ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

لم تعد الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدور بين نصر واضح وهزيمة قابلة للاحتواء، بل بين مسارات لكل منها تكلفته: حصار طويل قد يستنزف إيران لكنه يرهق الاقتصاد الأميركي، واتفاق محدود يعيد فتح مضيق هرمز مقابل منح طهران نفوذاً دائماً، وحملة عسكرية جديدة لا تضمن تغيير حساباتها، أو انسحاب سياسي يترك وراءه دولة أكثر ضعفاً وعدائية. وبينما أعادت باكستان الحديث عن قرب التوصل إلى «ترتيب»، توحي المواقف الإيرانية والأميركية بأن الصراع دخل مرحلة إدارة الاستنزاف، لا الاقتراب المؤكد من تسوية نهائية. المشكلة أن الحديث عن قرب الاتفاق تكرر مراراً، فيما كانت الهوة تتسع عند الانتقال من الصياغات العامة إلى التنفيذ. فالاتفاق الإيراني - العماني، الذي تقول طهران إنه بلغ «مراحله النهائية»، يتناول تحديد مسارات ملاحية جديدة، لكنه لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.

وتربط إيران فتح المضيق بإنهاء الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية ودفع تعويضات، فيما ترفض واشنطن منحها حق فرض رسوم أو قيود على الملاحة. كما تقول طهران إن المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة غير واردة ما دامت واشنطن تنتهك مذكرة التفاهم السابقة.

وعليه، قد يكون التفاؤل الباكستاني مؤشراً إلى تفاهم مرحلي بشأن الملاحة أو وقف التصعيد، لا إلى حل ملفات التعويضات والعقوبات والبرنامج النووي والقوات الأميركية في المنطقة. ويزيد تبادل المطالب بالتعويض صعوبة إيجاد صيغة تحفظ ماء الوجه: فبعدما طالبت إيران بأضرار الحرب، رد ترمب بالمطالبة بتعويض ضحايا قال إن طهران مسؤولة عن قتلهم، مضيفاً بذلك بنداً جديداً إلى أي مفاوضات مقبلة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

الحصار بدل القصف

ويميل ترمب حالياً لخيار إبقاء الحصار البحري وتشديد العقوبات، وتجنب العودة الفورية إلى الحرب الشاملة. وحسب «وول ستريت جورنال»، أقنعه مسؤولون بأن الضغط المالي قد يكون، في هذه المرحلة، أكثر فاعلية من ضربات أظهرت نتائج محدودة في تغيير سلوك النظام. واختصر ترمب منطقه بالقول إن إيران «مفلسة»، فيما رأى السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن طهران تخشى وزير الخزانة سكوت بيسنت أكثر مما تخشى وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتمنح هذه الاستراتيجية واشنطن وسيلة ضغط قابلة للاستمرار من دون تحمل مخاطر حملة جوية جديدة، وتتيح لترمب أن يواصل معاقبة إيران من دون توسيع الحرب. لكنها تفترض أن الوقت يعمل لمصلحة الولايات المتحدة، وهو افتراض غير محسوم.

ويعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل انهيار العملة والتضخم وخسارة عائدات النفط، إلا أن طهران أثبتت استعدادها لنقل التكلفة إلى خصومها عبر مهاجمة السفن ومنشآت الطاقة واستخدام حلفائها في المنطقة. ويؤثر استمرار الأزمة أيضاً في الداخل الأميركي. فقد أظهر استطلاع لـ«أسوشييتد برس - نورك» أن 28 في المائة فقط من الأميركيين يوافقون على إدارة ترمب للحرب، بعدما كانت النسبة 34 في المائة قبل شهر. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار الوقود، قد تصبح قدرة واشنطن على تحمل الاستنزاف السياسي والاقتصادي أقل من قدرة النظام الإيراني على تحمل الألم الداخلي، حتى لو كان أشد قسوة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم توقيع الاتفاق الأميركي - الإيراني في قصر فرساي (أ.ف.ب)

