إبراهيم عبد العزيز المهنا
TT

السياسة والاقتصاد والهجرات العالمية

استمع إلى المقالة

في عام 2016 قررت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي ذلك الأسبوع كنت في حلقة نقاش مع مجموعة من الإعلاميين والخبراء والسياسيين البريطانيين، المؤيد أغلبهم هذا الخروج؛ اعتقاداً أن ذلك قد يؤدي إلى عودة مجد بريطانيا وقوتها الاقتصادية أو جزء منها، بما في ذلك ألّا تكون تابعة لأوروبا وتاريخها المرير معها.

لكن هذا ما حدث بالفعل منذ الخروج البريطاني من الاتحاد، وينطبق الأمر نفسه على كثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة من حيث وجود أعداد كبيرة من المهاجرين يزدادون من سنة إلى أخرى، ومن مجتمعات غير مرحب بها من (مسلمين، وأفريقيين، وهنود، ولاتينيين، وغيرهم)، سواء رغبت الدول المستضيفة أم لم ترغب، فالمعضلة أكبر من ذلك، والخيارات تضيق يوماً بعد آخر، وهذا يعني حدوث تحول كبير في المجتمع الدولي لم يحصل من قبل، وستكون له آثار مستقبلية كبيرة.

صحيح أن العالم، ومنذ نشأته، في حراك بشري مستمر، وآخر تحرك بشري كبير حصل في القرن السابع عشر من أوروبا، أصغر قارة آنذاك في المساحة وعدد السكان، حيث قاد التقدم العلمي والثورة الصناعية والتطور الطبي إلى ارتفاع سكان أوروبا بشكل كبير ومستمر. ومع توسع المد الاستعماري انتقل الأوروبيون للاستقرار في قارات أخرى (أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، وغيرها)، كما أدت تجارة الرقيق إلى نقل ملايين الأفراد من أفريقيا، جنوب الصحراء، إلى الأميركتين؛ لتسخيرهم في الأعمال الزراعية والصناعية، كذلك حصلت هجرات أخرى من مناطق عدة في العالم؛ بحثاً عن فرص عمل أفضل، أو هرباً من مناطق الصراعات.

وبعد الحرب العالمية الثانية، حصلت موجة أخرى من الهجرة، هذه المرة إلى أوروبا؛ للمساهمة في إعادة البناء، فبريطانيا أوجدت منظمة دول الكومنولث، التي تضم مستعمراتها السابقة (أنشئت قبل الحرب وتطورت بعدها)، والتي أعطت مواطني هذه الدول وضعاً خاصاً فيما يخص الهجرة والعمل في بريطانيا. أما ألمانيا التي لم يكن لها مستعمرات، فقد استقدمت ملايين العمال، وبالذات من تركيا للمساهمة في نموها الاقتصادي.

والآن، ندخل في وضع مختلف وجديد، سيؤثر في الغالب على مجمل النظام العالمي، وهناك جوانب مهمة عدة لهذا التغير، ليست بالضرورة متناغمة، بل أحياناً متعارضة، والتي قد تؤدي إلى مشاكل عدة.

وأهم التغيرات استمرار النمو الاقتصادي الدولي الذي بدأ في الغرب مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تمدد باستمرار من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ليشمل أغلب دول العالم المستقرة، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو في السنوات والعقود المقبلة؛ ما سيخلق المزيد والمزيد من فرص العمل داخل الدولة الواحدة وبين الدول، وبالذات العمالة المتعلمة، والماهرة، وذات أخلاقيات العمل المتميزة. وعدد السكان المرتفع أسهم إذا أحسن الاستفادة منه في نمو وتطور عدد من الدول مثل الصين، والهند، وإندونيسيا.

