يبدو أن الرئيس الإسباني، بيدرو سانشيز، أصبح شوكة في حلق الإدارة الأميركية الحالية. هذه المرة عندما رفضت الحكومة الإسبانية السماح للقوات الأميركية باستخدام القاعدتين العسكريتين في الأراضي الإسبانية، لشن عمليات عسكرية ضد إيران. الموقف الإسباني استند على أن هذه العمليات تفتقر إلى الأساس القانوني الدولي، وقد تقود إلى تصعيد خطير في الشرق الأوسط. وشبهها سانشيز بحرب أميركا على العراق عام 2003. أما أميركا فاستنكرت هذا التصرف، ووصف ترمب إسبانيا بأنها حليف سيئ داخل حلف شمال الأطلسي، ودولة «فظيعة»، وقال صراحة إن الولايات المتحدة لا تريد أن يكون لها أي تعامل مع إسبانيا، مهدداً بقطع العلاقات التجارية معها. فهل يستطيع ترمب فعلاً تنفيذ هذا التهديد؟
هذا الصدام بين الرئيسين لا يمكن أن يكون بمعزل عن سلسلة من الخلافات السياسية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة بينهما، فسانشيز يُعد من أكثر القادة الأوروبيين انتقاداً لمعظم سياسات ترمب، ابتداءً بالحروب في الشرق الأوسط، سواء حرب العراق أو غزة التي دعت إسبانيا أن تكون من أوائل الدول الأوروبية اعترافاً بالدولة الفلسطينية قبل أقل من عامين، حتى مواقفه من قضايا الهجرة والتجارة الدولية. وهو ليس الصدام الأول بينهما، فقد أثار سانشيز غضب واشنطن في مناسبات أخرى، منها رفضه زيادة الإنفاق الدفاعي في حلف «الناتو» إلى مستوى 5 في المائة من الناتج المحلي كما تطالب واشنطن.
هذا التباعد السياسي جعل سانشيز في نظر بعض أعضاء الإدارة الأميركية نموذجاً لليسار الأوروبي الذي يقف في مواجهة نهج «أميركا أولاً». وجدير بالذكر أن كثيراً من هذه المواقف حقق أو قد يحقق مكاسب انتخابية داخلية لسانشيز، ولا سيما أن استطلاعات أظهرت أن نسبة كبيرة من الإسبان يحملون رأياً سلبياً تجاه ترمب.
الولايات المتحدة لا تستطيع قطع العلاقات التجارية مع إسبانيا بهذه السهولة، بسبب قانوني بسيط، وهو أن أميركا لا تتعامل تجارياً مع إسبانيا بوصفها دولة منفردة؛ بل مع الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية موحدة. فسياسة التجارة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تُدار على مستوى الاتحاد نفسه، وليس على مستوى الدول الأعضاء، وهذا يعني أن أي إجراء تجاري كبير يستهدف إسبانيا سيؤثر تلقائياً في السوق الأوروبية كلها، وقد يتحول إلى نزاع تجاري بين واشنطن وبروكسل، وليس مجرد خلاف ثنائي بين واشنطن ومدريد، كما أن سلاسل الإنتاج الأوروبية متشابكة إلى حد بعيد؛ فالمنتجات التي تُصدَّر من دولة أوروبية غالباً ما تحتوي على مكونات صُنعت في دول أوروبية أخرى، ما يجعل استهداف دولة واحدة أمراً معقداً اقتصادياً.
إضافة إلى ذلك، فإن حجم التجارة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسبانيا ليس ضخماً مقارنة بعلاقات واشنطن التجارية مع بقية دول الاتحاد الأوروبي، فالولايات المتحدة تستقبل نحو 4.6 في المائة فقط من صادرات إسبانيا، وهو ما يجعل الاقتصاد الإسباني أقل تعرضاً نسبياً للضغوط التجارية الأميركية مقارنة ببعض الاقتصادات الأوروبية الأخرى. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن مدريد محصنة تماماً من الضغوط الاقتصادية؛ إذ توجد مجالات حساسة يمكن للولايات المتحدة أن تستخدمها كورقة ضغط فعالة.
أبرز هذه المجالات هو قطاع الطاقة، فإسبانيا تعتمد بدرجة ملحوظة على واردات الطاقة الأميركية؛ خصوصاً الغاز الطبيعي المسال. وتشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة وفَّرت نحو 31 في المائة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال لإسبانيا خلال الاثني عشر شهراً الماضية، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى 44 في المائة في شهر يناير (كانون الثاني) وحده، كما تعد الولايات المتحدة مورداً مهماً للنفط الذي تستورده إسبانيا. هذا الاعتماد يمنح واشنطن قدرة ضغط محتملة؛ إذ إن أي اضطراب في إمدادات الطاقة يمكن أن يرفع الأسعار ويؤثر في الاقتصاد الإسباني؛ خصوصاً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية.
ويبقى العامل الحاسم في هذا الصدام هو الموقف الأوروبي، فإذا تعامل الاتحاد الأوروبي مع الضغوط الأميركية على أنها مسألة تخص إسبانيا وحدها، فقد تجد مدريد نفسها في مواجهة واشنطن بمفردها، وهو ما سيجعلها أكثر عرضة للضغوط الاقتصادية والسياسية، أما إذا اعتبر الاتحاد الأوروبي أن أي إجراء يستهدف دولة عضواً هو في الواقع استهداف للاتحاد كله، فإن النزاع سيتحول إلى قضية أوروبية - أميركية أوسع.
وقد شهدت أوروبا مثالاً مشابهاً عندما أثارت تصريحات ترمب بشأن غرينلاند ردود فعل أوروبية واسعة، ما ساهم في احتواء التصعيد في ذلك الوقت، وانتهى ذلك الموضوع بحفظ ماء وجه الولايات المتحدة دون أي مكاسب حقيقية. ويمكن في الحالة الحالية أن يكون التماسك الأوروبي هو الفاصل، ولا يبدو هذا الموقف واضحاً الآن، ولا سيما مع اختلاف الرسائل من الدول الأوروبية، بين دول تميِّع الاختلافات بينها وبين الإدارة الأميركية وتسعى إلى إيجاد نقاط الوفاق، ودول تدعو باستمرار إلى وحدة القرار الأوروبي والتصدي لمواقف هذه الإدارة.