خيار القوة باقٍ

يقول باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «جميع البدائل التي يواجهها ترمب غير مستساغة»، مشيراً إلى أن عملية صنع القرار لديه شخصية إلى حد بعيد، وأنه يستمع إلى عدد محدود من المستشارين وعدد أقل من الخبراء. لذلك لا يستبعد كلاوسن أن يوافق الرئيس، في أي لحظة، على حملة القصف التي تمتد أسبوعين والمنسوبة إلى قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر، أو أن يقرر ببساطة إبقاء الحصار والحملة الاقتصادية. ويستشهد كلاوسن بتقلب تعامل ترمب حتى مع الحلفاء؛ إذ وافقت إدارته بصورة مفاجئة على اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية، المعروف باتفاق «123»، قبل أن يضيف الرئيس بعد أيام شرط الاعتراف بإسرائيل، وهو مطلب ترفضه الرياض منذ فترة طويلة. ويرى أن هذا الأسلوب قد يكون أشد تقلباً في التعامل مع إيران، إلى درجة أنه «لا أحد يعرف ما سيفعله ترمب، وربما هو نفسه لا يعرف بعد». ويرى دعاة التصعيد أن حملة قصيرة ومحددة يمكنها تدمير مزيد من المواقع النووية والصاروخية والبنية الصناعية، ثم العودة إلى الحصار. غير أن هذا الخيار لا يضمن فتح هرمز، وقد يدفع إيران إلى ضرب منشآت النفط والمياه والقواعد الأميركية. كما أن نقص بعض الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى، واحتمال ارتفاع أسعار الطاقة، يجعلان «أسبوعين من القصف» مدخلاً محتملاً إلى مواجهة أطول، لا خاتمة محسوبة لها.

جندي أميركي من سلاح المدفعية يزوّد مولد منظومة «باتريوت» بالوقود في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

هرمز و«التعايش» القسري

الخيار الثالث هو قبول اتفاق محدود يعيد الملاحة مقابل قدر من الإشراف الإيراني، وتأجيل القضايا الكبرى. دول المنطقة لا ترحب بهذه النتيجة، لكنها تبدو أكثر تحفظاً من حرب جديدة. وقد تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق الاثنين إلى ست سفن فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب، بما يكشف الفارق بين إعلان ترمب أن البحرية الأميركية «تسيطر» على هرمز وبين القدرة الفعلية على ضمان المرور التجاري. ومع ذلك، لا يعد ذلك تسليماً بسيادة إيرانية قانونية على المضيق، بل يعد تعايشاً مؤقتاً مع قدرة طهران على تعطيله. فالطرق البديلة، تعرضت هي الأخرى لتهديدات وهجمات، ما أبقى لإيران «حق النقض» عملياً على جزء من صادرات المنطقة.

ويحذر كلاوسن من أن قبول بعض الشروط الإيرانية قد يدفع طهران إلى إضافة شروط أخرى، لأنها تعتقد أن ترمب عُرضة لمزيد من الضغط. ويلفت إلى أن إيران تجاوزت بالفعل ما ورد في مذكرة التفاهم، بإضافة الاعتذار والتعويضات والمطالبة بانسحاب القوات الأميركية. كما يوضح أن صندوق الـ300 مليار دولار الوارد في المذكرة فُهم أميركياً بوصفه استثمارات في إيران، لا تعويضات، وأن بند القوات فسرته واشنطن بوصفه منعاً لحشد جديد قرب إيران، لا انسحاباً من المنطقة. أما خيار إعلان النصر والابتعاد، حتى من دون اتفاق نووي، فقد يخفف العبء السياسي عن ترمب، لكنه لن ينهي الأزمة ما دام هرمز قابلاً للإغلاق وإيران قادرة على التصعيد. ولهذا تبدو النتيجة الأرجح مزيجاً من الحصار والعقوبات والتفاوض غير المباشر، مع إبقاء الضربات ورقة احتياط. وهو ما يلخصه كلاوسن بالقول إنها مواجهة طويلة سواء أمر ترمب بحملة جديدة أم لم يفعل؛ فالقرار المتاح ليس كيفية تحقيق نصر سريع، بل أي تكلفة يختار تحملها، وأي تكلفة يستطيع نقلها إلى إيران وحلفائه وناخبيه.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي يبحث مساعدات طارئة مع 40 دولة لمواجهة صدمة الطاقة

الاقتصاد رئيس البنك الدولي أجاي بانغا (رويترز)

البنك الدولي يبحث مساعدات طارئة مع 40 دولة لمواجهة صدمة الطاقة

قال رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، إن البنك يجري محادثات مع ما بين 30 و40 دولة بشأن تقديم مساعدات لمواجهة صدمات الطاقة وارتفاع الأسعار الناجمَين عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد متداولان يتابعان الأسهم في السوق السعودية (أ.ف.ب)

السوق السعودية تتراجع 1 % في مستهل تداولات الأحد

تراجعت الأسهم السعودية في مستهل تداولات الأحد، بعد الهجوم على مطار الرياض الدولي، وفقاً لما أوردته «رويترز»، بينما هبط المؤشر القطري بالنسبة نفسها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

