قُبيل الحرب الإيرانية - الأميركية لم تكن علاقات أميركا بحلفائها الأوروبيين ممتازة بل متوترة، ومرتبكة، وصدامية، خصوصاً بعدما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستيلاء على جزيرة غرينلاند. وجاءت الحرب ضد إيران لتزيدها تصدعاً نتيجة إعلان قادة أوروبا بأنها غير قانونية، رغم إدراكهم أن ترمب لا يقيم وزناً للقانون الدولي، ولذلك وصفهم، عندما تقاعسوا عن نصرته، بالجبناء، وهددهم بتركهم فريسة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذا التصدع بالعلاقة خطير، وإذا لم يسارع كلاهما لرأبه فكلاهما سيخسر كثيراً. وهذا ما حذر منه المدعي العام البريطاني اللورد هرمر بأن «ثمة عالماً يظهر من دون قواعد تتخلى فيه الدول عن موجباتها القانونية». ورأب الصدع ليس ممكناً ما دام أن الطرفين ينطلقان من قراءات مختلفة، ومصالح متضاربة؛ فالأوروبي يراهن على الرئيس الأميركي (المقبل) رغم إدراكه أن هذا الاحتمال واهن بسبب صعود اليمين المتشدد، وإمكانية وصول رئيس أكثر تفرداً من ترمب. ويدرك الأوروبيون أن الحرب ضد إيران ستضر بأمنهم لاستفادة الروس منها اقتصادياً، ويتخوفون كذلك من مقاربته لبوتين بصفته شريكاً محتملاً، وتركيزه على إيران، ويطالبونه بالربط بينهما لضمان المصلحة الأميركية والأوروبية. لكن ترمب لا يعيروهم اهتماماً، ولذلك تفاجأوا بإعلانه الحرب بينما كانوا يعتقدون أن الوساطة العمانية على وشك النجاح، وصدموا عندما توسعت تلك الحرب، وطالبهم بالتدخل العسكري دون تشاور أو تنسيق معهم. فهم أمام هذه الحرب ليسوا مستعدين لها عسكرياً ولا اقتصادياً، ولا نفسياً، رغم اقتناعهم أن إيران تتدخل في الحرب الأوكرانية، وتنشر الإرهاب، وتقترب من صناعة سلاح نووي يهدد أمنهم، وأمن منطقة الشرق الأوسط.
الأوروبيون سيكولوجياً يكرهون الحروب، بعد تجارب الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولذلك أسسوا السوق الأوروبية المشتركة ثم الاتحاد الأوروبي ليحلوا خلافاتهم، وليبنوا جسوراً بين شعوبهم، ليعيشوا في سلام دائم. هذه السيكولوجية، كما يقول مستشار الرئيس بيل كلينتون، روبرت كيغن، في كتابه «القوة والجنة»، تبلورت بقناعة تامة في أن أي خلاف يمكن حله بالتفاوض، والمساعدات، والتنازلات المقبولة؛ لذلك عند بدء النزاع بين أوكرانيا وروسيا قبلوا بتسويات أدت إلى تنازلات كبيرة، مثل تخلي أوكرانيا عن جزيرة القرم لتجنب المواجهة؛ وكرت سبحة التنازلات إلى أن قرر بوتين، أمام الضعف الأوروبي، اجتياح أوكرانيا والوصول إلى عاصمتها كييف. هذه السيكولوجية تعاكسها سيكولوجية ترمب الذي يرى أن القوة هي المعيار، وإذا كان لديك جيش قوي فمن العبث ألا تستخدمه لتحقيق مصالحك.
أوروبا موحدة بالاقتصاد وحقوق الإنسان، وحكم القانون، لكنها متباينة كثيراً في القدرات العسكرية، وفي الاتفاق على سياسة دفاعية، وصناعات عسكرية، وسياسة خارجية موحدة. فالأوروبيون، بسبب سيكولوجية السلام، لم يبنوا قدرات عسكرية، إنما اعتمدوا على حماية أميركية، وعندما جاء ترمب، وطالبهم بالإنفاق تفاجأوا ولكنهم أمام إصراره، وعنفه اللفظي، وتهديداته، اضطروا أن يرفعوا ميزانيتهم الدفاعية، ولكنهم فشلوا بتوحيد صناعتهم وبناء جيش أوروبي مشترك. الأهم أن الأوروبيين مختلفون حتى في النظرة لعدوهم الرئيس بوتين، لأن بعض القادة ومنهم رئيس المجر، على سبيل المثال، لا يرى بوتين عدواً، بل يطالب باستمرار التعاون معه، وقد تسرب مؤخراً أن قادة أوروبا لا يفشون أسراراً في الاجتماعات الرسمية التي يحضرها ممثلو المجر، مخافة أن يسربوا الأسرار إلى الرئيس بوتين. هذا الواقع الأوروبي بالذات يعرفه الرئيس ترمب، ويدفعه إلى ازدراء قادة أوروبا، واتهامهم بالجبن، والخوف. ترمب يريدهم أن يصطفوا خلفه لتحقيق هيمنة على العالم، وهم يريدون الابتعاد عنه لاعتقادهم أنه يقودهم لحروب لا تقبلها شعوبهم المعتادة على السلام، ولا هم يرونها ضرورية، ويعتقدون أنه بالإمكان حلها دبلوماسياً، ومنها النزاع الإيراني بسبب البرنامج النووي وتمدد الميليشيات، والصواريخ الباليستية. وهذه النزعة السيكولوجية مستفحلة لدرجة أن صواريخ إيران وصلت إلى جزيرة دياغو غارسيا البريطانية، وأصبح مداها يصل للعواصم الأوروبية، ومع ذلك يصرّون على الدبلوماسية والسلام.
في أميركا ثمة تيار سياسي متنام شعاره «أميركا أولاً» يقف وراء ترمب، ويتضارب ثقافياً مع ثقافة أوروبا، لأنه يستحضر الدين بصفته نسيجاً لثقافة الغرب، ويدعم تيارات يمينية في كل أوروبا للانقلاب على الليبرالية، وقادة أوروبا يقاومونه إنما شعوبهم تتقبله تدريجياً، فيزداد خوفهم من تفتت الداخل، ومن تعاظم هذا التفتت إذا ما انصاعوا لمطالب ترمب. ورغم تضررهم من إغلاق إيران مضيق هرمز، ومن مظهرهم الواهن أمام العالم، خصوصاً دول الخليج التي تربطهم بها مصالح حيوية لأمنهم واقتصادهم، فإنهم واعون تماماً لورطتهم الكبرى مع ترمب الذي هددهم بالانتقام، إذا لم ينضموا لحرب، بعد انتصاره على إيران. وتكمن مشكلتهم في أن ترمب لا يرى بعيونهم خطر بوتين، وليس مستعداً حتى لنقاشهم؛ فهم في ورطة لعدم قدرتهم على مواجهة روسيا من دون أميركا، وفي ورطة إذا انتصر ترمب، وورطة أكبر بكثير إذا انهزم.
