحن نتعامل مع علاقاتنا مع المملكة العربية السعودية من منظور يتجاوز التطورات والظروف الآنية، ويستند إلى المصالح المشتركة طويلة الأمد والاحترام المتبادل. وفي وقت تمر فيه منطقتنا بمرحلة تشهد تحديات بالغة الخطورة، يكتسب التشاور والتعاون المستمران بين تركيا والمملكة العربية السعودية أهمية أكبر من أي وقت مضى. ونرى بأن «اتفاقية مكة» ستُسهم في تعزيز علاقاتنا في كثير من المجالات، وفي مقدمتها التعاون الدفاعي.

نحن على معرفة بمسؤولياتنا المشتركة تجاه سلام منطقتنا واستقرارها، ونتصرف على هذا الأساس. ونحن في تركيا نولي أهمية كبيرة لاستقرار المملكة العربية السعودية وسائر دول المنطقة وأمنها. ذلك أن أي أزمة، مهما كانت محدودة، تشهدها منطقتنا، تؤثر على جميع دول المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب. وأرى بأننا سنتخذ خلال المرحلة المقبلة خطوات من شأنها الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى بكثير.

استقرار لبنان

دبابات إسرائيلية في زوطر الشرقية كما تظهر من زوطر الغربية جنوب لبنان 5 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

* تتابع تركيا من كثب الوضع في لبنان أيضاً. ما تقييمكم للتطورات الأخيرة التي يشهدها لبنان؟

- لبنان بالنسبة إلينا ليس مجرد بلد قريب جغرافياً، بل هو بلد صديق وشقيق تربطنا به أيضاً روابط تاريخية. إن أمن لبنان وسلامه واستقراره يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لاستقرار منطقتنا بأسرها. ويجب الحفاظ على سيادة لبنان ووحدته السياسية وسلامة أراضيه، كما هو الحال في سائر دول المنطقة.

ونحن نعارض أيضاً تعقيد القضايا الداخلية في لبنان بصورة أكبر من خلال التدخلات الخارجية أو من خلال الوسائل العسكرية، وتحويل البلاد ساحةً للتنافس بين القوى الخارجية. ونؤمن بأن من حق اللبنانيين أن يتخذوا بأنفسهم، وبإرادتهم الحرة، القرارات المتعلقة بمستقبل بلادهم. ويجب أن تتوقف على وجه السرعة الهجمات الإسرائيلية على لبنان، في ظل السياسات العدوانية والتوسعية التي تنتهجها إسرائيل، والتي تشكل المشكلة الأساسية في المنطقة. وفي هذا الإطار، نرى أن المباحثات الجارية من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان خطوة إيجابية. ولا يمكن النظر إلى أمن لبنان واستقراره بمعزل عن السلام الإقليمي. لا ينبغي أن يُكتب تاريخ الشرق الأوسط بصورة متواصلة بالصراعات والدمار والمعاناة. فهذه المنطقة تستحق أيضاً أن تنعم بالسلام والطمأنينة والازدهار. وهذا هو النهج الذي تقوم عليه جميع جهودنا الدبلوماسية في تركيا. فمنطقتنا ارتبط اسمها بالحرب والدموع على مدى سنوات طويلة، وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا لتغيير هذا الواقع. وبطبيعة الحال، نتطلع إلى أن يستعيد لبنان استقراره، وأن تتعزز مؤسساته، وأن يتمكن شعبه من التطلع إلى مستقبله بأمان واطمئنان. وفي هذا الإطار، نحن على استعداد لتقديم كل أشكال الدعم التقني وإقامة التعاون. وقد أعربنا عن إرادتنا والتزامنا بهذا الشأن لكل من السيد الرئيس (جوزيف) عون والسيد رئيس الوزراء (نواف) سلام، اللذين استضفناهما في بلادنا مؤخراً.

