هناك إحساس عام أو انطباع لدى كثيرين بأن الإنتاج الأدبي والثقافي عامةً في بلاد المغرب العربي، لم يبلغ في الكم أو في الكيف المستوى الذي يكون معه تراثاً معدوداً أو مذكوراً عند الحديث عن الثقافة العربية؛ لا في هذا العصر الحديث ولا في العصور التي مضت.
هذا الانطباع يظهر في قلة ما يُنشر أو يتداول في المشرق من هذا الإنتاج وفيما يُنشر عنه كذلك، إلا استثناءات قليلة ومتناثرة، وقد تبدو في نظر البعض امتداداً لإنتاج المشارقة، أكثر مما تشهد بوجود إبداع مغربي يعاصر الإبداع المشرقي، ويكافئه، ويكمله.
شعر أبي القاسم الشابي يقدم في كثير من الأحيان كأنه استثناء، وربما اعتُبر في كتابات أخرى امتداداً لشعر المشرق أو لجماعة «أبوللو» المصرية وللشعر المهجري، وليس إنتاجاً تونسياً مغربياً أصيلاً، وكأن عبقرية الشابي تنسبه للمشرق، ولا تنسبه لوطنه الذي نشأ فيه، وتربى، وظهرت فيه موهبته، وتأثرت بطبيعته وثقافته وعاداته وتقاليده، وكأن تونس أو المغرب عامةً ليس مؤهلاً لأن يظهر فيه الشابي، أو محمود المسعدي، أو الطاهر وطار، أو المجاطي، أو سواهم ممن يمكن أن يتطرق إليهم حديثنا.
من هنا خلت المؤلفات الصادرة في المشرق عن تاريخ الأدب العربي من أي حديث عن أدب المغرب. مؤرخو الأدب يتحدثون عن العصر الجاهلي، وينتقلون إلى صدر الإسلام والعصر الأموي، ثم إلى العصر العباسي، ثم إلى الأندلس، فالعصر التركي، ثم إلى العصر الحديث، فإن ذُكر المغرب فهو يُذكَر ضمناً في الحديث عن ابن خلدون الذي وُلد في تونس لعائلة أندلسية، وظل يتنقل بين مدن الأندلس والمغرب والمشرق حتى استقر في مصر.
هذه المسألة ليست جديدة بالنسبة لي، وإنما كانت واحدة من المسائل التي شغلتني في العقود الأخيرة التي نحتاج فيها لأنْ نكون معاً؛ خصوصاً وقد اختُصرت المسافات واختفت الحدود الفاصلة أو كادت، وأصبحت الأحداث والتطورات أخباراً مرئية منشورة متداولة، فضلاً عن ظروف خاصة أتاحت لي أن أتعرف على الأشقاء المغاربة وأزور بلادهم مرَّات، وأشارك في نشاطهم الثقافي، كما يشاركوننا هم أيضاً في نشاطنا، وأعاشرهم في فرنسا خلال السنوات التي قضيناها هناك، فأرى صورة أخرى تختلف تماماً عن الصورة الشائعة، بما تدل عليه من الجد والكفاءة والموهبة، جعلتني أتساءل عما نعرفه نحن المشارقة عن ثقافة أشقائنا المغاربة؟
إنهم يعرفون شعراءنا، وقصَّاصينا، ونقادنا، وممثلينا، ومطربينا، فماذا نعرف نحن من إنجازاتهم في مختلف ميادين الأدب والفن؟ وكان هذا بعض ما كتبتُ عنه منذ نحو أربعين سنة، ونشرته بعنوان «سؤال المغاربة للمشارقة»، وحول هذا السؤال الذي لا أعدُّه مطروحاً على المشتغلين بالثقافة وحدهم، وإنما هو مطروح بالفعل على الجميع؛ لأن الثقافة بالنسبة للعرب جميعاً شرط وجود، وهذا ما قلتُه من قبل وأعدتُ قوله، فلا بد من أن تشغلنا جميعاً، وأن تفرض علينا مراجعة هذا الانطباع السلبي عن الإنتاج الثقافي في أقطار المغرب العربي؛ لأنه لا يزال موجوداً؛ ليس فقط في الأوساط المشرقية؛ بل حتى في بعض الأوساط المغربية.
