قال المخرج الهندي ريدهام جانفي إن فوزه بجائزة «أفضل سيناريو» في الدورة الماضية من مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، فضلاً عن كونه تتويجاً لفيلمه الجديد، يمثّل اعترافاً بجانب ظلّ طويلاً بعيداً عن الأضواء في مسيرته الفنية، وهو فعل الكتابة نفسه.
وأضاف، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن الكتابة كانت دائماً جوهر تجربته السينمائية، غير أن طبيعة هذا الفن تجعل كثيراً من النصوص والأفكار التي يطوّرها لا تتحوّل إلى أفلام، بل تظل حبيسة الورق. ورأى أن الجائزة منحت فيلمه الجديد «قمر الصياد» (Hunter’s Moon) دفعة كبيرة في مستهل رحلته العالمية، لكنها تحمل بالنسبة له قيمة شخصية أعمق؛ لكونها كرّمت طريقة مختلفة في كتابة السيناريو، لم تعتمد على نص مغلق، بل على عملية إبداعية استمرت في التشكّل حتى اكتمال صناعة الفيلم.

وأشار جانفي إلى أنه اتخذ، منذ البداية، قراراً بالتخلي عن السيناريو التقليدي، مكتفياً بكتابة ملاحظات شخصية وبعض الحوارات والخطوط الدرامية العامة، مع ترك مساحة واسعة لما يمكن أن تمنحه الطبيعة والظروف والممثلون من تفاصيل غير متوقعة.
وأوضح أن «العمل وسط الجبال، وفي ظل طقس متقلب، وبالاستعانة بممثلين غير محترفين، فرض عليّ التعامل مع كل ما يحدث أمام الكاميرا بوصفه جزءاً من عملية الكتابة».
وأضاف: «ظل السيناريو يتطوّر حتى خلال مرحلتي المونتاج وتصميم الصوت، ليصبح الفيلم، في صورته النهائية، ثمرة كتابة امتدت عبر جميع مراحل الإنتاج».
وتدور أحداث فيلم «قمر الصياد» في أعالي جبال دهاولادهار؛ حيث يختتم أحد الصيادين موسماً ناجحاً، ويخزّن حصيلة صيده داخل أحد الكهوف قبل أن يعود إلى منزله حاملاً جزءاً منها. لكن عندما يعود لاستعادة ما تبقى، يُفاجأ باختفاء مخزون اللحوم بالكامل، فينطلق في رحلة شاقة عبر الجبال بحثاً عن اللص الذي استولى على صيده.
وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»؛ حيث فاز بجائزة «أفضل سيناريو» ضمن مسابقة «المواهب الآسيوية الجديدة».
وقال ريدهام جانفي إن «رحلة إنجاز الفيلم لم تكن طويلة كما قد يبدو؛ إذ انتقل المشروع من مرحلة التمويل إلى نهاية التصوير خلال أقل من 5 أشهر، في حين استغرقت مراحل ما بعد الإنتاج وقتاً أطول».
لكنه رأى أن التحدي الحقيقي لم يكن في الجوانب التقنية، وإنما في «الحفاظ على إيمان فريق العمل بالمشروع، لا سيما في ظل التصوير داخل منطقة جبلية نائية، وبإمكانات محدودة، وفي ظروف مناخية قاسية، في حين ظل الشكل النهائي للفيلم يتكشّف تدريجياً حتى اللحظات الأخيرة».
وأكد جانفي أن «الجبال لم تكن يوماً مجرد موقع للتصوير أو خلفية بصرية للأحداث، بل كانت نقطة البداية التي وُلد منها الفيلم؛ لأن علاقته الطويلة بمجتمع غادي، والسنوات التي قضاها بين سكان الجبال، جعلتاه يكتشف أن هذا المكان يفرض إيقاعه الخاص على الإنسان، ولا يسمح لأحد بفرض إرادته عليه».
وأضاف أن «الحكاية خرجت من جلسات طويلة حول مواقد النار، استمع خلالها إلى قصص عن الصيد والأساطير والمخاوف والشائعات، وكل ما يدور في ذلك العالم الذي يمتزج فيه الواقع بالغيب. ومن هنا، لم يعد الصياد بالنسبة إليه مجرد رجل يطارد فريسة».
وأوضح أن «الفيلم ينطلق من سؤال أخلاقي؛ إذ كان مهتماً باستكشاف ما يتبقى من منظومة القيم عندما يجد الإنسان نفسه خارج المجتمع، وفي مواجهة الطبيعة وحدها»، مشيراً إلى أن «مفاهيم العدالة والخطأ والعقاب تبدو واضحة داخل المدن، لكنها تفقد يقينها في الغابة؛ حيث لا تحاكم الطبيعة البشر كما يفعلون، ولا تمنحهم الغفران بالطريقة نفسها، بل تواصل وجودها وفق قوانينها الخاصة».

وأشار المخرج إلى أن التحول التدريجي من صياد إلى مُطارَد يُمثِّل جوهر الفيلم، موضحاً أن الشخصية تبدأ رحلتها واثقة بقدرتها على قراءة الجبل وتعقّب الآثار والسيطرة على المخاطر، قبل أن تنهار هذه الثقة شيئاً فشيئاً.
وأكد أن «هذا التحول ليس جسدياً فحسب، بل روحي أيضاً؛ لأنه يضع الإنسان أمام حقيقة أن العالم لا يدور حول رغباته، وأن الجبل ليس فضاءً فارغاً يمكن إخضاعه، وأن الحيوان ليس مجرد موضوع للصيد، بل إن لكل شيء حضوره وإرادته الخاصة».
ولفت إلى أن السؤال الذي شغله كان: «ماذا يحدث عندما يصبح مَن يراقب هو نفسه موضع مراقبة، ومَن يطارد هو المُطارَد؟».
ورأى جانفي أن الغموض كان عنصراً أساسياً في بناء الفيلم، لكنه لم يستخدمه بوصفه وسيلة لإخفاء المعلومات أو صناعة الإثارة، وإنما بوصفه انعكاساً لتجربة العيش في الجبال؛ لأن الإنسان هناك يسمع الأصوات قبل أن يرى مصدرها، ويشعر بوجود أشياء لا يستطيع تفسيرها، في حين يأتي الضباب ليحجب العالم كله في لحظات.
وأضاف أنه أراد نقل هذا الإحساس إلى الشاشة، مؤمناً بأن تفسير كل شيء يُفقد التجربة جزءاً كبيراً من قوتها، وأن بعض الأسئلة ينبغي أن تبقى مفتوحة أمام المشاهد.
وأوضح أن هذا التصور انعكس أيضاً على الصورة والصوت؛ إذ تعمّد، بالتعاون مع مدير التصوير، ألا تبدو الطبيعة مجرد مشاهد خلابة، بل كيان يحمل الجمال والخطر في الوقت نفسه، فالشخصيات كثيراً ما تبدو صغيرة أمام اتساع الجبال، في حين يلعب الصوت دوراً محورياً في خلق الإحساس بالمكان؛ لأن الغابة، حسب وصفه، «تُسمع قبل أن تُرى».
