هاتف محطم على الطريق، يومض برنين متواصل، تتصدره كلمة (أمي).
كانت هذه هي الصورة الأكثر تداولاً على منصات التواصل خلال اشتباكات مدينتي صرمان والزاوية بالغرب الليبي قبل يومين، وسط ترجيحات بأن الهاتف يعود لعنصر شاب قضى في المواجهات.

وهناك أيضاً مقاطع أخرى تصدرت «ترند» منصات التواصل؛ مثل مشهد نقل جثامين القتلى إلى مستشفى الزاوية العام عبر شاحنات وآليات عسكرية وسط تجمع وصراخ البعض، إلى جانب صور تظهر الدمار الذي لحق بالممتلكات الخاصة والمنشآت العامة، وصور واضحة لعناصر تحمل السلاح وتطلق النار عشوائياً، أو تحصي غنائمها.
ورغم تكرار هذه الصور بعد كل مواجهة في الزاوية الساحلية (45 كيلومتراً غرب طرابلس)، وهو ما يعني توفر معلومات عن هوية الجناة، لكن بمجرد توقف القتال بفضل وساطات قبلية أو تدخل فرق أمنية، تختفي هذه الأدلة، ليتلاشى تدريجياً أي حديث عن إجراء تحقيقات.

ويرجع الناشط الحقوقي الليبي، طارق لملوم، «ندرة محاكمات المجموعات المسلحة إلى وضعية الانقسام في البلاد، وغياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة؛ ما أدى لتعاظم نفوذ أمراء الحرب، وقادة المجموعات المسلحة، الذين يتورطون وعناصرهم في أغلب الانتهاكات، دون أن تمتلك الجهات الشرطية والقضائية أي قدرة على مواجهتهم»، مبرزاً أن «تصوير ونشر هذه المشاهد يعكس تعود الأهالي على تكرار الصراع العبثي في المدينة، دون أن يكون الهدف من هذا توثيق الجرائم معاقبة مرتكبيها»، ومؤكداً أن البعض «يحاول من خلال نشر هذه المقاطع المصورة إرسال نداءات استغاثة لدفع السلطات للتدخل ووقف القتال، فيما يسعى آخرون، للأسف، إلى الفوز بالسبق ونقل الحدث على منصات التواصل».
وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين متنافستين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير الشرق وأجزاءً من الجنوب، بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني»، خليفة حفتر.

وأشار لملوم إلى ما يتردد عن «رفض هذه التشكيلات الانتقال إلى العاصمة للتحقيق معها، واشتراط إجراءها في مناطق نفوذها، وهو ما يرهب المحققين»، كما سلط الضوء على «فوضى السلاح بالمدينة وكثافته لدرجة استخدامه بلا حرص في الاحتفاء بنتائج الشهادات التعليمية». وفي هذا السياق قال لملوم: «هذا لا يعني إفلات الجناة إلى الأبد من المساءلة»، موضحاً أن نشطاء ومنظمات حقوقية، خصوصاً خارج البلاد، تجمع هذه المشاهد بعد التأكد من دقتها؛ لتوثيق تبادل إطلاق النار وسط الأحياء السكنية، وكشف هويات المسلحين وقادتهم، تمهيداً لإعداد ملفات لإدانتهم دولياً.
وينتقد الناشط الحقوقي «أصواتاً داخلية ترفض التعاون مع الجهات الدولية لمنع تكرار الانتهاكات، وتفضل حصر الأمر أمام القضاء الوطني»، قائلاً: «الجميع يدرك عدم قدرة السلطات القضائية المحلية على الوصول إلى الحقيقة، أو حماية الشهود في ظل هيمنة السلاح».

ويعود تكرار هذه الاشتباكات إلى صراع محتدم بين المجموعات المسلحة للسيطرة على مناطق النفوذ بالمدينة، وفي مقدمتها مصفاة النفط، وممرات تهريب الوقود، وتهريب البشر نحو أوروبا.
ويشير مراقبون إلى مفارقة تبعية أغلب هذه المجموعات المسلحة للدولة اسمياً، وتقاضيها رواتب من خزينتها، بينما ولاؤها الفعلي لقادتها ومصالحها.
في المقابل، لفت الناشط السياسي بمدينة الزاوية، سنان عبد المجيد، إلى «تبعية أغلب الأطراف المتقاتلة للدولة، على اختلاف مؤسساتها، فضلاً عن أنه مع اتساع المواجهات لا يمكن إرجاع مقتل أفراد فصيل ما إلى شخصيات بعينها في فصيل آخر»، مشيراً إلى أن «غياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة بالبلاد أدى لغياب الانضباط عند كثير من حاملي السلاح، بل واعتبار بعضهم أنهم فوق القانون».
ورأى سنان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخسائر البشرية تمثل القدر الأكبر، خصوصاً في صفوف المدنيين، بالإضافة إلى ما تتعرض له منشآت الطاقة كمصفاة الزاوية»، ولفت إلى مقتل «شبان صغار في تلك المجموعات المسلحة، وتقديم بعض قادة هذه المجموعات تعويضات لذويهم».
أما بخصوص الخسائر المادية، من سيارات ومحلات ومنازل تعرضت للقصف، فيتم رصدها والتعويض عنها من البلديات»، بحسب عبد المجيد.
من جهته، قال الخبير القانوني هشام سالم الحاراتي، إن «صراع النفوذ وتكرار الاشتباكات جعل المدينة أقرب إلى استوديو مفتوح، دون أن يؤدي هذا التوثيق إلى محاكمات لمرتكبي الجرائم».
وتداول نشطاء صوراً لشبان قضوا في الاشتباكات مع طلب الدعاء لهم، فيما نشر آخرون مقاطع لعناصر تطلق النار عشوائياً، محملين إياهم مسؤولية عدم الاستقرار الأمني والسياسي وعرقلة الانتخابات.

وقال الحاراتي لـ«الشرق الأوسط»، إن «أغلب هذه المجموعات تتبع الدولة اسمياً وتدعي شرعية مزعومة، وهي خارج سيطرة الدولة، بدليل عدم استماعها لأي أوامر بوقف القتال، كون الأمر يتعلق بصراع على النفوذ ومنابع الثروة».
ووفقاً لرؤيته، فإن «عجز الدولة عن محاسبة قادة هذه التشكيلات يغذي الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الاشتباكات»، وقال موضحاً: «لقد بات بعضهم لا يخشى توثيق جرائمه؛ بل يتباهى بالسيطرة على مناطق النفوذ، وتحصيل الغنائم تحت رايات (التكبير)، في مشهد بائس يبدو لغير المتابعين كأنه انتصار ساحق على عدو خارجي يهدد وحدة البلاد».
وذكّر الحاراتي باشتباكات وقعت بمدن عدة، سقط خلالها ضحايا مدنيون في مناطق آهلة، «دون أي محاسبة رغم معرفة الجميع بأسماء الفصائل وقادتها»، معتبراً أن الحل «يكمن في تفكيك هذه المجموعات، وإعادة دمجها على أسس مهنية».
ويرجع بعض المراقبين عجز حكومة «الوحدة» عن اتخاذ إجراءات لردع المجموعات المنفلتة ولو بقطع التمويل، لحاجتها إلى مساندتها في ظل التوازنات السياسية والأمنية الراهنة بفعل الانقسام.
