في منطقةِ الشرق الأوسط الملتهبةِ التي استنزفتها الحروب، كثيراً ما يُساء فهمُ ضبطِ النفس بوصفه استراتيجية ناجعة، في حين يتمُّ تسويقُ المغامراتِ والمقامراتِ التي تنتج فوضى تمتدُّ عقوداً. لكنَّ قراءةَ الواقع والمآلاتِ تخبرنا بعكس ذلك؛ فإشعالُ فتيلِ الحروب أسهلُ بكثير من إطفاءِ حرائقها، كما أنَّ الاندفاعَ إلى الرَّد من دون استراتيجيةٍ واضحةٍ وتفكيرٍ عميق في العواقب يعني نجاحَ صناع الأزماتِ في جرّ الدّول المستقرةِ إلى أتون الفوضى وفرضِ توقيت المواجهة وميدانها عليها.
من هنا يمكن فهمُ سياسةِ «ضبط النفس» السعودية، التي تم توظيفها ضمن استراتيجية فعالة لحماية المشروع المستدام: الدولة والتنمية والاستقرار. وفضيلة الاستقرار هي مفتاح فهم التقاليد السعودية في التعامل مع الأزمات؛ لذلك تحرصُ الرياضُ على إدارة التحدياتِ الأمنية ضمن إطار مشروعها الوطني الكلي، وتدرك أنَّ الاستهدافَ يراد منه إعاقة فكرة الاستقرار ذاتها، وما يرتبط بها من حركة الاقتصاد والتنمية وثقة المستثمرين، والأهم الطمأنينة التي يعيشها المواطن والمقيم، وكأنَّ الحروب المحيطة بهما تقع في منطقة نائية.
التحدي السعودي، الذي أثبتت الأيام أنَّ الرياض قادرة على إدارته بنجاح كبير، تمثل في التعامل مع معضلة شديدة التعقيد: كيف يمكن ردع الميليشيات ومن يقف وراءها من دون منحها الفوضى التي تحتاج إليها وقوداً لوجودها واستمرارها؟ فكلنا يدرك أن هذه الكيانات، التي لا ترقى إلى منطق الدولة، تستمد شرعيتها من ديمومة الصراع، وتعيد استثمار إخفاقاتها في صورة انتصارات متخيلة وهمية، والسبب ببساطة أنها لا تملك مشروعاً قابلاً للحياة خارج أقواس الحرب. ومن هنا فإنَّ حالة الاستقرار تعيدها إلى دائرة الفشل، وتكشف عجزها عن الانتقال من حشد الأنصار وتبرير السلاح، إلى تحمل مسؤوليات الحكم وتلبية حاجات مجتمعاتها، مما يعني انكشافها أمام مواطنيها، وهذا واضح لكل من يقرأ طريقة تفاعل المجتمعات الواقعة تحت هذه الدول الفاشلة، وكيف أنها لم تعد معنية بالشعارات، بقدر اهتمامها بالأمن والتنمية ومستقبلها.
وهذا الأمر لا يخص الكيانات ما دون الدولة، كالميليشيات والأذرع التي تعمل لمصلحة خارجية بل حتى على إيران، فكلنا يلحظ كيف أن نظام طهران يتجه نحو استراتيجية تعبئة الداخل كلما اشتدت المواجهة مع الخارج، كما أنَّ الحرب أتاحت له تأجيلَ الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين والتفكير في تكلفة المشروع التوسعي. ومن هنا فكل توقف للحرب سيعيد حتماً أسئلة أزمات الداخل إلى صدارة المشهد، ومعها لا يمكن التعامل مع الفجوة العميقة بين الموارد المستنزفة في التصعيد، وتمويل الأذرع الخارجية وما ينتظره المواطن الإيراني من تنمية واستقرار.
وربَّما أثار لجوء السعودية واضطرارها إلى ضربات محدودة في العراق، على سبيل المثال، تساؤلاً حول علاقته بسياسة «ضبط النفس» والحكمة في التعامل مع الأزمات، لكن القراءة الحصيفة تؤكد أن تلك العمليات «الاستثناء» تندرج ضمن الاستراتيجية نفسها، حيث هدفت إلى منع إيران وأذرعها من إساءة تقدير الموقف السعودي، وإعادة تثبيت الردع عبر استهداف مصادر التهديد من دون توسيع نطاق المواجهة، بما يُبقي استخدام القوة وتوقيتها مرتبطين بالهدف السياسي الأكبر؛ حماية «فضيلة الاستقرار»، وهذا ما حرصت السعودية على تأكيده في كل بياناتها التي نصَّت بوضوح على التمسك بحق الرد في الوقت والمكان المناسبين، وربط تحركاتها بالشرعية الدولية والقانون وحق الدفاع عن النفس، وهنا يظهر الفارق بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا؛ فالدولة تقيد القوة بالمصلحة والشرعية وحساب المآلات، في حين أنَّ الدول المضطربة التي توظف الميليشيات تلجأ إلى خلق مناخات الفوضى التي تبرر بقاءها.
القارئ للاستراتيجية السعودية في التعامل مع الأزمات منذ عقود، يدرك بجلاء أنَّ التفكير في المآلات ليس توجّهاً طارئاً، بل تقليد راسخ ظهر خلال احتلال الكويت، حين أسهمتِ المملكة في بناء شرعية عربية ودولية واسعة لتحريرها، ثم تكرر في اليمن عبر الجمع بين مواجهة الانقلاب والحفاظ على الدولة، كما ظهر بوضوح خلال اضطرابات ما سمي «الربيع العربي»، حين أدركت الرياض مبكراً أنَّ إسقاط المؤسسات أسهل كثيراً من بنائها بعد انهيار الدولة، وأنَّ أي فراغ يولد بعد سقوط الأنظمة حتى مع ضعفها، غالباً ما تملؤه التنظيمات المتطرفة والميليشيات، ورأينا كيف تجدد هذا النهج السعودي في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث راهنتِ السعودية، وما زالت، على وحدة الدولة واستقرارها.
اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب التحالف البحري في البحر الأحمر، ليسا إلا امتداداً لهذه الاستراتيجية الاستباقية، خصوصاً مع سياسات الانكفاء وتراجع القوى الكبرى عن الانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط، لذلك حرصتِ الرياضُ على بناء ردع إقليمي يجعل تكلفةَ الاعتداء أعلى، ويفتح في الوقت نفسه البابَ أمام انضمام دول أخرى تشترك في مصلحة حماية الاستقرار والممرات الدولية.
ستبقى استراتيجية «فضيلة الاستقرار» مفتاحاً لفهم السياسة السعودية، وإن ظلَّت عصية على أصحاب المشاريع الفوضوية؛ لأنَّها تنطلق من حكمة دولة تجمع بين قوة الردع وحسن تقدير المآلات، وتضع الوطنَ واستدامةَ تنميتِه وصيانة منجزاته في صدارة أولوياتها.
