د. محمود محيي الدين
المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030. شغل وظيفة النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية لعام 2030، كان وزيراً للاستثمار في مصر، وشغل منصب المدير المنتدب للبنك الدولي. حاصل على الدكتوراه في اقتصادات التمويل من جامعة ووريك البريطانية وماجستير من جامعة يورك.
TT

الحديث على طريقة «تشاتام هاوس»

استمع إلى المقالة

على مدار الأسبوع الماضي عُقدت، كما هو معتادٌ في هذا الوقتِ من كلّ عام ما يُعرفُ باجتماعات الرَّبيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ وتلتها مباشرةً كمَا جرت العادةُ أيضاً، اجتماعاتُ منتدى تمويلِ التنمية الذي تنظمه الأممُ المتحدة في نيويورك. ولعلَّك اطلعتَ على أهم ما أتت به تقارير هذه المؤسسات عن مستجدات الاقتصاد العالمي والتنمية؛ وهي لا تسرُّ بحال وإن حاولت التَّستر بالتجمل في عرض التوقعات.

ولكن بما يفيد التجميل في تغيير واقع كئيب لاقتصاد عالمي يواجه تضخماً أعلى في الأسعار، وانخفاضاً أكبر في معدلات النمو إثر تداعيات أزمة طاقة غير مسبوقة، وتنهكه صدماتٌ متوالية تقذف بأهداف التنمية بعيداً عن قدرات الساعين إليها، وتهدر إمكانات عموم الناس.

ويدرك الدائبون على المشاركة في هذه الاجتماعات الرسمية أنَّ أهمَّ ما يتم تداوله ليس بالضرورة هو ما يجري على مسمع ومشهد من الجموع المشاركة، ولكن ما يجري في جلسات مغلقة وأخرى ذات طبيعة خاصة. وللتوضيح، فهناك أربعة مستويات من الفعاليات الدائرة في هذه الاجتماعات: الأول منها متاح للكافة من المسجلين للحضور بما في ذلك وسائل الإعلام التي تنقل ما يدور فيها من ندوات ومؤتمرات مفتوحة. الثاني هو الاجتماعات الرسمية الوزارية كجلسة لجنة التنمية للبنك الدولي، وجلسة اللجنة النقدية والمالية لصندوق النقد الدولي، ولا يعرف عنها غير المشاركين فيها إلا ما يخرج من بيان عنها، أو ما يتسرب منها إذا كان مستحقاً للتسريب. الثالث هو الاجتماعات المغلقة الثنائية بين ممثلي الدول من ناحية، وإدارات الصندوق والبنك كمؤسستين دوليتين حكوميتين من ناحية أخرى، وهي محكومة بقواعد الحفاظ على السرية وفقاً لما يدور فيها، مثل تقييم سياسات سعر الصرف والفائدة، والقدرة على سداد الديون، والأمور ذات التأثير الجوهري على الاقتصاد، مثل الإجراءات الضريبية والجمركية. أما المستوى الرابع، فهو ما اصطلح على تسميته اجتماعات تعقد وفقاً لقواعد معهد «تشاتام هاوس»، نسبة للنظام الذي ابتدعه «المعهد الملكي للشؤون الدولية» بلندن في العشرينات من القرن الماضي، ويقضي بأن المشاركين في هذه اللقاءات لهم الحرية في استخدام المعلومات التي يحصلون عليها مع حظر الكشف عن أسماء أو هوية المتحدثين، أو أي من المشاركين. وقد تبنى المعهد هذا النهج تشجيعاً للمشاركين على التحرر من القيود الوظيفية والانتماءات تيسيراً للحوار، بخاصة في المواضيع الخلافية والجدلية.

