خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

رامز جلال أم مهندس البناء؟

استمع إلى المقالة

يُسمِعني حين يناقشني أفكاراً ليست كالأفكار، بل مجرد كلام فارغ، ومشاعرَ سلبية متنكرة في هيئة فكرة. يقول إنَّه يكدُّ ويتعبُ، ويشقى وينصبُ، ولكن في الآخر رامز جلال مَن يكسب. قصده الشكوى من عدالة الحياة، والتحقير من منتج التَّسلية والترفيه. هذا ميزان شائع؛ طعام يلقموننا إياه منذ الصغر، والتلقين في الصغر، كما تعلمون، تشويه في الحجر.

ربما يقارن ذلك الموظف، أو تلك المهندسة، أو ذلك الفلاح، بين أجواء العمل التي يعيشون فيها، وما فيها من جدية، والمنتج النهائي الذي يخرج من تحت أيديهم، وما فيه من ضرورة، ومنتج الفنون والتسلية الذي يبدو خفيفاً وكوميدياً؛ فينتهي إلى أنَّ عملَه الجاد أفضل، وأنَّه هو بالتالي أهم. وهنا نقاط لا بد من أخذها في الاعتبار قبل إجراء مقارنة كتلك.

أولاً: الإنسان له هرم من الاحتياجات، يشمل الغذاء والسكنَ والكساء والأمن. ومن الطبيعي أنَّ توفيرَ تلك الاحتياجات يأتي في مرتبة أعلى من التسلية والترفيه بوجه عام. لكن هذا لا يعني أبداً أنَّ المزارع الذي ينتج الطعام أهمُّ من الكوميديان أو مقدّمِ البرامج. بل يعني أنَّ قطاع الزراعة له أولوية في الكفاية عن قطاعات أخرى، منها قطاعات جادة، كالتربية والتعليم مثلاً. لا يختلف اثنان على أنَّ الحصول على الغذاء حيوي للإنسان أكثر من التعليم المدرسي.

إليكم مثلاً رقمياً يشرح الفكرة: يعمل في قطاع الزراعة في أميركا نحو 2 في المائة من السكان. من الناحية الاقتصادية هؤلاء يكفون ما تحتاج إليه الولايات المتحدة. وأي زيادة فوق العدد الكافي لأداء المهمة بَطَالة مُقَنَّعة، محصلتها الإنتاجية أقل من الصفر، لأنَّ العدد الزائد لن يضيف، بل يقلل من ربحية القطاع.

هل جرَّبنا تحديث قطاع الزراعة في بلدك، ورأينا كم نحتاج من مزارعين؟ هل جرَّبنا تحديث قطاع موظفي الدولة ورأينا كم نحتاج؟

إن كنتُ زائداً عن الحاجة فلا مجال لأن أتحدث عن أهميتي. وحتى إن كنتُ ضمنَ العددِ المطلوب فأهميتي الفردية ليست مضمونة، ما دام يمكن الاستغناء عني وإحلال شخص آخر مكاني من دون أن يتأثر العمل. تكتسب أهميتَك من مهاراتك الفردية، وليس من موقع القطاع الذي تعمل فيه في هرم احتياجات الإنسان.

المهارة الفردية إذن هي العنصر المهم. وهذه النقطة الثانية. هل مهاراتك تنافسية أم لا؟ والمقياس الاقتصادي الذي نستخدمه للإجابة هو مقدار الطلب على ما تقدمه. هل هناك جهة مستعدة لأن تدفعَ لك مبلغاً من المال مقابل أن تعمل لديها؟ هل تضمن هذه الجهة أن تجني مِن ورائك أكثر مما دفعته لك؟

ثالثاً: القيمة ليست مطلقة، بل نسبية. السوق تصويت يومي على القيمة. في ظرف معين ربما يصير ثمن الماء ثروة، وفي ظرف آخر مجانياً. الاقتصاد، كغيره من مظاهر الاجتماع البشري، متحرك طوال الوقت ونسبي، ولا يمكن تقييمه تقييماً مطلقاً ثابتاً في كل الأوقات والأزمان.

أخيراً، تخيَّل أنَّ لديك مصنعين؛ أحدهما ينتج سلعة غذائية، والآخر ينتج لعبة أطفال. هل تعتقد أنَّ الجهد الإداري خلف المنتجَين يختلف حسب قيمة أي منهما؟

برنامج مقالب مثل «رامز جاب من الآخر»، أو مسلسل كوميدي مثل «كامل العدد»، جهد إداري ضخم، مشروع متكامل، لا يختلف من المنظور الإداري عن مشروع إقامة مبنى أو افتتاح مصنع. له مستهدف وميزانية ومواعيد تسليم. له مدير يتولى تقسيم المطلوب إنجازه إلى تكليفات محددة ثم توزيعها على العاملين. وهناك عاملون يقدمون باقة من المهارات المتنوعة في هذه الشركة. بعضها إبداعي، مثل الكتابة، والتصوير، والإضاءة، والإخراج، وهندسة الصوت، والديكور، والماكياج. وبعضها حرفي، مثل هندسة الماكينات، والنجارة، وهندسة الكهرباء، وصولاً إلى البوفيه والنظافة وقيادة السيارات. وبعضها محاسبي، من أول الميزانية التقديرية إلى ميزانية الإنتاج غزيرة التفاصيل. وبعضها إداري، مثل التواصل مع المشاركين، والحجوزات، وتوفيق المواعيد، والانتقالات. هناك مشاكل إدارية عادية، كالغياب لأسباب طارئة، أو مرض، أو المشاحنات بين العاملين. إتمام حلقة واحدة من أي برنامج أو مسلسل من تلك التي تراها في رمضان مجهود رهيب، يشبه إنشاء شركة وفضّها.

قطاع الفن في الولايات المتحدة يوفر ما يقارب 3 ملايين وظيفة، ويدفع رواتب سنوية بقيمة 242 مليار دولار، ويصدر إلى الخارج بقيمة 14.4 مليار. تداولات قطاع الفنون في الهند قيمتها 5 مليارات دولار سنوياً، ارتفاعاً من 2.7 مليار في 2017. تَضَاعفَ اقتصادُ القطاع نتيجة خدمات البث الفوري وتقنيات الذكاء الاصطناعي. أما في تركيا، فقيمة صادرات القطاع تفوق 500 مليون دولار، بمتوسط 100 مسلسل تركي يُعرض في أكثر من 140 دولة.

قطاعات الفنون والترفيه والرياضة قطاعات اقتصادية، تدر أرباحاً، وهي قطاعات مهارية، كلما توسَّعت، اتسع نطاق المتدربين على مهاراتها الرفيعة، المتابعين للتقدم التكنولوجي المستمر فيها، بعد ذلك يأتي أثرها الثقافي. فلا تستهينوا بها.