سوريا... مرحلة جديدة

* كيف تقيّمون مسار التغيير في سوريا حتى الآن؟

- نقيّم مسار التغيير الذي تشهده سوريا باعتباره نقطة تحول تاريخية، من حيث إرادة الشعب السوري في تقرير مستقبله بنفسه. ومنذ البداية، دافعت تركيا عن وَحدة الأراضي السورية ووَحدتها السياسية وسيادتها. لقد تسببت الحرب والإرهاب وحالة عدم الاستقرار التي عانت منها سوريا في تكبيد المنطقة بأسرها أثماناً باهظة. والآن، نحن أمام مرحلة جديدة. وإن أهم تطلعاتنا هو أن تُمهد هذه المرحلة الطريق أمام سلام دائم واستقرار وإعادة إعمار سوريا.

لن نسمح بوجود أي تنظيمات أو كيانات في شمال سوريا أو في أي جزء آخر منها من شأنها أن تهدّد أمن تركيا. وكما أن وحدة الأراضي السورية تحظى بأهمية بالغة بالنسبة إلينا، فإن الأمن القومي التركي يحظى بالقدر نفسه من الأهمية. ومنذ بداية هذه المرحلة، كان تطلعنا أن يتمكن أشقاؤنا السوريون من العيش في بلدهم بأمن وسلام. وقد قطعت سوريا، منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، شوطاً مهماً في مسار تحسين الظروف الأمنية في البلاد، وتهيئة الأرضية اللازمة للتنمية الاقتصادية، وإرساء التوافق المجتمعي. وبطبيعة الحال، كان للمِلكية الإقليمية، والدعم الإقليمي للحكومة السورية، دور مهم في تحقيق هذه النتائج. لقد أظهرت الحكومة السورية، التي نجحت في تطوير علاقات جيدة مع دول المنطقة والمجتمع الدولي، قدرةً على تجنب الانخراط في صراعات إضافية، من خلال تركيزها على أجندة الاستقرار والأمن المستدامين. واليوم، أصبح تطبيع الأوضاع في سوريا، في الواقع، قضية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى المنطقة بأسرها. فبدل أن يرتبط اسم سوريا بمصدر لعدم الاستقرار، بدأ يُرتبط الآن بمشاريع الربط والتنمية.

ستواصل تركيا، كما فعلت حتى اليوم، الاضطلاع بمسؤولياتها وبذل ما يقع على عاتقها من أجل استقرار سوريا، ومساعدتها على النهوض من جديد، وتعزيز السلام الإقليمي. كما أن تركيا عازمة على العمل بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين في هذا الاتجاه. وفي وقت فُتحت فيه صفحة جديدة في سوريا، ينبغي أن تُكتب هذه الصفحة لا بآلام جديدة، بل بروح السلام والأخوة والسيادة، وبرؤية تقوم على المستقبل المشترك.


مقالات ذات صلة

السعودية وقطر ومصر تؤكد دعم المساعي الدبلوماسية لتعزيز أمن المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيراه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن والمصري الدكتور بدر عبد العاطي (الشرق الأوسط)

السعودية وقطر ومصر تؤكد دعم المساعي الدبلوماسية لتعزيز أمن المنطقة

أكدت السعودية وقطر ومصر دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لحلول دبلوماسية شاملة تسهم في ضمان سلامة الممرات المائية، وتعزز أمن المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

السعودية ورومانيا تستعرضان سبل تطوير التعاون الدفاعي

استعرض الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي مع نظيره الروماني ستيفان رادو أوبريا، الثلاثاء، التعاون القائم بين البلدين في المجالات العسكرية والدفاعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الهيئة أكدت أن المعلومات المتعلقة بالشأن النووي تصدر عن الجهات الحكومية المختصة الموثوقة (الشرق الأوسط)

السعودية: التفسيرات المتداولة بشأن النووي تستند لمفاهيم خاطئة

أوضحت «هيئة الرقابة النووية» السعودية أن التفسيرات الاجتهادية المتداولة بشأن النووي غير مبنية على المعرفة العلمية ويستند معظمها إلى مفاهيم خاطئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر داخل السوق المالية السعودية في الرياض (رويترز)

السوق السعودية تتراجع بعد مكاسب محدودة في الجلسة السابقة

أنهت السوق السعودية الرئيسية (تاسي) تعاملات الثلاثاء على انخفاض طفيف بنسبة 0.1 في المائة، ليغلق المؤشر عند 9876 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 3.4 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تقرير إخباري زوار يتوقفون عند جناح شركة «أرامكو» في معرض «مسك» العالمي للابتكار والتكنولوجيا الذي أُقيم في العاصمة السعودية الرياض (أرشيفية - أ.ف.ب)

تقرير إخباري «أرامكو» تجني ثمار مرونتها بنمو أرباحها إلى 31.2 مليار دولار وتوسّع «شرق-غرب»

نجحت «أرامكو» في تحويل جانب من تحديات الربع الثالث من عام 2026 إلى مكاسب مالية، مستفيدةً من مرونة منظومتها التشغيلية.