***
ومنذ أيام كنت أنظر فيما لدي من أدب المغرب العربي، فوجدت في مقالة مكتوبة حول الموضوع عبارات منسوبة لشاعر مغربي جدير بأن نعرفه في المشرق كما يعرفه المغرب، وهو أحمد المجاطي الذي كان يتحدث عن الشعر في وطنه، المغرب الأقصى، فيقول: «الشعر المغربي في شموليته كان متخلفاً في مختلف العصور السابقة بالنسبة للأقطار العربية الأخرى... أؤمن بأن المجتمع المغربي قضى عصوراً طويلة لم يستطع فيها أن ينجب شعراء حقيقيين»!
هذا الشعور الفادح بالألم يعتبره كاتب المقالة الذي استشهد بكلام المجاطي «وعياً فاجعاً»، ويؤكده باعتراف مماثل منسوب لشاعر مغربي آخر هو عبد الكريم الطبال الذي «تحدث عن حركة التحديث في المشرق العربي، فقال في نوع من المكاشفة التي تجمع إلى حرارة الاعتراف مرارة التسليم والاستكانة: (وجدتُ في هذه الحركة الخلاص لي وشعري)».
***
ثم إنني عدتُ للماضي أبحث في التراث عن أصل لهذا الانطباع، فوجدت ما يشير إلى أن هذا الانطباع كان حاضراً في الماضي أيضاً، وأن القدماء -أو بعضهم- كانوا يقارنون بين ما ينتجه المغاربة وما ينتجه المشارقة، ويفاضلون بين هؤلاء وهؤلاء، وكانوا يعبِّرون أحياناً عن شعور بأن حقهم مهضوم في المشرق. وهذا ما نجده خاصة في العصور التي انفصل فيها المغرب والأندلس عن المشرق من الناحية السياسية، وتحولت أقطارهم إلى ساحات حرب بين الأمراء الطامعين المتصارعين، وبين العرب والبربر، وبين هؤلاء جميعاً والفرنجة. وهكذا تراجع الوجود الإسلامي العربي في تلك الأقطار، واضطر أهل المدن التي سقطت في أيدي الفرنجة للهجرة، وساد الشعور الأليم بالقهر والخسارة، وبالحاجة الشديدة للدفاع عن النفس، وبالحنين للماضي، والتذكير بما قدمه الأندلسيون والمغاربة للحضارة العربية الإسلامية، وهذا ما نجده عند بعض النقاد المغاربة الذين لم يتحدثوا عما يمتاز به شعراؤهم فحسب؛ بل عبروا عن سخطهم وغضبهم في نقد عنيف لشعراء المشرق الكبار، كما نرى في كلام الناقد القيرواني ابن شرف عن امرئ القيس، وعن زهير، وعن أبي نواس، وعن المتنبي. وبوسع القراء الأعزاء أن يقرأوا ما قاله هذا الناقد في كتاب الدكتور إحسان عباس «تاريخ النقد العربي».
هذا العنف كان نوعاً من الدفاع عن النفس في مواجهة المشارقة الذين تجاهلوا الإنتاج المغربي، إلى الحد الذي أصبح فيه هذا التجاهل أمراً معتاداً حتى لدى المغاربة والأندلسيين الذين أصبحوا يتجاهلون أنفسهم في كثير مما كتبوه، ومنه كتاب الشاعر الناثر ابن عبد ربه «العقد الفريد» الذي يُعد من أمهات الكتب الموسوعية التي أحاطت بثقافة العصر في الأدب، وفي التاريخ، والأنساب، والأمثال، وفي الشعر والعروض، وحتى في الطب، وفي الموسيقى، وما تُرجم عن اليونان والفُرس، والهنود. وقد طُبع هذا الكتاب أخيراً، فكان خمسة مجلدات، عدد صفحاتها أكثر من ألف صفحة، لم يذكر فيها المؤلف الأندلسي وطنه بكلمة واحدة. وهذا ما أدهش المشارقة الذين اطَّلعوا على هذا الكنز فقالوا: «هذه بضاعتنا، رُدَّت إلينا!» وهذا خطأ نحتاج لتصحيحه.
وسوف نواصل.
