أمل عبد العزيز الهزاني
أستاذة في جامعة الملك سعود في السعودية. باحثة في علوم الوراثة الجزيئية. خبيرة في الإدارة الأكاديمية. كاتبة سياسية منذ عام 2009. كاتبة مقال أسبوعي في «الشرق الأوسط».
TT

خذلان إيراني للفصائل الفلسطينية.. أين المفاجأة؟

استمعنا إلى التسجيل المسرب الذي نشرت مضمونه صحيفة «الشرق الأوسط» للقيادي في حركة حماس، نائب رئيس المكتب التنفيذي موسى أبو مرزوق، وفيه باح عن مكنون صدره بصدق، عن مقدار الخذلان الذي تستشعره الحركة من إيران، مكذبًا مزاعمها بتقديم الدعم لقطاع غزة منذ 2009، وحانقًا من الضغوطات التي مورست عليهم لاتخاذ مواقف سياسية تصب في مصلحة الإيرانيين.
علينا أولاً أن نقر لحماس بقدرتها الهائلة على الصبر طوال هذه الأعوام دون أن تشتكي أو تغضب أو يظهر عليها الضيق من وعود كلامية فارغة وتصريحات دعائية إيرانية حول دعم المقاومة ونصرة الشعب الفلسطيني، وكيف تحكمت بكظم غيظها ستة أعوام وهي تستمع لخطب المرشد الأعلى علي خامنئي في الاحتفال السنوي ليوم القدس، يبيعهم الكلام بدلاً من السلاح، ويبعث لهم بالتحايا عوضًا عن الخبز.
ونعترف أيضًا لحماس بموقفها الإيجابي من القضية السورية والذي دفعها إلى فصم عروة الاتصال بينها وبين محور إيران - دمشق بخروجها من سوريا في 2012 بعد عام من اندلاع الثورة السورية بسبب رفضها تأييد نظام بشار الأسد في قمعه للثوار. إنما دون أن يغيب عن الاعتبار أن حماس بالنهاية حركة سياسية براغماتية، تسعى لتسويات تراعي مصالحها ولديها تطلعات في السلطة والعمل السياسي، والتسجيل المسرب يظهر أنها لم تكن تحظى بمساعدات إيرانية خلال فترة من إقامة قادتها في دمشق وتحديدًا بعد أن احتكرت السلطة لنفسها ونفذت انقلابًا على الفتحاويين وطردتهم من قطاع غزة في منتصف 2007، أي أنها لم تكن في أفضل حالاتها حينما خرجت، وجاءت الثورة السورية لتكون ذريعة لخروج يسجل لصالحها لدى دول الخليج ولدى غالبية الشارع العربي الذي استهجن غلظة نظام الأسد ضد المدنيين، وأيضًا للبحث عن حاضنة جديدة للمكتب السياسي والقيادات في ظل صعود نجم الإخوان المسلمين في مصر في 2012. فاختارت دولة قطر التي رحبت بإقامة دائمة لرئيس المكتب السياسي خالد مشعل وطاقمه، كما منحت مصر كذلك نائبه موسى أبو مرزوق إقامة دائمة.
أصاب الاعوجاج محور الممانعة مع أول هبة ريح، بامتحان الثورة السورية، وفوز الإخوان المسلمين بالانتخابات المصرية، هرولت قيادات حماس بعيدًا عن طهران ودمشق باتجاه ضفة الخليج، ومحاولة للتقرب من السعودية التي اتخذت موقفًا حازمًا ضدها بسبب نقضها لاتفاقية مكة التي تصالح عليها القطاع مع الضفة. لكن إيران التي كانت تتطلع لعلاقة جديدة مع مصر الإخوان لم تتخذ موقفًا تصادميًا من الحركة، وأبقت على علاقة فاترة، وقربت إليها غريمتها حركة الجهاد الإسلامي، التي حلت محل حماس في فريق الممانعة، ودعمتها إيران في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة في 2012 بعد أن أعلنت وقوفها مع بشار الأسد، فكانت ترسل إليها المعونات الغذائية لتوزعها على فقراء القطاع ممهورة بختم الجمهورية الإسلامية، وصرّح بعدها رمضان شلّح الأمين العام للحركة، الذي كان مقيمًا وقتها في طهران، تصريحه الشهير بأنه لولا دعم إيران ما انتصرت غزة! اليوم شلّح خرج مخذولاً مؤنّبًا من محل إقامته في طهران متوجهًا إلى بيروت، بعد أن خيره الإيرانيون بين التخلي عن الحياد وإعلان موقف داعم للحوثيين في اليمن ضد السعودية أو الطرد، فكان الاختيار الثاني. والحقيقة أن طهران بدأت بالتخلي عن الجهاد الإسلامي قبل حرب اليمن، فمثلما حرضت على الشقاق بين حماس والجهاد الإسلامي، عادت لتشق صف «الجهاديين» أنفسهم من خلال دعم فصيل منهم بالمال مقابل تشيعهم ونشر المذهب الشيعي في قطاع غزة، ما أغضب قادة «الجهاد» وزعزع ثقتهم بثبات الإيرانيين، وجعلهم يتمسكون بموقفهم من الحرب في اليمن بعدم التدخل في قرارات الدول العربية.
إيران ترى في الفصائل الفلسطينية أداة لضرب السنة بالسنة، من خلال استمالتهم ثم ابتزازهم، كما فعلت مع تنظيم القاعدة و«داعش»، تريد أن تحيل غزة إلى عراق آخر، كمستشفى للحجر الصحي، مرضى بالطائفية وأطباء عاجزين. لذلك رتب حزب الله لمصالحة بين حماس وإيران في لبنان خلال الأسابيع المقبلة، يحاولون إقناعهم بأن إيران بعد توقيع الاتفاق النووي ستكون أكثر قوة وقدرة على تأمينهم ماليًا. المشكلة أن هذه الفصائل رغم أنها تعلم أن إيران، كما قال أبو مرزوق في التسجيل المسرب تتعامل بدهاء سياسي وكاذبة، لكنها لا تتعلم من خيباتها المتلاحقة، وتعمل هي الأخرى بمبدأ الانتهازية للحصول على مكاسب سياسية أو مصالح ضيقة مؤقتة. حركة حماس وكل الفصائل الفلسطينية تعلم من صديقها ومن عدوها، لكنها تاهت وأضاعت طريقها بعد أن بدلت أهدافها.
حينما اغتيل الشيخ أحمد ياسين لم تفقد الحركة قائدًا سياسيًا فحسب، بل أبًا روحيًا وملهمًا، اختلفنا معه أو اتفقنا، لا يستطيع أحد أن يشكك في سمو هدفه ونيته الخالصة للمقاومة دون النظر في التكسب الشخصي. المقاومة اليوم تحولت إلى خطبة من خطب الثورة الإسلامية، تم مسحها من الخريطة بدلاً عن مسح إسرائيل. الفصائل الفلسطينية اختارت الصف الإيراني وكان عليها أن تتحمل النتائج. لقد خسروا من قطيعة السعوديين ما هو أهم من المال، خسروا تضامنًا سياسيًا في المحافل الدولية، واحترام السواد الأعظم من العرب والمسلمين.

[email protected]



عاجل ترمب: إسرائيل و«حزب الله» سيوقفان الهجمات المتبادلة