عبير حمدي (الرياض)

الوساطة في ساعاتها الأخيرة


إيرانية تمر أمام لوحة دعائية تتوعد بقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طهران أمس (رويترز)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية تتوعد بقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طهران أمس (رويترز)
TT

الوساطة في ساعاتها الأخيرة


إيرانية تمر أمام لوحة دعائية تتوعد بقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طهران أمس (رويترز)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية تتوعد بقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طهران أمس (رويترز)

بينما دخلت الوساطة القطرية لتجنيب المنطقة استئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ساعاتها الأخيرة، أبدت طهران تحفظها على الرد الأميركي. ويترقب الوسطاء القطريون ردود واشنطن وطهران خلال 36 ساعة على مقترح جديد لدفع المفاوضات، بعد محادثات أجروها في طهران. وقالت الدوحة إن الطرفين يراجعان المقترحات، وإنها تعمل على اتفاق مؤقت. لكن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي وصف الرد الأميركي بأنه «غير مقنع». وقال إن مضيق هرمز لن يُفتح قبل أن ترد واشنطن «بشكل كامل وصريح» على الشروط السبعة وتنفذها.

ونفت وزارة الخارجية الإيرانية تحقيق «أي جديد بشأن الاتفاق»، واشترطت لأي تفاهم وقف الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن الاتفاق لا يزال بعيد المنال.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن بلاده قدمت «رداً قوياً وعقلانياً»، وإنها مستعدة للمعركة «وإصبعها على الزناد».

وأقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضرب منشأة للدفاع الجوي في جزيرة قشم.


مزاعم إسرائيلية عن أسلحة كيماوية إيرانية تقسم المسؤولين الأميركيين

فرق الإنقاذ تفحص موقع ضربة صاروخية إيرانية في تل أبيب، 24 مارس 2026 (نيويورك تايمز)
فرق الإنقاذ تفحص موقع ضربة صاروخية إيرانية في تل أبيب، 24 مارس 2026 (نيويورك تايمز)
TT

مزاعم إسرائيلية عن أسلحة كيماوية إيرانية تقسم المسؤولين الأميركيين

فرق الإنقاذ تفحص موقع ضربة صاروخية إيرانية في تل أبيب، 24 مارس 2026 (نيويورك تايمز)
فرق الإنقاذ تفحص موقع ضربة صاروخية إيرانية في تل أبيب، 24 مارس 2026 (نيويورك تايمز)

قدمت إسرائيل إلى الولايات المتحدة معلومات استخباراتية تفيد بأن إيران تدرس استخدام أسلحة كيماوية ضد خصومها. وقوبلت المعلومات بقلق لدى بعض المسؤولين الأميركيين، وبتشكك عميق لدى آخرين، وفقاً لمسؤولين أميركيين وإقليميين.

ويرى بعض المسؤولين الأميركيين أن هذه المعلومات جزء من حملة ضغط تشنها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لإقناع إدارة ترمب بالعودة إلى العمليات القتالية الكبرى ضد إيران.

ويعتقد مسؤولون آخرون أن التهديدات تستحق أن تؤخذ على محمل الجد، في ضوء سلسلة التحذيرات الأخيرة من استعدادات إيرانية لمهاجمة مصالح أميركية.

وأطلعت إسرائيل مسؤولين إقليميين على بعض هذه المعلومات. وشكك عدد منهم في أن إيران تضع خططاً لاستخدام أسلحة كيماوية، ورأوا أن إسرائيل تحاول دفع الولايات المتحدة وشركائها إلى مرحلة أكثر حدة من الحرب.

ولا تُعد الاتهامات الأميركية لإيران بامتلاك أسلحة كيماوية، أو بالسعي إلى صنعها، جديدة؛ فهي تعود إلى عقود. ففي عام 2003، أقرت إيران بأنها طورت قدرات كيماوية خلال الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي، لكنها قالت إنها فككتها لاحقاً.

