حاول عالم أميركي جمع مئات الجماجم البشرية، ثم بدأ يملأها بكرات من الرصاص ليقيس سعتها. كان يفترض أن حجم الدماغ دليلٌ على مستوى ذكاء صاحبه! لم تخلُ تجربة صامويل مورتون، التي أجريت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، من انحياز عنصري، مثل اعتقاده بأن العرق الأبيض يفوق ذهنياً سائر الأعراق الأخرى! وهو ما تنفيه منجزات البشر. فالحاسوب الذي أكتب منه مقالي، وتفاصيل السيارة التي أقلتني، ساهمت في بديع صنعتها أعراق عديدة.
جاء بعد «حقبة الجماجم» العالم فرانسيس غالتون، الذي اعتقد أن الذكاء وراثيٌّ ويُقاس بمحيط الرأس. تبعه ألفريد بينيه وزميله اللذان حاولا مساعدة الحكومة الفرنسية في مد يد العون للأطفال المتعثرين دراسياً، لتقديم تسهيلات تعليمية لهم. فكانت المفاجأة أن الذكاء لم يكن ثابتاً، بل يتطور بتطور الإنسان وتنوع تجاربه ومعارفه.
محاولات البشر لم تنتهِ لسبر أغوار هذا التاج (الدماغ) الذي وضعه الله تعالى في أعلى الجسم البشري، تكريماً له. فجاء الأميركيون للبحث عن الأذكياء بين أكثر من مليون مجند خلال الحرب العالمية. غير أن أسئلة الاختبارات لم تخلُ من انحيازات ثقافية، تبدو متعمدة، فأظهرت أقليات بأنهم أقل ذكاء. بل ذهب علماء آخرون في محاولة لسد الفراغ العلمي في فهم غموض العقل، فطرحوا آيدولوجية «تحسين الجنس البشري» بمنع غير المرغوب فيهم من الإنجاب، بحجة غباء أسلافهم! واشتهرت كلمة لأحد القضاة الأميركيين عندما حكم على أحدهم بالعُقم القسري قائلاً: «ثلاثة أجيال من الحمقى... تكفي» وامتد الحكم إلى كثيرين. كانت كارثة أخلاقية يندى لها الجبين. وقد أبدع البروفسور محمد ربيع العنزي في تفصيل ذلك في حلقة خاصة.
في عام 1983، بزغ نجم نظرية الذكاءات المتعددة، لهاورد غاردنر، الذي كشف أن البشر لديهم ذكاءات متنوعة، منها اللغوي (كالشعراء والأدباء)، والمنطقي أو الرياضي، والمكاني، والموسيقي، والحركي، والاجتماعي، وغيرها. وهو ما يعكس الواقع، فتجد عبقرياً في الرياضيات لا يمكنه كتابة بيت شعر أو عبارة حكيمة واحدة. ولو وقف جيشٌ من الشعراء والأكاديميين لما نجحوا في منافسة من يتحلى بذكاء حركي أو بدني أو فني. وقد رأينا عباقرة ضاقت بهم النفوس لافتقارهم للحد الأدنى من الذكاء الاجتماعي في احتواء الآخرين وحسن التعايش معهم.
إذن حاصل الذكاء أو ما يُعرف بـ«IQ»، ليس سوى رقم قد يقيس جانباً يسيراً من القدرات الذهنية، لكنه ليس دليلاً دامغاً على ما يمكن أن يفعله العقل البشري إذا وُضِعَ في البيئة المناسبة وكُلِّف بما يُحسِن.
ولا تستطيع أرقام الاختبارات التنبؤ باحتمالات النجاح مستقبلاً، ولا تحدد قيمتك كإنسان. فكم من شخص سقط في اختبار لكنه نجح في ميادين الحياة.
