د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

عَلامَ تعتمد لمعرفة أخبار الحرب الإيرانية؟

استمع إلى المقالة

الجمهور العالمي اليوم لا يتلقى أخبار الحرب الجارية بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر عبر مسار إعلامي واحد، كما كانت الحال في العقود السابقة.

لقد انهار الاحتكار التقليدي لتفسير الصراعات.

لم تعد الحكومات، ولا المؤسسات الإعلامية الكبرى وحدها، قادرة على احتكار السردية؛ فالحرب المعاصرة تُبث في الزمن الحقيقي عبر شبكة مُعقدة من المنصات، والخوارزميات، والمقاطع القصيرة، والمؤثرين الجُدد، والصحافيين المستقلين، والتسريبات الرقمية. وهنا تحديداً تتغير طبيعة الوعي الجمعي بالحروب.

الدراسات الحديثة تشير إلى أن الجمهور العالمي يعتمد بدرجة متزايدة على المنصات الرقمية بوصفها المصدر الأول لمتابعة النزاعات الدولية. وتقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» الأخير أظهر تراجعاً مستمراً في الاعتماد على التلفزيون والصحف التقليدية مقابل الصعود الكاسح للمنصات الاجتماعية والهواتف المحمولة بوصفها البوابة الأساسية للأخبار الدولية. وفي الحروب تحديداً يتضاعف تأثير هذه المنصات بسبب السرعة والطابع العاطفي وهيمنة الصورة.

لكن هذا التحول لم يلغ دور الإعلام «التقليدي» تماماً، بل أعاد تعريفه؛ فلا تزال مؤسسات مثل «رويترز»، و«بي بي سي»، و«نيويورك تايمز»، و«سي إن إن» تمثل مرجعية مركزية في إنتاج المادة الخام للأخبار، غير أن الجمهور لا يستهلك هذه المواد غالباً عبر مواقعها الأصلية، بل عبر إعادة تدويرها على منصات مثل «إكس»، و«تيك توك»، و«إنستغرام»، و«يوتيوب». وهكذا تتحول الأخبار من مادة تحريرية متماسكة إلى شظايا بصرية وعاطفية يعاد تركيبها داخل فضاءات رقمية متصارعة.

لم تعد الحروب تُشنّ على الأرض وحدها، بل تُشنّ في الوقت نفسه على الوعي البشري، وحين اندلعت الحرب الإيرانية في أواخر فبراير (شباط) 2026، وجد الجمهور العالمي نفسه أمام سيلٍ متدفق من الصور والأرقام والتأطيرات المتضاربة، فمن أين يستقي هذا الجمهور معرفته بأحداث الحرب؟ وأيّ مرايا تعكس له صورتها؟ وما الحصيلة المعرفية التي تتشكل في أذهانه؟

تكشف البيانات المتاحة أن «يوتيوب فوكس نيوز» سجل 36.8 مليون مشاهدة، في يوم 28 فبراير 2026 وحده، وهو أعلى رقم يومي تحقّقه الشبكة في العام كله، قبل أن تتجاوز مشاهداتها على «يوتيوب» في الربع الأول 1.5 مليار مشاهدة بفضل تغطية الحرب.

غير أن المصدر الإعلامي لا يحدد الاتجاه وحده، فما يُعرَض من هذا المصدر وما يُحجب يصنع الأثر الحقيقي. أثبتت دراسة أجرتها مؤسسة «نافيغايتور ريسرتش» (Navigator Research) في مارس (آذار) 2026، على عيّنة من 1000 ناخب أميركي مُسجل، أن الموقف من الحرب يتباين تبايناً حاداً بحسب عادات المشاهدة؛ فالجمهوريون الذين يتابعون «فوكس نيوز» يُبدون دعماً أعلى للحرب مقارنةً بالجمهوريين الذين لا يتابعونها، بينما يميل مستخدمو منصة «إكس» اليوميون إلى تأييد الحرب، في حين يعارضها جمهور «تيك توك» في معظمه. وهذا التباين في المصادر يُترجَم مباشرةً إلى انقسام في الفهم والتقدير.

ولعل الأشد دلالة ما رصدته مؤسسة «أرغيل كونسلتنغ غروب» (Argyle Consulting Group) من أن 60 في المائة من أكثر المنشورات تداولاً على منصة «إكس» بشأن إيران، في الأسبوع الأول للحرب، صدرت من حسابات خارج الولايات المتحدة، وإن كانت تُظهر نفسها أصواتاً أميركية. يشير هذا بوضوح إلى طبيعة التدخلات السياسية عبر المنصات وأثرها الكبير.

وعلى المستوى العالمي، جاء استطلاع «إيبسوس» (Ipsos)، الذي أُجري في أبريل (نيسان) 2026 على عيّنة من 31 دولة ليُضيف بُعداً آخر: 81 في المائة يرون أن بلدانهم ينبغي ألا تنخرط في الحرب، وفي 27 من أصل 29 دولة تدهورت صورة الولايات المتحدة في أعين المُستطلعين قياساً بما كانت عليه في خريف 2025.

هذه الأرقام ليست مجرد آراء؛ بل إنها نتاج مباشر لما وصل إلى هؤلاء من معلومات، وكيف وصل.

والسؤال هنا ليس فقط عمّن يُغذي هذه المعرفة، بل عن الإطار الذي تُقدم فيه. وفي هذه البيئة المُتضاربة، برزت بدائل بوتيرة غير مسبوقة؛ فـ«تيك توك» لم يكن مجرّد منصة ترفيه؛ بل بات فضاءً لتدوير مشاهد الحرب بمنطق أُفقي شعبي، يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع الروايات الرسمية، ويُشكل ما يُمكن تسميته «فجوة المصداقية»، حين تتناقض الصور المتداولة مع ما تُقره المؤسسات.

وفي المحصّلة، يبني الجمهور العالمي معرفته بهذه الحرب عبر بيئة إعلامية مُتشظية ومتنازع عليها في آن: وسائل تقليدية تراجع نفوذها، ولكنها لم تسقط بعد، ومنصات رقمية تتقدم بسرعة تفوق قدرة أي منظومة على مواكبتها، وسرديات مُتضاربة تعكس بدقة انقساماً جيوسياسياً أعمق.

ما يعرفه العالم عن الحرب لم يكن حرّاً تماماً في يوم من الأيام، لكنه اليوم أكثر تشابكاً وأشد تأثراً بالخوارزميات وحروب النفوذ الرقمي من أي وقت مضى.