وقد انتشرت مؤخراً الجلساتُ التي تعقد على هذه «الطريقة التشاتامية»، والتوسع في استخدامها لأسباب موضوعية ولاعتبارات تسويقية وتشويقية. أما الأسباب الموضوعية، فمن أهمها شيوع الخوف والحذر من التعبير المباشر عن الرأي، حتى فيما كان يعرف بالعالم الحر؛ لظروف الاحتقان والاستقطاب المتزايدة. أما اعتبارات التسويق والتشويق فشارحة لذاتها؛ إذ تكاثرت الفعاليات والندوات التي تعقد أثناء الاجتماعات الرسمية المذكورة في واشنطن ونيويورك، ويسعى منظموها من مراكز أبحاث وبنوك استثمار وشركات عالمية وبيوت استشارية إلى جذب أعداد معتبرة كماً ونوعاً من المشاركين. ويجدون في استخدام هذه الطريقة ما قد يستحث البعض على الحضور من الباحثين عن تميز مفترض أو خصوصية مدعاة. وقد ينتهي أمر اللقاء المحتشد إليه كغيره بالاستماع إلى كلام مكرر لا جديد فيه إلا شخص قائله المتحوط بالطريقة التشاتامية!

ولأضرب أمثلة لما دار من مواضيع في ثماني جلسات شاركت فيها تحرت هذه الطريقة، من دون إفصاح عن المشاركين بها كما يقضي الأمر:

- مستقبل الدولار وتراجع دوره كعملة احتياطي دولي.

- توجهات البنوك المركزية في إدارة السياسة النقدية، ونظم الدفع ودور الأصول المالية المشفرة.

- احتمالات سقوط الاقتصاد العالمي في «ركود تضخمي»، بمعنى تزامن ارتفاع معدلات التضخم مع انخفاض النمو وزيادة البطالة.

- توقعات زيادة أعداد الدول النامية في فخّ الاستدانة والتعثر عن السداد.

- مستقبل التعاون الإنمائي الدولي، وحدود تراجع البلدان المتقدمة عن دعم المؤسسات التنموية وإذا ما كانت تواجه مخاطر وجودية.

- الاختلالات الاقتصادية الدولية ومآلات الصراعات الجيوسياسية الراهنة.

- الكاسبون والخاسرون من الحروب الدائرة، وسبل التوقي من حروب قادمة.

- حوكمة المؤسسات المالية والمنظمات الدولية، وسبل مساندة بلدان عالم الجنوب، بخاصة مع مراجعة نظام الحصص في صندوق النقد الدولي، وقواعد المساهمة في رأسمال البنك الدولي، وأجندة إصلاح الأمم المتحدة، فضلاً عن قواعد اختيار قيادات هذه المؤسسات، ومدى توافق هذا كله مع ما يشهده العالم من تغير في موازين القوى السياسية والاقتصادية.

قد يرى بعضٌ أنَّ جزءاً من هذه المواضيع، إن لم يكن كلها، متواتر ولا يستدعي حواراً معتماً لوصف المشاركين فيه وما قالوه، ولكن حقيقة الأمر أن البعض يفضل هذا الأسلوب للأسباب التي عرضتها. ومن السذاجة أن يفترض المشاركون سرية مطلقة لما يدور في عالم يذاع فيه أي أمر، بخاصة إذا صُنّف على أنه سر. ولكن حقيقة الأمر أن كثيراً مما يدور على استحياء في مثل هذه الجلسات يتصاعد حتى يكون على موائد الحوار العلني، بعدما تستكمل البيانات، وتتبلور الأفكار، ويحشد لها المروجون والأنصار.

وفي حين تكتفي ببيانات وتقارير رسمية بشرح مقتضب عن أوضاع الاقتصاد العالمي والتعلل بظروف اللايقين، وعدم اكتمال المعلومات، فتتبرع بقائمة من التصورات المتفاوتة والسيناريوهات المتعددة التي لا تهدي الباحثين عن رؤية محددة، قد تجد ضالتك بين جنبات هذه الجلسات المتحررة من القيود الرسمية، إلا قليلاً.