جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

«بريكست»... جردُ الربحِ والخسارة

استمع إلى المقالة

القاسم المشترك بين الأحزاب والحركات والأنظمة القومية، على اختلافها جغرافياً ودينياً ولغوياً، أنَّها شوفينية، أحادية النظرة إلى العالم، وضيقة الرؤية إلى درجة استعدادها لقراءة وكتابة التاريخ بالمقلوب، من خلال إعادة اختراع الماضي وتزوير الحقائق لتناسب سرديتها المضللة. ذكّرني بذلك مرور الذكرى العاشرة للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، التي حلّت يوم الثلاثاء الماضي. الغريب أنَّ الذكرى مرّت من دون أن تحظى باهتمام حتى من الذين دعموا «بريكست» وقادوا الحملات في الاستفتاء عام 2016. قد يقول قائل إن الأوضاع السياسية التي تمر بها البلاد ممثلةً في استقالة رئيس الحكومة السير كير ستارمر، لم تترك فراغاً للاحتفاء بالذكرى. وهو تبرير يحتمل أكثر من قولين. وها هي بريطانيا تستعد حالياً لاستقبال رئيس حكومة جديد، لم يصوّت في الاستفتاء لصالح الخروج، لكن عليه الانصياع، مثل سابقيه، لقرار الشعب، حتى وإن كان الشعب فريسة لحملة مضللة من الأكاذيب.

قبل الاستفتاء بأيام، كان قادة حملة الخروج كرماء في تقديم الوعود. على سبيل المثال وعدوا بأن بريطانيا ستتخلص من سياسة التقشف الناتجة عن الأزمة المالية في عام 2008، وعكس تراجع الوظائف ذات الأجور الجيدة في قطاع التصنيع، والاتجار بحرّية وربحية في الأسواق الدولية، وإعادة المهاجرين القادمين من شرق ووسط أوروبا إلى بلدانهم. وكان الوعد بالعودة إلى مجد الماضي الإمبراطوري في المركز من تلك الوعود. بوريس جونسون الذي أصبح لاحقاً رئيساً للحكومة، كان يقول بشاعرية إنه يرى المروج المضيئة بنور الشمس بعد الخروج. العجيب أن 52 في المائة من البريطانيين أوصدوا عقولهم وصدقوا تلك الأكاذيب.

المليارات التي قيل إنَّها ستعود من بروكسل إلى الخزينة البريطانية فور تحقيق الخروج لم تعد، وكذلك السيادة والتحكم على الحدود. لدى التوقيع على الاتفاق في بداية عام 2020، دخلت البلاد في أزمات عدة أبرزها عجز كبير في العاملين في قطاع الضيافة، لأنَّ أغلب العاملين به من بلدان أوروبية، وكذلك نقص في الوقود في محطات البيع؛ لأنَّ سائقي الشاحنات التي كانت تنقل الوقود غادروا البلاد كونهم ينتمون إلى دول أوروبية، فاضطرت الحكومة إلى الاستعانة بالجيش لتزويدها بمن يقود تلك الشاحنات.

الأسوأ من ذلك أنَّ موجات الهجرة عبر البحر ارتفعت بنسبة كبيرة، ولم يعد ممكناً ردُّ الواصلين منهم إلى الشواطئ البريطانية؛ لأنَّ بريطانيا بقطعها جسورها مع بروكسل لم تعد طرفاً في اتفاق دبلن، الذي يقضي بإعادة المهاجرين غير القانونيين إلى أول بلد أوروبي دخلوه. وما زاد الطين بِلّة أن «بريكست» أعطى دفعة كبيرة للحركات اليمينية المتطرفة في بريطانيا، وعلى رأسها حزب الإصلاح البريطاني، الذي سرعان ما اقتنص الفرصة التي جاءته، حتى أضحى رئيسه نايجل فاراج هو من يقرر الأجندة السياسية في الساحة، وترتفع شعبيته في استطلاعات الرأي إلى درجة تهدد الحزبين الرئيسيين. ظهر ذلك جلياً في شهر مايو (أيار) الماضي خلال انتخابات المجالس البلدية.

لم يتوقف التأثير على حركات اليمين المتشدد البريطاني، بل وصل إلى فرنسا، حيث سارعت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد ماري لوبن، بالترحيب بقرار الشعب البريطاني بالخروج، ودعت الشعب الفرنسيَّ إلى الاقتداء بنظيره البريطاني، ونحتت مصطلح «فريكست»، أي خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي. إلا أنَّ تلك الدعوة سرعان ما فقدت زخمها بعد أن بدأتِ النتائج السلبية لـ«بريكست» تتجلَّى في بريطانيا، حتى طواها النسيان. باختصار، كان «بريكست» نموذجاً قومياً شوفينياً كلاسيكياً بامتياز، اخترع ماضياً مجيداً وباع وهماً، والفاتورة يدفعها المواطن العادي.

«بريكست»، من جهة أخرى، لم يكن سهلاً على دول الاتحاد الأوروبي، بل كان ضربة موجعة غير متوقَّعة تلقّتها بروكسل على حين غرة. فخروج بريطانيا من الاتحاد يعني حرفياً فقدان عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، يملك قوة عسكرية معتبرة، ويحظى باقتصاد متقدم لا سيما في قطاع التقنية الإلكترونية، فضلاً عن كونه مقراً لأكبر سوق مالية في أوروبا.

بعد مرور عقد من الزمن، وبالمقاربة بين الحال البريطاني وأحوال دول الاتحاد الأوروبي، يتبين من الأرقام والإحصائيات الرسمية أن كفة كتلة بروكسل في الجرد العام ترجح بكثير كفة بريطانيا. الأمر الذي دعا كثيراً من الشخصيات السياسية والإعلامية البريطانية إلى التصريح بأنَّ «بريكست» كان خطأ. أكثر الخسائر تبدَّت في القطاع الاقتصادي بسبب الحواجز الجمركية التي فُرضت وتسببت في ارتفاع التكاليف والتأخير في الشحن لزوم الوقت اللازم للترتيبات الإدارية. الإحصاءات الرسمية تقول إن الاقتصاد البريطاني خسر ما بين 4 و6 في المائة من دخل الناتج العام، وانعكس ذلك سلباً على أموال الضرائب التي كانت تدخل الخزينة العامة، وتنفَق منها على مشاريع مختلفة.

اللافت للاهتمام أن أحزاب ورموز اليمين واليمين المتشدد لا تزال ترفض بعناد الاعتراف بالتأثيرات السلبية لـ«بريكست» على بريطانيا اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. ولا يزال قادته ومنظِّروه يشيّدون قصوراً على الرمال، ويزداد أتباعهم وأنصارهم عدداً.