بعد ثلاثة عشر عاماً وصلت أخيراً يوم الثلاثاء الماضي الأطراف المتنازعة في ليبيا وبوساطة أميركية ممثلة في المبعوث الأميركي لليبيا مسعد بولس، إلى التوقيع على اتفاق ميزانية إنفاق موحّدة. وقَّع على الاتفاق ممثل عن مجلس النواب وممثل عن مجلس الدولة وبحضور المبعوث الأميركي ومحافظ مصرف ليبيا المركزي. والجدير بالذكر أن الفضل في الوصول إلى الاتفاق يعود إلى جهود محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، ونجاحه في إقناع الأطراف المتنازعة غرباً وشرقاً بالاتفاق. الأهم من ذلك هو جدية سعي الأطراف إلى تطبيق الاتفاق بشفافية والخضوع للرقابة.
الميزانية الموحدة، يقول خبراء الاقتصاد، غير الميزانية الواحدة. الميزانية الموحدة تأتي تأكيداً على الانقسام التنفيذي في ليبيا بين حكومتين؛ واحدة في شرق البلاد وأخرى في غربها واتفاقهما جزئياً على ميزانية إنفاق موحدة، بقيمة تصل إلى 40 مليار دينار ليبي، من مجموع ميزانية عامة تقدَّر بنحو 180 مليار دينار ليبي. يقسم المبلغ التنموي بالتساوي بين الحكومتين للإنفاق على مشاريع تنموية. الاتفاق استناداً إلى المحلل الاقتصادي مختار الجديد، «يقضي بتنازل حكومة طرابلس عن جزء من إيرادات النفط لصالح حكومة بنغازي مع وضع سقف محدد للميزانية للطرفين شرط أن تكون الإيرادات كافية لتغطية النفقات. وأن مصرف ليبيا المركزي سيكون الجهة المسؤولة عن تنفيذ هذا الترتيب». مؤكداً أن «أي ملف تتدخل فيه وزارة الخزانة الأميركية على المستوى الدولي يُعد في حكم المنجز، وهو ما يعكس قوة الضمانات الدولية التي ترافق هذا الاتفاق».
التوقيع على الاتفاق المذكور يوم الثلاثاء الماضي قوبل بالترحيب محلياً ودولياً. واعتُبر خطوة إيجابية نحو الحد من ازدواجية الإنفاق، وأنه، من الأخير، ليس في الإمكان أبدع مما كان. عقب التوقيع على الاتفاق مباشرةً انخفضت أسعار الدولار مقابل الدينار الليبي في السوق الموازية إلى تحت 8 دنانير للدولار، كأن السوق أرادت بذلك التعبير عن ترحيبها بالاتفاق ومباركته، ومنحه فرصة للثبات والنجاح.
الوصول إلى الاتفاق كان خياراً ثانياً بعد فشل جهود المبعوث الأميركي في إقناع الأطراف المتنازعة بتسوية سياسية تقوم على تشكيل مجلس رئاسي جديد برئاسة صدام حفتر، وحكومة واحدة في كل البلاد يرأسها رئيس الحكومة الحالية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، بمهمة واحدة تتمثل في السعي لعقد انتخابات نيابية ورئاسية والتخلص من كل الأجسام منتهية الصلاحية. التسوية المقترحة قوبلت برفض شديد في مناطق الغرب، الأمر الذي أفضى إلى التفكير في اتجاه توحيد الإنفاق التنموي لضبط الإنفاق باعتماد جداول الإنفاق العامة، في محاولة لإنهاء أكثر من عقد من الانقسام المالي، وإنعاش الدينار الليبي، وكذلك توقف تراكم دين عام جديد.
خبراء الاقتصاد في البلاد أبدوا ترحيباً بالاتفاق وفي الوقت ذاته حذروا من المخاوف. وحذَّر الخبير الاقتصادي محمد أبو سنينة من تبعات «اعتماد سعر مبالَغ فيه لبرميل النفط في تقدير الإيرادات المتوقعة، بدلاً من تبني سعر تحوطي يتجاوز 60 دولاراً للبرميل لمواجهة عدم استقرار الأسواق المالية.
في حين أن الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي عدَّ الاتفاق خطوة لتسكين الصراع المالي وليس حلاً جذرياً للانقسام المؤسسي. وفي رأيه فإن الاتفاق الأخير «يمثل محاولة لاحتواء تداعيات الانقسام حول إدارة الموارد». مؤكداً أن «تخصيص مليارات الدنانير لمشاريع التنمية قد يعطي انطباعاً إيجابياً مؤقتاً ينعكس على استقرار سوق الصرف. إلا انه يظل «اتفاقاً ظرفياً» يفتقر إلى قواعد الحوكمة التي تضمن استدامة الموارد». ويرى الخبير الاقتصادي محمد يوسف درميش أن نجاح الاتفاق «يتوقف على الالتزام بأدوات السياسة الاقتصادية» موضحاً أنه «لا توجد تحديات تواجه الإنفاق إلا احترام أدوات السياسة الاقتصادية المالية والنقدية والتجارية كافة، هذا الإجراء وتنفيذه وفق القانون المالي للدولة».
الفترة المقبلة سوف تثبت جدية الأطراف المتنازعة من عدمها. وإذا كان الاتفاق على ميزانية إنفاق موحدة استغرق 13 عاماً، وتسبب في تراكم دين داخلي عام تجاوز 300 مليار دينار ليبي لا يدري أحد كيف حدث هذا، فكم من السنوات يا ترى سوف ينتظر الليبيون لكي يروا اتفاقاً بتشكيل حكومة واحدة وميزانية واحدة؟