وفي السنوات الأخيرة، قالت الولايات المتحدة علناً، في تقييماتها الاستخباراتية السنوية غير السرية، إن إيران «تهدف على الأرجح» إلى مواصلة أبحاث الأسلحة الكيماوية وتطويرها.

وتنفي إيران علناً امتلاك أسلحة كيماوية، ووصفت هذه الاتهامات في السابق بأنها حرب نفسية تشنها إسرائيل ونتنياهو.

وتحدث جميع من قابلتهم الصحيفة لإعداد هذا التقرير شريطة عدم كشف هوياتهم، نظراً إلى سرية المعلومات الإسرائيلية، وحساسية التخطيط الإيراني، وسرية المناقشات الأميركية.

عمال يثبتّون لوحة إعلانية وسط طهران تُظهر المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف والرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بملابس ممزقة وإصابات مرسومة على وجوههم وأجسادهم الثلاثاء (أ.ب)

لحظة متوترة

وبعد ثمانية أشهر من الحرب، تقف الولايات المتحدة وإيران في ما يشبه حالة انتظار. فهما تستكشفان إمكان تحقيق اختراق دبلوماسي، وتستعدان في الوقت نفسه لتجدد الحرب.

ويكشف الجدل حول المعلومات الجديدة مدى توتر اللحظة، واحتمال الوقوع في خطأ جسيم في الحسابات. ويقول مسؤولون أميركيون إن إدارة ترمب لا تنوي استخدام سلاح نووي، لكن المسؤولين الإيرانيين ليسوا متيقنين من ذلك.

ويخوض نتنياهو معركة بقاء سياسي، بعدما أخفق في تأمين طريق واضح لتشكيل حكومة في انتخابات الأسبوع الماضي. ويعتقد بعض المحللين أن الزعيم المخضرم قد يسعى إلى استخدام حالة طوارئ أمنية ورقةَ ضغط، لإرغام قادة المعارضة على الانضمام إليه في ائتلاف.

وخلال الأسبوعين الماضيين، صوّر مسؤولون إسرائيليون، في محادثات مع وكالات التجسس الأميركية ومسؤولين آخرين، تهديد الأسلحة الكيماوية على أنه أكثر إلحاحاً من طموحات إيران النووية.

وتجري قيادة الجبهة الداخلية، الوحدة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الاستجابة للطوارئ وتوجيه المدنيين، تدريبات في أنحاء إسرائيل هذا الأسبوع. لكن الاستعداد لهجوم كيماوي ليس جزءاً رئيسياً منها.

ولم تُصدر القيادة تذكيرات واسعة لضباطها أو للجمهور بإرشادات السلامة في مواجهة هذا الاحتمال، وفقاً لمسؤولَين في الوحدة تحدثا شريطة عدم كشف هويتيهما، لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام. ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق.

وحشد الجيش الأميركي في الأسابيع الأخيرة ترسانة ضخمة في المنطقة، تضم سفناً حربية ومقاتلات وقاذفات، جاهزة لشن حملة قصيرة نسبياً من الضربات المكثفة بعد انتخابات التجديد النصفي، إذا أذن الرئيس دونالد ترمب بذلك.

ويحاول دبلوماسيون أميركيون وآخرون، في الوقت نفسه، التوصل إلى اتفاق مع إيران يعيد فتح مضيق هرمز، ويعالج برنامج طهران النووي، ويؤجل أي عمل عسكري إضافي. وقد يكون الحشد العسكري موجهاً لدعم هذا المسعى بقدر ما هو استعداد للعودة إلى الحرب.

وكثفت إيران هجماتها على السفن التجارية في مضيق هرمز، أملاً في ممارسة أقصى ضغط اقتصادي على الولايات المتحدة قبل انتخابات الثلاثاء.

ذاكرة الحرب مع العراق

ويحمل استخدام الأسلحة الكيماوية حساسية خاصة لإيران، فهي من الدول القليلة التي عانت آثارها. فخلال الحرب مع العراق، استخدم صدام حسين أسلحة كيماوية قتلت الآلاف، وخلّفت مشكلات صحية امتدت عقوداً لدى نحو 100 ألف من المحاربين القدامى والمدنيين الإيرانيين، وفقاً لخبراء إيرانيين.

