د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

اقتصاد المقاومة

استمع إلى المقالة

أصبح مصطلح «اقتصاد المقاومة» أكثر حضوراً في الخطاب الإيراني خلال العقد الأخير، خصوصاً مع تصاعد العقوبات الاقتصادية، ويُبنى هذا النموذج الاقتصادي في الأساس للتعامل مع الضغوطات الخارجية، مثل العقوبات والحروب والقيود على التجارة والتمويل، ويركز هذا النموذج على ضمان الاستمرارية وتقليل الهشاشة أمام الصدمات، ولا يستهدف بأي حال من الأحوال تحقيق معدلات نمو وازدهار، وهو يُعد بذلك نموذجاً اقتصادياً يُدار بعقلية «البقاء تحت الضغط»، حيث يصبح كل من الصمود والاستقرار هو الأولوية على حساب الكفاءة والربحية.

وتسهم معرفة هذا النموذج في فهم المنهجية الإيرانية الاقتصادية في التعامل مع الحرب الجارية، فمنذ أكثر من أربعة عقود، يعمل الاقتصاد الإيراني في بيئة مقيدة نسبياً، نتيجة العقوبات المتكررة والتوترات الجيوسياسية، ومع مرور الوقت، لم يعد التعامل مع هذه الضغوط إجراءً مؤقتاً، بل تحول إلى نمط إدارة اقتصادي قائم بذاته، وقد ساعد هذا التوجه إيران في الحفاظ على استمرارية مؤسساتها الاقتصادية، وتجنب الانهيارات الحادة، رغم فترات الانكماش والتقلب، وقد ظهرت لهذا النموذج في الحالة الإيرانية خصائص عكست طبيعته التكيفية.

أولى هذه الخصائص إحلال الواردات، حيث جرى توسيع الإنتاج المحلي ليشمل سلعاً كانت تعتمد سابقاً على الاستيراد، مثل بعض الأدوية وقطع الغيار والمنتجات الصناعية، هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تقليل الضغط على العملة الأجنبية، بل إلى تقليص نقاط الضعف المرتبطة بالاعتماد على الخارج، الخاصية الثانية تنويع مصادر الدخل، فعلى الرغم من استمرار أهمية النفط، عملت إيران على تعزيز قطاعات أخرى مثل المعادن والبتروكيماويات والصناعات الغذائية، وتشير التقديرات إلى أن الصادرات غير النفطية توفر نحو ملياري دولار شهرياً، وهو مبلغ يمثل نحو خمسة في المائة من الناتج القومي الإيراني، ويمنح الاقتصاد هامشاً من المرونة في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة أو القيود المفروضة على تصدير النفط. هذا التنوع لا يلغي الاعتماد على النفط، لكنه يقلل من حدّته.

أما الخاصية الثالثة فهي المرونة الإنتاجية، أي قدرة الاقتصاد على التكيف السريع مع القيود، فبعض القطاعات الصناعية أظهرت قدرة على التحول من الاعتماد على المدخلات المستوردة إلى استخدام بدائل محلية، حتى وإن كانت أقل كفاءة، هذه المرونة لا تعني تحقيق أفضل إنتاجية، لكنها تعني استمرار الإنتاج في ظروف غير مثالية، التي واجهت إيران ولا تزال تواجه الكثير منها، الخاصية الرابعة تتمثل في تطوير قنوات بديلة للتجارة والتمويل، ففي ظل القيود المفروضة على النظام المالي الدولي، لجأت إيران إلى أساليب مثل المقايضة، واستخدام شبكات لوجيستية غير مباشرة عبر دول وسيطة، لتأمين السلع الأساسية واستمرار الصادرات، هذه القنوات، رغم تعقيدها وتكلفتها وانخفاض كفاءتها، وفرت مسارات موازية للتجارة، خففت من أثر العزلة المالية.

إلى جانب هذه الخصائص، تظهر خاصية اللامركزية النسبية، حيث جرى توزيع بعض الأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية جغرافياً، بما في ذلك محطات الطاقة، لتقليل المخاطر في حال تعرضها للاستهداف أو التعطيل، كما تم منح السلطات المحلية مرونة أكبر في إدارة بعض العمليات الاقتصادية، مثل تسريع إجراءات الاستيراد، وهو ما يساعد على الاستجابة السريعة في أوقات الأزمات، هذه الخاصية تحديداً هي ما جعلت النظام الإيراني فاعلاً حتى بعد أكثر من 3 أسابيع من الضربات الجوية المتواصلة.

ويقود ذلك إلى منهجية وخاصية إدارة الاقتصاد في ظروف الحرب، حيث يمكن إعادة توجيه الموارد بشكل سريع نحو القطاعات الأكثر أولوية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وتشير المعطيات إلى أن استمرار دفع رواتب القطاع العام، وتوفر السلع الأساسية في الأسواق، من الأمور التي مكّنت النظام الإيراني من الاستقرار الداخلي حتى في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية.

وعلى الرغم من هذه الخصائص، فإن اقتصاد المقاومة يواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي تحد من قدرته على تحقيق نمو مستدام، أول هذه التحديات هو ارتفاع معدلات التضخم، التي تتجاوز 40 في المائة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على القوة الشرائية ومستوى المعيشة، كما أن الكفاءة الإنتاجية غالباً ما تكون أقل، نتيجة الاعتماد على بدائل محلية قد لا تضاهي نظيراتها العالمية من حيث الجودة أو التكلفة، ومن التحديات أيضاً الاعتماد الجزئي على الواردات في بعض السلع الأساسية، مثل الحبوب والأعلاف، مما يبقي الاقتصاد عُرضة للاضطرابات في سلاسل الإمداد، إضافة إلى ذلك، فإن تعقيد القنوات التجارية البديلة يرفع تكاليف العمليات الاقتصادية، ويقلل من الشفافية، ما قد يفتح المجال لممارسات غير رسمية أو غير فعالة، كما يواجه هذا النموذج تحدياً يتمثل في محدودية الاندماج في الاقتصاد العالمي، وهو ما يقيّد تدفقات الاستثمار الأجنبي ونقل التقنية، وفي عالم يعتمد بشكل كبير على الابتكار والتكامل الاقتصادي، يصبح تحقيق قفزات نوعية في النمو أكثر صعوبة في ظل هذا الانفصال النسبي.وفي المحصلة، فإن نموذج اقتصاد المقاومة الذي ترتكز عليه إيران في الوقت الحالي له هدف واحد، وهو الصمود دون غيره، فهو يوفر الأدوات لإدارة الأزمات وتقليل أثر الصدمات، ويحافظ على استمرارية النشاط الاقتصادي في ظروف معقدة، وهو بكل تأكيد لا يوفر مساراً واضحاً للازدهار طويل الأجل، وقد بَنَت إيران هذا النموذج لسنوات طويلة لهذا الوقت، وهو وقت الحرب، وعليه فإن هذا النموذج وإن كان اقتصادياً إلا أن هدفه سياسي بحت، وهو عدم تعريض النظام السياسي للخطر بسبب الضغوط الاقتصادية، وفي ذلك تسبيب - لا تبرير - للجوء الولايات المتحدة وإسرائيل للحرب العسكرية، إذ إن عقوداً من العقوبات الاقتصادية لم تكن كافية لينهار النظام الإيراني.