سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

استمع إلى المقالة

ليس غوركي وحده من يدرك صلة تولستوي بالطبيعة. لطالما كانت الطبيعة صديقه المخلص، كما كان يقول: «إنها باردة وصارمة، تنفّرني وتعيقني، ومع ذلك فالطبيعة صديقة نحتفظ بها حتى الممات». ومع اقتراب نهاية الخريف، أصبح خاملاً: «بالنسبة لي، إنه أكثر الفصول كآبة».

لكن غوركي لم يكتفِ بتدوين ملحوظات عن سلوك الرجل العجوز وعاداته ومظهره في هذه المقتطفات المذهلة. بل يصور لنا تولستوي الداخلي، «كآلهة»، صحيح، ولكنَّه ليس «آلهة» اليونان، يجلس على عرش من خشب القيقب تحت شجرة ليمون ذهبية، ليس مهيباً جداً، ولكنه ربما أكثر دهاء من جميع «الآلهة الأخرى». آلهة، ولكنه أيضاً رجل ارتقى فوق القطيع، ولا تزال غريزة طبقته للإكراه والهيمنة قوية فيه. يقول غوركي: «كان يعطي الناس ما لم يكن يحتاجه هو نفسه، كما لو كانوا متسولين: كان يحب إجبارهم، إجبارهم على القراءة، والمشي، وأن يكونوا نباتيين».

ورغم نظرياته الشيوعية، ظل حتى آخر رمق أرستوقراطياً. «فلاح بالنسبة له لم يكن يعني سوى رائحة كريهة». لطالما شعر بذلك، وكان عليه أن يتحدث عنه لا إرادياً، كما يشير غوركي (الفلاح). إذا عارضه أحد، فجأة، تحت لحيته الفلاحية، تحت بلوزته الديمقراطية المجعدة، يرتفع صوت الروسي العجوز، الأرستوقراطي العظيم، ثم تزرقّ أنوف الزوار البسطاء، المثقفين وغيرهم، من شدة البرد. كان من دواعي سروري رؤية هذا المخلوق ذي الدم النقي، ومشاهدة رشاقة حركاته النبيلة، وتحفظه الفخور في حديثه، وسماع حدة كلماته القاتلة.

تتجلَّى حدة حياة تولستوي من خلال صفحات غوركي، وهنا لا تعرض نظريات تولستوي فحسب، بل مشاعره الشخصية العميقة. إن الشعور بالعداء تجاه النساء ليس بالأمر الجديد عليه. لأنَّه حذر نفسه منذ عام 1847 من «أن ينظر إلى رفقة النساء على أنَّها أمر مزعج ضروري في الحياة الاجتماعية، وأن يبتعد عنهن قدر الإمكان». المرأة كما رآها غوركي «كان ينظر إليها بعداء لا هوادة فيه»، وكان يحب أن يشركها في شؤونه. «هل هو عداء الرجل الذي لم ينجح في الحصول على كل ما يستطيع من المتعة، أم هو عداء الروح ضد الدوافع المهينة للجسد». يتساءل غوركي لكنَّه يترك تساؤله دون إجابة. لكنَّه متأكد تماماً من شيء واحد: وهو أن تولستوي لم يكن رجلاً سعيداً قط. الحقيقة التي ذكرها غوركي مراراً وتكراراً أنَّ حديث تولستوي كان فظاً مثل فظاظة فلاح روسي، واستياءه من الجسد الذي ليس «كلب الروح المطيع» بل سيده، ومقترحه شبه الجاد ألا يقول الحقيقة عن النساء، إلا عندما يكون آمناً في التابوت والغطاء عليه، كلها تشير إلى خيبة أمل عميقة، وعقدة خفية.

إلى اللقاء.