يبدو أن الإعلام العربي يقف اليوم أمام واحد من أصعب الاختبارات منذ عقود. فالحرب الدائرة بين إيران من جانب، وإسرائيل والولايات المتحدة من جانب آخر، ليست مجرد حدث دولي كبير يتطلب التغطية والمتابعة، بل هي أزمة إقليمية ودولية عميقة تتقاطع خيوطها مع المصالح العربية والأمن الإقليمي والتوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة. وهنا تنشأ المفارقة التي تجعل هذا الاختبار بالغ الحساسية؛ إذ إن الدول العربية التي تمتلك اليوم أكثر المنصات الإعلامية نفاذاً وتأثيراً لم تعد تقف على هامش الصراع بوصفها مراقباً يصف الوقائع من مسافة آمنة، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي تدور فيها الأحداث وتتأثر بها مباشرة. وهكذا يجد الإعلام نفسه في موقع بالغ الدقة، يحاول أن يروي قصة الحرب بينما تمتد ارتداداتها إلى مجاله الحيوي وإلى المجتمعات التي يخاطبها.
لقد اعتادت المنظومات الإعلامية في العالم أن تواجه الحروب بوصفها لحظة اختبار قاسٍ لمهنيتها. فالحرب تفرض إيقاعاً متسارعاً للأحداث، وتفيض بالمعلومات المتناقضة، وتفتح أبواب الدعاية السياسية على مصاريعها؛ ولهذا قال السياسي الأميركي هيرام جونسون إن «الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب». لم تكن هذه العبارة مجرد حكمة عابرة، بل كانت توصيفاً عميقاً لما يحدث عادة حين يتصاعد أزيز المدافع وتعلو أصوات القصف. ففي لحظات الصراع الكبرى تصبح المعلومات سلاحاً، وتتحوَّل الرواية الإعلامية إلى جزء من ديناميات المعركة، وتغدو القدرة على التمييز بين الخبر والدعاية مهمة شاقة حتى على أكثر المؤسسات احترافاً.
لكن اختبار الإعلام العربي في هذه اللحظة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة سيل الأخبار المتضاربة؛ فالإعلام هنا يعمل في بيئة تتأثر مباشرة بتطورات الحرب. إن الصراع الجاري يعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي، ويطرح أسئلة صعبة حول الأمن والاستقرار والاقتصاد والطاقة، وهي كلها قضايا تمس المجتمعات العربية بصورة مباشرة. لذلك لا يمكن للإعلام أن يتعامل مع الأحداث كما لو كانت أزمة بعيدة تقع في منطقة نائية. إنه يتابع حرباً تتردد أصداؤها في فضائه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويخاطب جمهوراً يشعر بأن نتائجها قد تمس حياته اليومية ومستقبل بلاده.
من هنا تتعمق المعضلة المهنية. فالتغطية الإعلامية مطالبة بأن تكون دقيقة ومتوازنة وموضوعية، لكنها في الوقت ذاته تعمل ضمن منظومات وطنية لها التزاماتها ومسؤولياتها تجاه مصالح دولها ومواطنيها. وبين هذين الاعتبارين تنشأ منطقة دقيقة من التوازن يتعين على المؤسسات الإعلامية أن تتحرك داخلها بحذر شديد. فالإفراط في الانحياز قد يُقوِّض الثقة المهنية، ويحول الإعلام إلى مجرد أداة دعائية، بينما تجاهل المصالح الأمنية والوطنية قد يضعه في صدام مع السياق السياسي والاجتماعي الذي يعمل فيه.
وقد أدرك منظرو الإعلام منذ زمن بعيد أن الحروب تكشف طبيعة المنظومات الإعلامية أكثر مما تفعل أوقات السلم. فقد قال والتر ليبمان إن «الرأي العام في زمن الحرب يتشكل غالباً من خلال الصور والتمثلات التي تصنعها وسائل الإعلام»، لأن الجمهور لا يرى ميدان القتال بنفسه، بل يتلقاه عبر الروايات التي تُنقل إليه. ومن هنا فإن مسؤولية الإعلام في مثل هذه اللحظات تصبح مضاعفة؛ فهو لا يكتفي بنقل الخبر، بل يسهم في تشكيل إدراك المجتمعات لما يجري حولها.
حتى الآن تبدو بعض المنصات الإعلامية العربية المؤثرة قادرة على الحفاظ على قدر من التوازن في التغطية، وهو أمر ليس هيناً في سياق صراع تتشابك فيه السرديات السياسية والعاطفية، غير أن التحديات المقبلة قد تكون أشد. فالحروب الكبيرة تميل إلى استنزاف أعصاب المؤسسات الإعلامية، وتدفعها أحياناً إلى الانزلاق نحو لغة الاستقطاب أو المبالغة أو الإثارة. كما أن الفضاء الرقمي المتخم بالشائعات والصور المفبركة يزيد من صعوبة التحقق من الأخبار، ويجعل السباق نحو السرعة على حساب الدقة إغراءً دائماً.
لهذا، فإن اللحظة الراهنة تتطلب من الإعلام العربي المؤثر قدراً أكبر من الصرامة المهنية والوضوح الأخلاقي. الشفافية في عرض المعلومات، والحرص على التحقق من مصادر الأخبار، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات، كلها عناصر ضرورية للحفاظ على ثقة الجمهور. وفي الوقت نفسه ينبغي أن يظل الإعلام واعياً بمسؤوليته تجاه مجتمعاته، فلا ينساق خلف الإثارة، ولا يتحول إلى ساحة دعائية لتصفية الحسابات، بل يبقى مساحة عقلانية تتيح للجمهور فهماً أعمق لما يحدث.
إن الحرب ليست مجرد صدام عسكري بين جيوش، أو صراع سياسي بين دول. إنها أيضاً لحظة اختبار حقيقي للضمير المهني في الإعلام. ففي مثل هذه اللحظات يتبين الفرق بين إعلام يكتفي بترويج الصخب وإعلام يسعى إلى إضاءة الحقيقة وسط ضجيج الصواريخ.
