يوسف الديني
باحث سعودي ومستشار فكري. درس العلوم السياسية والإسلاميات التطبيقية، وعمل بالصحافة منذ عام 1999، وكاتب رأي في «الشرق الأوسط» منذ 2005، له كتب وبحوث ناقدة لجذور الإرهاب والتطرف والحركات والمنظمات الإرهابية في المنطقة. كتب عشرات الأبحاث المحكمة لمراكز بحثية دولية، ونشرت في كتب عن الإسلام السياسي والحاكمية والتطرف ومعضلة الإرهاب، وساهم بشكل فعال في العديد من المؤتمرات حول العالم.
TT

الشرق الأوسط...عبور مضايق الآيديولوجيا

استمع إلى المقالة

ليست المواجهة الدائرة اليوم بين إيران من جهة، وإسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة من جهة أخرى، مجرد صراع عسكري جديد في الشرق الأوسط. ففي عمقها تبدو هذه الأزمة أشبه بلحظة عبور تاريخية تمر فيها المنطقة عبر سلسلة من المضايق: مضايق الجغرافيا، ومضايق الآيديولوجيا، ومضايق القانون الدولي.

وإذا كان مضيق هرمز هو الصورة الأكثر وضوحاً لهذا الاختناق الاستراتيجي، فإن ما يجري حوله يتجاوز مجرد التحكم في ممر بحري حيوي إلى صراع أوسع حول مفهوم الدولة ذاته وحدود الآيديولوجيا في تشكيل النظام الإقليمي.

لطالما كانت المضايق في التاريخ نقاط اختناق كبرى: من الدردنيل والبوسفور إلى هرمز وباب المندب. لكن ما يميز هذه اللحظة أن المضيق لم يعد جغرافياً فقط، بل أصبح آيديولوجياً أيضاً. فإيران، منذ ثورة عام 1979، بنت نفوذها الإقليمي على صيغة تمزج بين الدولة وشبكات عقائدية عابرة للحدود، مما جعل مشروعها السياسي يتجاوز الإطار التقليدي للدولة الوطنية ويتمدّد عبر الميليشيات والأذرع المسلحة في أكثر من ساحة عربية.

لكن المشهد لا يتوقف عند هذا الحد، فإسرائيل بدورها تقف داخل مضيق آيديولوجي خاص بها، يتجلى في صعود تيار سياسي يرى أن التفوق العسكري والتوسع الجغرافي هما الضامن الوحيد للأمن، رافضاً عملياً أي أفق جدي لحل الدولتَين أو لتسوية تاريخية مستقرة مع الفلسطينيين. هذا المنطق يوسّع نطاق القوة، لكنه يضيّق في المقابل المجال السياسي الذي يسمح بقيام نظام إقليمي متوازن ومستقر.

وهكذا يصبح مضيق هرمز مجرد استعارة جغرافية لصراع أعمق تختنق فيه فكرة الدولة عندما تُدفع نحو مشاريع آيديولوجية أو توسعية تتجاوز حدودها الطبيعية.

غير أن أخطر مضايق هذه الأزمة ربما لا يكون عسكرياً ولا جغرافياً، بل يكون قانونياً. فالمشكلة تكمن في كيفية تحجيم المشروع الإيراني، وهو مشروع تقويضي استند طوال عقود إلى شبكات عابرة للدول وأدوات مسلحة هزّت استقرار الإقليم. فالحرب جاءت محاطة بسلسلة من المبررات المتناقضة: من مواجهة وكلاء إيران إلى تغيير النظام أو تدمير البرنامج النووي. لكن الأساس القانوني الواضح لهذه العمليات ظل غامضاً، في لحظة يبدو فيها النظام الدولي القائم على القواعد في حالة تراجع متزايد أمام منطق القوة.

إن تقويض المشروع الإيراني قد يكون هدفاً مشروعاً لكثير من دول المنطقة، لكنه يصبح أكثر استقراراً وفاعلية عندما يتم ضمن إطار إقليمي تشارك فيه القوى الفاعلة في المنطقة، ووفق قواعد القانون الدولي، لا عبر قرارات أحادية. فالتاريخ يبيّن أن تحجيم المشاريع التوسعية يصبح أكثر رسوخاً عندما يتم عبر توازنات إقليمية وقواعد دولية.

لقد نشأ النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة أن العلاقات بين الدول يجب أن تُدار عبر قواعد مشتركة. لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تآكل متزايد في احترام هذه القواعد، سواء عبر حروب مبررة بذريعة الأمن أو عبر تفسيرات سياسية مرنة للقانون الدولي. ويزداد هذا التآكل وضوحاً عندما تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد مباشر للصراع الداخلي، حيث تُتخذ قرارات كبرى أحياناً بمنطق فردي سريع يخاطب القواعد السياسية أكثر مما يخاطب توازنات النظام الدولي.

ومع ذلك فإن العالم بلا قواعد ليس عالماً أكثر أمناً. فالقانون الدولي، رغم كل عيوبه، يبقى أحد أهم الحواجز التي تمنع انزلاق النظام الدولي إلى صراعات مفتوحة. كما أن الدول المتوسطة والصغيرة تعتمد عليه لحماية نفسها من منطق الهيمنة الصرفة للقوى الكبرى.

وسط هذه المضايق المتشابكة يبرز نموذج مختلف في إدارة الأزمات. فمنذ اللحظة الأولى للحرب تمسكت المملكة العربية السعودية بمنطق الدولة: الدعوة إلى خفض التصعيد، والتمسك بالقانون الدولي، وتجنّب الانجرار إلى خطاب تعبوي أو اصطفافات انفعالية. لم يكن هذا موقفاً حيادياً بقدر ما كان قراءة استراتيجية لطبيعة الصراع.

فالحروب الآيديولوجية بطبيعتها حروب استنزاف طويلة يخسر فيها الجميع بدرجات متفاوتة. لكن الذكاء السياسي لا يكمن في تحقيق نصر كامل، بل في تقليل الخسائر إلى الحد الأدنى. وفي هذا السياق تبدو الدول التي حافظت على منطق الدولة -لا منطق الآيديولوجيا- هي الأكثر قدرة على الخروج من العاصفة بأقل الأضرار.

وعندما تنتهي هذه الحرب، كما انتهت حروب كثيرة قبلها، قد لا نشهد إعادة رسم للخرائط كما يظن البعض، فالشرق الأوسط عبر تاريخه الطويل أظهر مقاومة كبيرة لفكرة إعادة تشكيله جذرياً من الخارج. الأرجح أن ما ستنتجه هذه المرحلة هو تثبيت الأوزان السياسية الحقيقية في المنطقة، وترسيخ حمولات التاريخ وثوابت الجغرافيا التي تعود دائماً لتفرض نفسها بعد كل عاصفة.

لقد أثبتت السعودية مرة أخرى أن الحكمة في السياسة ليست في الانجراف مع العواصف، بل في الحفاظ على التوازن. ومن تقاليدها العريقة في إدارة الأزمات تولد قوة هادئة تجعلها، في زمن الاضطراب، أكثر الدول قدرة على حماية الاستقرار وصناعة المستقبل.