قد يجلس شخصان في الاجتماع نفسه، ويصغيان إلى المعلومات ذاتها، ثم يخرجان بقرارين متناقضين تماماً. الفارق ليس في البيانات، بل في «المدارك» التي تعين الفرد على تفسير تلك البيانات.
كثير من القرارات الخاطئة لا تنبثق من نقص المعلومات، بل من ضيق زاوية النظر إلى ما يتناهى إلى أسماعنا. ولذلك قد «تقدح» معلومة صغيرة «شرر» الفكرة والقرار فيتغير مسار التفكير. في حين نجد من يسمع تلك المعلومة مراراً وتكراراً لكنه غير مدرك لأهميتها إما لضيق أفقه أو محدودية اطلاعه.
العلم يقول إن القدرات المعرفية تزداد أهميتها كلما ارتقى الإنسان في السلم الإداري. فالقائد لا يقتصر دوره على جمع المعلومات بل على ربط الجديد منها بما تراكم لديه من معرفة وخبرة، ثم غربلتها وتحليلها تمهيداً لتحويلها إلى قرار عملي. ولذلك من يفتقر إلى تلك السمات يصعب أن يؤدي دوره القيادي على الوجه الأكمل، لا سيما إذا رفض أن يحيط نفسه بمستشارين أكفاء.
يظن البعض أن القراءة تزيد المعلومات فقط، لكنها في الواقع تزيد سرعة الفهم. بل توسع المدارك أيضاً. فالذهن المملوء بالمعلومات والتجارب يستوعب ما يتلقاه بصورة أعمق. ولذلك تسهل مهمة الاستيعاب والتفاعل مع من لديه معين لا ينضب من المعرفة.
هناك أبحاث عديدة تشير إلى أهمية القراءة في توسيع مدارك الفكر، أبرزها دراسة لباحثين من جامعة إدنبرة وكلية كينغز لندن، نشرت عام 2014 في مجلة «جمعية تطور الطفل» البريطانية، تبين أنه في اختبارات أجريت على التوائم لمدة عشر سنوات لوحظ فيها أن الشقيق الذي تخطى شقيقه بكمية القراءة، قد تفوق تفوقاً ملحوظاً في اختبارات الذكاء (العقلي)، وتفوق أيضاً في اختبارات الذكاء (غير اللفظية) كالمنطق والاستنتاج.
ولا تتسع مداركنا بالقراءة وحدها، بل تغذيها الخبرة الواسعة، وتراكم الإنجازات والإخفاقات، والتأمل، والإنصات الجيد لتجارب الآخرين. ذلك كله يعين الفرد على فهم المشهد بكل تفاصيله وتعقيداته.
كل المخاوف التي تعتري متخذ القرار يمكن أن تتضاءل تدريجياً إذا ما وسّع مداركه قبل أن يوسع نطاق صلاحياته. فالقرارات الكبيرة لا تحتاج إلى سلطة أكبر بقدر حاجتها إلى مدارك أوسع.
