مهما تظاهر حكم مباراة كرة القدم بحياديته، فإنه يتأثر -بشكل أو بآخر- بمجريات الأحداث من حوله. هذا ما يقوله العِلْم الحديث، بعد دراسة تأثير الصوت والجماهير، والأرض، والتعب، وزاوية النظر، وضغط اللحظة.
في دراسة شهيرة، عرض باحثون لقطات من مباريات كرة قدم تركز على حكام، فشاهدها بعضهم مع أصوات الجماهير، وآخرون من دون صوت. كانت النتيجة انحياز قرارات الحكام تجاه أصحاب الأرض بنسبة تزيد على 15 في المائة بسبب تأثير الجمهور، مقارنة بمن شاهدوها من دون صوت. ذلك أن الضجيج يربك شيئاً من قرارات الإنسان.
في جائحة «كورونا»، حينما مُنِعَت الجماهير من حضور بعض المباريات، وجد العلماء فيها فرصة سانحة للدراسة، فلاحظوا تراجع مظاهر الانحياز التحكيمي في الأخطاء والبطاقات. اللافت أن الحكم لا يرى كل ما نشاهده كجمهور، فهو يلهث مثل اللاعبين وراء كرة تتحرك ومخالفات تقع في أجزاء من الثانية.
وبعد تأمل حركة عين الحكام، تبين أن أفضلهم كان يركز على «مناطق الاحتكاك» المتوقعة، ولا ينشغل بغيرها. ومع ذلك فإن نطاق الرؤية لديه ما زال محدوداً، ولذلك اضطر «الفيفا» إلى تركيب كاميرا متطورة حول رأسه، لتصور لنا زاوية رؤيته. وزُرعت مستشعرات كثيرة في الكرة نفسها، وفي المرمى، وحول الملعب، لتقيس ماذا يجري فيه. كل ذلك شكَّل ضغوطاً كبيرة على متخذ القرار، ولا يبدو أنها ستقل مع تقدم التكنولوجيا.
فمن كان يتخيل أن التكنولوجيا صارت توقف اللعب للتأكد من قرار الحكم عبر تقنية الإعادة (فار). وقد أحدث ذلك نقلة نوعية، فعندما درس الباحثون نحو ألفَي مباراة، وجدوا أن دقة القرارات ارتفعت إلى نسبة 98 في المائة تقريباً، فتراجعت خيبات أمل الجماهير. جاء ذلك في دراسة نُشرت في مجلة «علوم الرياضة» عام 2021. وحتى كشف التسلل أصبح قراراً يُتخذ -أحياناً- بعد جمع مئات الإشارات المنبعثة من مستشعرات في الكرة وأجسام اللاعبين وأرض الملعب.
كل هذا التطور لم يقلل الحاجة إلى الحكم؛ بل مَنَحَه معلومات أكثر، من دون أن يمنحه عصمة من الخطأ. وهكذا هي حال كل متخذ قرار؛ قد تتوفر أمامه الشواهد، وتظل حكمته مرهونة بقدرته على مقاومة الضغوطات، ورؤية ما وراء الضجيج.
