فؤاد مطر
أحد كتّاب الرأي والتحليل السياسي في «الشرق الأوسط» ومجلة «المجلة» منذ العام 1990 وقبلها عمل صحافياً وكاتباً في «النهار» اللبنانية و«الأهرام». نشر مجلة «التضامن» في لندن وله 34 مؤلفاً حول مصر والسودان والعراق والسعودية من بينها عملان موسوعيان توثيقيان هما «لبنان اللعبة واللاعبون والمتلاعبون» و«موسوعة حرب الخليج». وثَّق سيرته الذاتية في كتاب «هذا نصيبي من الدنيا». وكتب السيرة الذاتية للرئيس صدَّام حسين والدكتور جورج حبش.
TT

نكبة النزوح

استمع إلى المقالة

مع أن الأحوال السائدة في السودان منذ 3 سنوات اتسمت في جانب من مأساتها بالنزوح، فإنه كان نزوحاً من أرض سودانية إلى أرض مِن الوطن الأشبه بقارة، أما الذي يعيشه لبنان نزوحاً منه وإليه فإنه يصل إلى مرتبة مأساوية مكتملة الهنات والإهانات، وتتشابه بعض محطاته مع حالات النزوح السوداني، مع ملاحظة أن لبنان ذا المساحة الصغرى يختلف عن المساحة الكبرى للسودان، وهذا يعني أن النزوح السوداني يُبقي النازحين ضِمْن الأجواء المأساوية، إنما لا يُفقدهم الحالة الوطنية المتجذرة.

وبصرف النظر عن أن الغرب غرب والشرق شرق والشمال شمال في السودان، فإن أهل المديريات الموزَّعين عليها الذين يشعرون بغربة جنوب الوطن وهو حاضر في الذاكرة، يرون أن ما حدَث من أحوال طارئة وصاعقة يحتاج إلى كثير من التوضيح المقرون بالحس الوطني الذي يفضي إلى وضْع نهاية لاحتراب لا مبرر لطول جولاته وصولاته، وبذلك يبدأ النزوح المعاكس، وتستقر الأمور، وتتغير الظروف من حال شديدة القتامة في النفس إلى حال مبهجة تُجدد عبارة «أخو إخوان» - صفة ارتبطت بشخصية الإنسان السوداني.

ما جرى وما زال للبنان منذ عام 1984 وحتى 2026 عام النزوح الجنوبي هو قريب الشبه بالنزوح السوداني، مع فوارق في رموز الحالة، حيث الطرف الطامع هو إسرائيل التي تعتمد وسائل أكثر وحشية.

ظاهرة النزوح الجديدة في لبنان تعيدنا إلى استحضار ظاهرة النزوح الفلسطيني عام 1948، كما يشمل الاستحضار النزوح السوري الذي لم تكتمل ظروف إنهائه، حيث ما زال هنالك نازحون في انتظار أن يستعيد النظام السوري الجديد قوافلهم.

هنا ثمة محطات لافتة في النزوحيْن الفلسطيني ثم السوري، ذلك أن إخواننا الفلسطينيين الذين نزحوا استقروا في لبنان، وباتت لهم «مُدنهم» التي تسمى مخيمات موزعة على أكثر المناطق اللبنانية، كذلك باتوا جزءاً من النسيج الوطني كما الأرمن والعلويين إنما من دون هوية رسمية، فيما الذين نزحوا من السوريين إلى لبنان قبْل خمس سنوات، وتوزعوا على بعض البلدات المرحِّبة تعاطفاً بهم، شرعوا في العودة بالتدرج لمجرد قيام حُكْم سوري جديد يحل محل الحُكم الأسدي.