تقرير إخباري الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ مبنى البنتاغون كما يبدو من طائرة تقلع من مطار رونالد ريغان الوطني في واشنطن (أ.ف.ب)

«البنتاغون» يرفع حصيلة القتلى من الجنود الأميركيين خلال حرب إيران إلى 21

أقرّ البنتاغون بأن عدد الجنود الذين لقوا حتفهم في منطقة الشرق الأوسط خلال العمليات الموجهة ضد إيران ارتفع إلى 21 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

الجيش الأميركي يقصف سفينة شحن حاولت خرق الحصار البحري على إيران

قال الجيش الأميركي، السبت، إنه قام بتعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عمان ‌بعد أن ‌تجاهلت التحذيرات ​وحاولت ‌اختراق ⁠الحصار ​البحري الحالي ⁠على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش الأميركي يقصف سفينة شحن حاولت خرق الحصار البحري على إيران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

الجيش الأميركي يقصف سفينة شحن حاولت خرق الحصار البحري على إيران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

قال الجيش الأميركي، السبت، إنه قام بتعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عمان ‌بعد أن ‌تجاهلت التحذيرات ​وحاولت ‌اختراق ⁠الحصار ​البحري الحالي ⁠على إيران.

 

وكتبت القيادة المركزية الأميركية على موقع «إكس»: «قصفت ⁠مقاتلة تابعة للجيش الأميركي ‌مؤخرة ‌السفينة ​أوشن ‌موليكا التي ‌ترفع علم بنما (تعرف أيضا باسم أريكا صن) بذخيرة ‌دقيقة، مما أدى إلى تعطيل نظام ⁠دفع ⁠السفينة بالكامل دون إلحاق ضرر بالطاقم».

وأضافت القيادة المركزية أن السفينة حاولت عبور المياه الإقليمية بعد ​مغادرة ​ميناء إيرانيا.

وكانت قوات القيادة المركزية قد استأنفت الحصار الأميركي على جميع السفن التي تدحل الموانئ الإيرانية أو تغادرها في 14 يوليو (تموز). وتم تعطيل أربع سفن تجارية وإعادة 135 سفينة أدراجها خلال ثلاثة أشهر من التطبيق الصارم للحصار. بالإضافة إلى ذلك، دمرت القوات الأميركية 10 ناقلات مرتبطة بشبكة الظل التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني خلال نفس الفترة، بحسب البيان.

وأكد البيان أنه «ينصح جميع البحارة بالإذعان لتحذيرات الحصار الصادرة عن قوات القيادة المركزية".


«هيئة بريطانية»: إصابة ناقلة في مضيق هرمز واندلاع حريق على متنها

ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«هيئة بريطانية»: إصابة ناقلة في مضيق هرمز واندلاع حريق على متنها

ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تبحر قرب مضيق هرمز (رويترز)

أعلنت هيئة ​عمليات التجارة البحرية البريطانية، أنها تلقت بلاغا بتعرض ‌ناقلة ‌نفط ​كانت ‌في ⁠طريقها ​للخروج من ⁠مضيق هرمز لإصابة في الجانب الأيسر ⁠بقذيفة ‌مجهولة المصدر، ‌مما ​تسبب ‌في ‌اندلاع حريق على متنها.

وأضافت الهيئة أن أفراد ‌الطاقم بخير، مضيفة أن ⁠تقييم ⁠الأضرار والتأثير البيئي لم يتضح حتى الآن.


تعثر المفاوضات يعيد موسكو إلى الوساطة

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

تعثر المفاوضات يعيد موسكو إلى الوساطة

مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى واجهة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء حرب إيران، مع استمرار الجمود في المفاوضات بين واشنطن وطهران.

وأعلن الكرملين أن بوتين نقل إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال اتصال هاتفي، وجهة نظر إيران بشأن تسوية محتملة للنزاع، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من دون الكشف عن مضمون المقترحات.

وأشار مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إلى ترحيب ترمب باستمرار الحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن «الخيارات الدبلوماسية لم تُستنفد، وأن التوصل إلى اتفاق ممكن وضروري».

وشدد بزشكيان على أن بلاده لا تنسحب من المفاوضات، لكنها تتمسك بحقوقها وترفض المواقف الأحادية التي تعرقل التسوية.وفي الملف النووي، جدد بوتين عرض موسكو استقبال اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وقال الكرملين إن ترمب أبدى اهتماماً بالمقترح.