وصاحبَ النمو الاقتصادي تغيرات كبيرة في حياة الناس ورفاهية السكان، بما في ذلك تفاوت عدد المواليد للمرأة الواحدة من دولة إلى أخرى، ففي الدول الغنية والمتقدمة، ينخفض عدد المواليد باستمرار وبأقل من المتوسط المفترض لاستقرار وتوازن السكان (المستوى المطلوب هو 2.1 في المائة)، وفي بعض الدول الأوروبية وأميركا واليابان، وكوريا، فهو أقل بكثير؛ إذ تبلغ معدلات المواليد في أوروبا 1.4 في المائة، وفي أميركا الشمالية 1.6 في المائة؛ الأمر الذي يعني نقصاً كبيراً في القوى المحلية، وزيادة الحاجة إلى عمالة من الخارج من الدول التي لديها معدلات إنجاب عالية، وحسب أحد التقارير الحديثة، فإن نيجيريا سجلت خلال عام واحد عدد مواليد يفوق عدد المواليد في كامل القارة الأوروبية.

والقول بأن رفع السن التقاعدية والذكاء الاصطناعي والروبوتات ستلبي تلك الحاجة، من دون الاعتماد على القوى الخارجية، هو قول من الصعب حصوله؛ نظراً لطبيعة الأعمال المطلوبة (خدمات مختلفة)، وبالذات مع زيادة أعداد كبار السن المتقاعدين والذين يحتاجون إلى خدمات، إلا أن هذه التكنولوجيا سوف تؤثر على نوعية الكفاءات المطلوبة وليس أعدادها. كما أن الصراعات الدولية تؤدي إلى زيادة الحاجة إلى الطاقات البشرية للعمل العسكري، وإن كان هناك عدم ارتياح لزيادتها من غير المواطنين، فألمانيا تخشى زيادة عدد المسلمين مثلاً في الجيش.

ومن هنا سوف يستمر التدفق البشري العالمي؛ فقد تضاعف عدد المهاجرين خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية ليصل إلى 300 مليون شخص، وهم في تزايد مستمر. وقد أدى هذا إلى بروز حركات سياسية واجتماعية معارضة في أغلب الدول الغربية، التي تخاف من تغير التركيبة السكانية لصالح المهاجرين الجدد، وتحاول أن توقفها أو حتى إبعادهم، وهو ما يُعرَف بالحركات الشعوبية اليمينية المتطرفة، ومن المتوقع أن تصل بعض هذه الأحزاب إلى الحكم في دول مثل بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وتبدأ حركة ضغط لوقف وصول المهاجرين بطرق شرعية أو غير شرعية، كما أن البعض يسعى إلى تشجيع الإنجاب بطرق مختلفة، لتعويض الحاجة إلى المهاجرين.

فهل تنجح هذه السياسات؟ طبعاً لا، فهذه هي اليابان، بعد سنوات وعقود من الممانعة والقيود على هجرة الأجانب، قررت استقدام أكثر من 1.2 مليون شخص للعمل فيها حتى عام 2028.

فالدول الأوروبية وأميركا الشمالية لا تستطيع المحافظة على النمو الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية والإنفاق العسكري المتزايد، في وقت يقل عدد المواليد، وحتى في حالة وصول بعض الشعوبيين اليمينيين إلى السلطة، فإن بلدانهم ستواجه صعوبات اقتصادية كبيرة على المدى المتوسط، تشمل المقدرة على المحافظة على الخدمات الجيدة والرفاهية الاجتماعية، في عالم تشتد المنافسة بين دوله ومجتمعاته.

وفي المقابل، نلاحظ أن بعض الدول، مثل إسبانيا، ترى أن استقطاب المزيد من المهاجرين يسهِم في نموها الاقتصادي ورخائها.

وبشكل عام، فإن التركيبة السكانية عالمياً، وبالذات في الدول الغربية تمر بتحولات كبيرة ومستمرة، وقد نرى المهاجرين الجدد، وأولادهم، يصلون إلى قمة السلطة في بعض البلدان الغربية، كما يصبحون رجال أعمال وفكر مشهوداً لهم، وهذا تحول تدريجي مبعثه الحاجة والكفاءة، ولكن تأثيراته المستقبلية قد تكون كبيرة، ليس فقط على تشكيلة المجتمع في بعض الدول الغربية، بل وعلاقاتها الخارجية.