وتتعقب وكالات الاستخبارات الأميركية منذ فترة طويلة تطوير إيران أسلحة كيماوية، وهي أسلحة محظورة بموجب القانون الدولي.

وأبلغت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية نظيرتها الأميركية بأنها تعتقد أن إيران تتحرك بسرعة لتطوير تقنية تتيح تركيب هذه الأسلحة على صاروخ، أو تهريبها إلى إسرائيل أو إلى دولة أخرى لاستخدامها في هجوم، وفقاً لمسؤولين أميركيين.

واستحضر الحديث عن تهديد كيماوي إيراني، لدى بعض المسؤولين الأميركيين، المعلومات الاستخباراتية الأميركية الخاطئة عام 2002 عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.

فقد كان العراق حينها قد تخلى إلى حد كبير عن برامجه النووية والكيماوية والبيولوجية أو جمّدها. لكن وكالات الاستخبارات الأميركية أبلغت البيت الأبيض، في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، بأن تقييمها بامتلاك العراق هذه الأسلحة قاطع لا يقبل الشك.

هل تستخدمها؟

وتباينت آراء من اطلعوا على المعلومات الجديدة بشأن سرعة إيران في نشر سلاح كيماوي، ومدى فاعليتها في ذلك.

فتركيب سلاح كيماوي على صاروخ باليستي ليس صعباً، وفقاً لخبراء أسلحة ومسؤولين أميركيين، لكن الصعوبة تكمن في ضمان أن ينشر السلاح العامل الكيماوي بفاعلية. كما ينطوي تهريب قنبلة عبر الحدود على تحديات.

ويبقى استخدام طائرة مسيّرة لإيصال سلاح كيماوي احتمالاً آخر.

وقال مسؤول إقليمي إن إسرائيل عرضت على دول الخليج العربي مزاعم بأن إيران تعمل على جعل أسلحتها الكيماوية جاهزة للاستخدام العملياتي. وأضاف أن المسؤولين الإسرائيليين لم يقدموا أدلة، بل عرضوا تقييماتهم، التي وجدتها حكومات الخليج غير جدية.

مشيّعون يشاركون في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في مصلى طهران الكبير، 4 يوليو 2026 (نيويورك تايمز)

ولا يدور جدل يُذكر داخل مجتمع الاستخبارات الأميركي حول تطوير إيران أسلحة كيماوية. لكن الجدل كبير حول ما إذا كان قادتها سيستخدمونها يوماً، خصوصاً إذا لم تستفزهم هجمات إضافية.

وحذر مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية عام 2024 من أن «إيران تهدف على الأرجح إلى مواصلة البحث والتطوير في العوامل الكيماوية والبيولوجية لأغراض هجومية».

وقالت دانا سترول، كبيرة مسؤولي سياسة الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) خلال إدارة بايدن، إن من المعروف منذ أكثر من عقدين أن إيران خزّنت مكونات لأسلحة كيماوية، لكنها لم تستخدمها قط.

لكن سترول، التي تعمل حالياً في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قالت إن إيران قد تشعر بأنها «تحت ضغط وجودي، وربما تجاوزت الخط إلى الاستخدام الهجومي المباشر لهذه الأسلحة غير التقليدية».

وتراقب الولايات المتحدة مجموعة متنوعة من التهديدات الإيرانية. وتكثف جمع المعلومات الاستخباراتية بعد اكتشاف مخطط إيراني لمهاجمة قاعدة عسكرية في بريطانيا تستخدمها الطائرات الحربية الأميركية.

وفي 23 أكتوبر (تشرين الأول)، وجّه مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون مذكرة إلى ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، تحذر من خطر هجمات إيرانية. ووُضع الدبلوماسيون الأميركيون وموظفون آخرون بعدها في حالة تأهب قصوى.

وتقدّر الوكالات الأميركية أن التهديد الذي يواجه الأميركيين في الشرق الأوسط وعدد من الدول الأخرى بلغ أعلى مستوياته منذ بدء الحرب أواخر فبراير (شباط)، وفقاً لمسؤولين أميركيين.

