يوسف الديني
باحث سعودي ومستشار فكري. درس العلوم السياسية والإسلاميات التطبيقية، وعمل بالصحافة منذ عام 1999، وكاتب رأي في «الشرق الأوسط» منذ 2005، له كتب وبحوث ناقدة لجذور الإرهاب والتطرف والحركات والمنظمات الإرهابية في المنطقة. كتب عشرات الأبحاث المحكمة لمراكز بحثية دولية، ونشرت في كتب عن الإسلام السياسي والحاكمية والتطرف ومعضلة الإرهاب، وساهم بشكل فعال في العديد من المؤتمرات حول العالم.
TT

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

استمع إلى المقالة

مع كل استهداف أرعنَ من ميليشيا الحوثي الإرهابية يتجدد السؤال: لماذا تصبر السعودية على هذه الميليشيات، مع التفاوت الكبير في موازين القوة بين دولة من أقوى دول المنطقة، وميليشيا تتقنع بشكل الدولة والسياسة، لكنَّها تمارس أسلوب التنظيمات المارقة؟ يَفترض هذا السؤال أن الحسم العسكري يُقاس بحجم الضربات، وأنَّ الدولة الأقوى مطالَبة باستنفاد قوتها كلما استفزتها كيانات دون الدولة. لكن تجارب العقود الماضية أثبتت أنَّ الميليشيات لا تُستأصل بالضربات الانتقامية وحدها، بل أيضاً بإسقاط مشروعها وفكرتها وتجفيف الذرائع التي تتغذى عليها. فكثيراً ما تمنح القوة التي تُطلق بدافع الثأر أو ردة الفعل خصمها ما عجز عن انتزاعه بنفسه: «المظلومية».

السعودية تأبى طريق الانتقام عن إرادة وقدرة لا عن عجز، مستندةً إلى خبرة 300 سنة في التعامل مع التحديات. وقد عبّر الملك عبد العزيز -طيَّب الله ثراه- عن هذا النهج بقوله: «ألا أبدأ أحداً بالعدوان؛ بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً، حتى إذا لم يبقَ للصبر مكاناً ضربت ضربتي فكانت القاضية».

وهذه الفكرة تناولها مفكرون وكتاب كثيرون؛ والأرقام تدعمها. فحسب دراسة مؤسسة «راند» عن نهايات الجماعات الإرهابية (2008)، ومن بين 268 جماعة مسلحة وتنظيماً إرهابياً بين عامي 1968 و2006، انتهت 43 في المائة منها بسبب الانخراط في العملية السياسية، و40 في المائة بجهود الشرطة والاستخبارات، بينما لم تتجاوز نسبة الجماعات التي أنهتها القوة العسكرية 7 في المائة. أي إن الحسم كان غالباً حصيلة مزيج من الردع والسياسة والأمن، لا الاستئصال العسكري وحده.

تمثل ميليشيا الحوثي خطراً بالغاً بسبب ارتهانها لمشروع خارج حدود اليمن، وتلبسها شكل اللاعب السياسي، فيما اختطفت اليمن وموارده ومؤسساته. وهي تمارس الاستئصال في الداخل اليمني، وتحشد السكان في مناطق سيطرتها قسراً، وتستهدف السعودية ظناً منها أن رفع التكلفة يعيدها إلى طاولة الحوار، رغم أنها لا تملك لليمن مشروعاً سوى الحرب والمعاناة. وهي اليوم تحاصر مدينة تعز، بما يشكل جريمة حرب وكارثة إنسانية استدعت نداءات دولية، بينها مناشدة بابا الفاتيكان!

وتراهن الميليشيا على استدراج «التحالف» إلى ضربات شاملة تصنع منها ضحية وتمنحها مظلومية زائفة تغطي بها فشلها وجرائمها. لذلك تزج بالأبرياء في المواجهة، وتحتمي بالمدنيين، وتنصب منصات الصواريخ بين المساكن، وتجنّد الأطفال، وتحوِّل المرافق المدنية إلى مخازن للسلاح. وهذه السلوكيات لا تعبِّر عن القوة، بل عن رهان على تقييد قدرة الدولة على الرد.

وقدمت الولايات المتحدة بعد «الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)» نموذجاً واضحاً لتكلفة فائض القوة حين يُستخدم بدافع الثأر ورد الاعتبار. فقد تحولت الصدمة إلى عقيدة حرب مفتوحة، قُدرت تكلفتها بنحو ثمانية تريليونات دولار، وأكثر من 900 ألف قتيل بالعنف المباشر، بينهم نحو 387 ألف مدني، و38 مليون نازح. وفي العراق، أدى حل الجيش واجتثاث مؤسسات الدولة إلى فراغٍ أسهمَ في ظهور تنظيم «داعش» والميليشيات الموالية لطهران. وبعد عشرين عاماً في أفغانستان، عادت «طالبان» إلى كابل عقب انسحاب أميركي درامي.

وانتهجت إسرائيل ذهنية الانتقام نفسها؛ فاجتياح لبنان عام 1982 لاقتلاع منظمة التحرير مهّد لولادة «حزب الله»، كما أن الضغط على غزة والضفة لم يُنهِ «حماس». وبعد «السابع من أكتوبر (تشرين الأول)» 2023 جاءت الحرب بحصيلة تجاوزت 72 ألف قتيل، وعزلة دولية غير مسبوقة، من دون تصور واضح لليوم التالي، وبقاء «حماس» تنظيماً وفكرةً.

لم تنظر المملكة إلى اليمن يوماً بوصفه ساحة حرب، بل عمقاً وجواراً ومصيراً مشتركاً. يقيم على أراضيها نحو مليوني يمني يعيشون ويعملون مكرّمين بين أهلهم. وقدمت للمناطق المحررة نحو 27.7 مليار دولار، من الودائع إلى المستشفيات والطرق والكهرباء. كما احتضنت الشرعية اليمنية عشر سنوات، وفتحت أمام الحوثيين باب التسوية مرة بعد مرة، حرصاً على دماء اليمنيين وألا تمنح الميليشيا مظلومية تتاجر بها.

غير أن لصبر الدول حدوداً. فحين تتمادى الميليشيا في استهداف الأمن الإقليمي والملاحة، يصبح الحسم ضرورة، وهنا يظهر الفارق الكبير بين منطق الدولة العريقة ورعونة الميليشيا الإرهابية، فالدولة تحسم ولا تنتقم، وتضرب من يهدد أمنها بيد من حديد، حمايةً لليمنيين وشرعيتهم حتى استعادة دولتهم. وهذا هو الفرق بين فائض القوة الذي ينتج الخراب، وعقلنة القوة التي تريد لليمن أن ينهض مجدداً لا أن يُمحى.

باختصار؛ القوة التي لا تقودها الحكمة تصنع أعداءها، أما القوة التي تحكمها القيم وأخلاق الجوار، والتفكير في العواقب فحتماً تصنع السلام... وإنْ تأخَّر.