ولدى القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) خطة لضرب إيران قد تبدأ يوم الأربعاء، بعد انتخابات التجديد النصفي، وحين تكون ثلاث حاملات طائرات في المنطقة، وفقاً لمسؤولين أميركيين.

ولن تدوم الظروف المثالية للحملة التي وضعها الجيش إلا فترة قصيرة. فبعد مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، ستحتاج إحدى حاملات الطائرات إلى العودة إلى مينائها الأم. كما يشهد مطلع نوفمبر ليالي بلا قمر، وهو الظلام الدامس الذي يفضله الجيش الأميركي لشن هجماته.

الضغط الاقتصادي

وطالب بعض أعضاء حكومة ترمب بمنح حملة الضغط الاقتصادي مزيداً من الوقت لتؤتي ثمارها. ويقولون إن الحصار الأميركي والعقوبات سيُسقطان الحكومة الإيرانية في النهاية.

لكن مسؤولين آخرين يشيرون إلى أن إيران صمدت أمام حملة الضغط، وأن المؤشرات قليلة على أن حكومتها ستنهار من دون هجمات عسكرية إضافية.

وقالت ستيفاني ووكر، المسؤولة البارزة عن الأمن القومي والاستخبارات في مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، الأسبوع الماضي، إن التهديد الإيراني للمصالح الأميركية «محور تركيز رئيسي حالياً للحكومة الأميركية بأكملها».

وأضافت أن أهداف طهران تشمل التجسس والتأثير والهجمات السيبرانية. واستهدف قراصنة مرتبطون بإيران هذا الصيف عشرات من أنظمة المياه في أنحاء الولايات المتحدة، ما دفع بعض المقاطعات إلى دعوة السكان إلى غلي المياه قبل استخدامها.

وحاولت إيران أيضاً انتحال صفة أشخاص عبر الإنترنت لخداع معارفهم، ودفعهم إلى منحها إمكانية الوصول إلى معلومات حساسة. وقالت ووكر إن الذكاء الاصطناعي جعل هذا النوع من الخداع أسهل بكثير، «خصوصاً مع التصيد الصوتي»، أي الاحتيال عبر المكالمات.

وقالت ووكر، في مؤتمر للأمن القومي في سي آيلاند بولاية جورجيا الأسبوع الماضي، إن الحرب «غيّرت حسابات إيران بشأن ما هي مستعدة لفعله هنا ضدنا».

*«خدمة نيويورك تايمز»


عسكريون إسرائيليون سابقون يساعدون فلسطينيين في حصاد الزيتون تضامناً ضد عنف المستوطنين

فلسطينيون وناشطون إسرائيليون يقطفون الزيتون في قرية قصرة بالضفة الغربية، يوم 3 نوفمبر 2026 في منطقة يتردد عليها مستوطنون إسرائيليون وفق سكان محليين (أ.ب)
فلسطينيون وناشطون إسرائيليون يقطفون الزيتون في قرية قصرة بالضفة الغربية، يوم 3 نوفمبر 2026 في منطقة يتردد عليها مستوطنون إسرائيليون وفق سكان محليين (أ.ب)
TT

عسكريون إسرائيليون سابقون يساعدون فلسطينيين في حصاد الزيتون تضامناً ضد عنف المستوطنين

فلسطينيون وناشطون إسرائيليون يقطفون الزيتون في قرية قصرة بالضفة الغربية، يوم 3 نوفمبر 2026 في منطقة يتردد عليها مستوطنون إسرائيليون وفق سكان محليين (أ.ب)
فلسطينيون وناشطون إسرائيليون يقطفون الزيتون في قرية قصرة بالضفة الغربية، يوم 3 نوفمبر 2026 في منطقة يتردد عليها مستوطنون إسرائيليون وفق سكان محليين (أ.ب)

ساعدت مجموعة من كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين السابقين مزارعين فلسطينيين، الثلاثاء، في حصاد الزيتون، في بادرة تضامن وسط تصاعد أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون متطرفون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال الجنرال السابق إيال بن رؤوفين، الذي شبّه هجمات المستوطنين المتطرفين «بالمذابح»: «عندما أرى ما يجري هنا، وعندما أرى هؤلاء الرجال يأتون... ويضربون النساء والأطفال، يتبادر إلى ذهني ما كان يرويه لي والداي عن الفترة التي عانى فيها الشعب اليهودي».

وأضاف بن رؤوفين إنه بدأ منذ عدة أشهر في تنظيم مجموعة تضم نحو 30 من المسؤولين العسكريين الكبار، من بينهم ستة جنرالات، عقب تصاعد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون، والتي يقول العديد من الفلسطينيين إن الجيش الإسرائيلي يتيح لهم ارتكابها.

ناشط إسرائيلي يقطف الزيتون لمساعدة فلسطينيين في بساتين يملكونها بقرية قصرة قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه يدين العنف، وأنه يعمل على الحفاظ على الأمن في الضفة الغربية.

وقال الكولونيل السابق دورون ماينرت: «الاحتلال هو المشكلة الرئيسية للمجتمع الإسرائيلي. أعتقد أنه يجب علينا التعامل معها، ولا يمكننا تجاهلها. يجب أن نحاول حلها مع الفلسطينيين».

وعبّر بن رؤوفين وآخرون عن قلقهم أيضاً من تأثير عنف المستوطنين على سمعة إسرائيل العالمية.

وقال البريغادير جنرال السابق جوناتان يوني إنه متعاطف مع معاناة المزارعين الفلسطينيين، ويعارض ضم إسرائيل الضفة الغربية. وأضاف: «هذا يُوجِد مشكلات لدولة إسرائيل في الغرب والولايات المتحدة على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي».

أفراد سابقون في قوات الأمن الإسرائيلية وناشطون يشاركون عائلات فلسطينية في حصاد الزيتون بقرية قصرة في الضفة الغربية يوم 3 نوفمبر 2026 (أ.ب)

«الجيش حامي المستوطنين»

قال نمر نزال، وهو مالك أرض قرب بلدة قصرة حيث كان العسكريون السابقون يقدّمون المساعدة، إنه لولاهم لكان من المستحيل عليه الوصول إلى أشجار الزيتون الخاصة به بسبب هجمات المستوطنين. وأضاف أن وجودهم «حماية إلنا، وبيساعدونا. يعني لولاهم ما قدرنا نوصل أرضنا».

وأوضح نزال أن الكثير من هجمات المستوطنين حظيت بدعم الجيش الإسرائيلي. وقال «الجيش (الإسرائيلي) هو حامي المستوطنين».

وسجّلت منظمة «يش دين» الإسرائيلية لحقوق الإنسان وقوع 180 اعتداء جسدياً على حاصدي الزيتون الفلسطينيين خلال 35 يوماً منذ بدء موسم الحصاد. وأوضحت المنظمة أن الجيش الإسرائيلي كان حاضراً في أكثر من 23 في المائة من حالات العنف التي ارتكبها المستوطنون والتي سجّلتها المنظمة.

ناشطون إسرائيليون وفلسطينيون يستعدون لتناول وجبة خلال موسم حصاد الزيتون في بساتين يملكها فلسطينيون بقرية قصرة قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

ويقول الفلسطينيون إنهم عندما يتصلون بالجيش الإسرائيلي، فإنه إما يستجيب متأخراً وإما يأتي لمساعدة المستوطنين الذين يرتكبون أعمال العنف. وينفي الجيش ذلك.

وقال ماينرت، الذي يكرّس الآن معظم وقته للعمل التطوعي في الضفة الغربية دعماً للفلسطينيين، إن الجيش الإسرائيلي ساعد المستوطنين.

وأضاف ماينرت أن بعض الجنود الإسرائيليين يتبنون اعتقاد المستوطنين المتطرفين بأن اليهود وحدهم «لديهم الحق في هذه المنطقة، وأن العرب ينبغي طردهم أو البقاء فيها كمقيمين من الدرجة الثانية».

ويقطن الضفة الغربية نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي وما لا يقل عن ثلاثة ملايين فلسطيني. وتعد منظمات الأمم المتحدة ومعظم الدول المستوطنات غير قانونية، بموجب القانون الدولي المتعلق بالاحتلال العسكري.

وترفض إسرائيل هذا التوصيف؛ إذ تعد الأراضي محل نزاع وليست محتلة.