لقد ظل موضوع القدرات الاتصالية للقادة السياسيين محل اهتمام عالمي كبير على مدى التاريخ، وضمن هذا الاهتمام ظهر ميراث متراكم من الأدبيات، التي عالجت هذه القدرات، وتأثيرها الحاسم في فرص القادة، وإمكانية تحقيق أهدافهم.
وفي صفحات هذا الميراث ستُضرب الأمثال بقادة عالميين استطاعوا من خلال إتقان المهارات الاتصالية أن يحققوا اختراقات كبيرة، عوّضت كثيراً مما افتقدوه على صعيد السياسة، والتمكن من أدوات الحكم.
وعلى سبيل المثال، فإن أكاديميين وسياسيين أميركيين بارزين رأوا أن الرئيس الأسبق رونالد ريغان يستحق كثيراً من الألقاب، لما امتازت به فترتا رئاسته للبلاد من إنجازات، غير أن أكثر الألقاب التي يرون أنها عبّرت عن مناقبه ليس سوى لقب «المتصل العظيم» (The Great Communicator).
ينسحب هذا بالطبع على الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي يُنظر إلى قدراته الاتصالية بوصفها أحد أهم مقومات بروزه، بل إن البعض يرى أن نجاحه في الوصول إلى موقع الرئاسة جاء على رافعة الخطابة، وليس بسبب قدراته السياسية والعلمية.
والشاهد أن الحديث إلى العموم، والظهور عبر وسائل الإعلام يعدان من أهم وسائل الاتصال التي يستخدمها القادة والسياسيون، رغم ما طرأ من تغيّر على طبيعة الاتصال الحكومي، وظهور المستجدات التكنولوجية؛ وفي القلب منها وسائل «التواصل الاجتماعي».
لكنّ الرئيس دونالد ترمب، الذي يحمل خبرة إعلامية عميقة، جاء ليأخذ هذا الميراث إلى مرحلة جديدة تماماً. وفي تجربته سنلاحظ أنه يمتلك استراتيجية صلبة ومتكاملة للتعامل مع الوسط الاتصالي والإعلامي؛ ومن عناصر هذه الاستراتيجية ضرب الخصوم والناقدين الإعلاميين بقسوة ومن دون حساب للعواقب. وشغل المسرح الإعلامي على مدار الساعة من دون توقف أو فرصة لالتقاط الأنفاس. وتطوير أدواته الاتصالية الخاصة ليتحدث إلى الجمهور مباشرة من دون وسيط. وأخيراً وليس آخراً، تأطير الوقائع وتنميط السياسات، بما يعزز نهجه ويُنفذ إرادته، ثم فرض ذلك على الأطراف الفاعلة في عملية الاتصال كافة.
نعم، لا يتوقف ترمب عن تأطير الوقائع والسياسات، وتنميطها على النحو الذي يروق له، ويحقق مراميه، وأحدث مثال على ذلك يتجسد في الأمر التنفيذي الذي وقّعه، في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، الذي ينص على إلزام المؤسسات الحكومية الأميركية باستخدام مصطلح «الذكاء الفائق» (Super Intelligence)، بدلاً من مصطلح «الذكاء الاصطناعي» (Artificial Intelligence)، وهو الأمر الذي أتبعه، قبل أيام قليلة، بتصريح على منصته الخاصة «تروث سوشيال»، يقول فيه إن «من لا يلتزمون باعتماد مصطلح (الذكاء الفائق) بدلاً من (الذكاء الاصطناعي) سيُعاملون بوصفهم أعداء».
يستخدم ترمب في هذه الحالة مزيجاً ضارباً من قدراته السياسية والاتصالية لإدراك هدف معين؛ فهو يُسخّر صلاحياته السياسية عبر توقيع أمر تنفيذي يُجبر المؤسسات الرسمية على استخدام مصطلح «الذكاء الفائق» أولاً، ثم يستخدم قدراته الاتصالية في الترويج لهذا المصطلح، ويزيد على ذلك التهديد بمعاداة كل من لا يلتزم أو ينصاع ثانياً.
ليست هذه مشكلة تحريرية تخص مصطلحاً وجد طريقه إلى صدر قائمة الاهتمامات العالمية، وليست مجرد محاولة شكلية لتحسين طريقة عرض تطورات «الذكاء الاصطناعي» المُذهلة والمُتسارعة، لكنها طريقة ترمب لتعزيز نهجه ومصالحه السياسية إزاء قدرات هذا الذكاء ومستقبله.
وعندما يمتثل العالم إلى أمر سيد البيت الأبيض، وينصاع مخافة تهديده، ويستخدم مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من المصطلح الأدق (الذكاء الاصطناعي)، فإن ذلك سيحقق ثلاثة أهداف؛ أولها إعادة تسويق تلك التكنولوجيا المثيرة للجدل، وتحسين صورتها لدى الجمهور، بما يُسوغ الاندفاع في الإنفاق السخي على تطويرها. وثانيها تقديم هذا التطور التكنولوجي بوصفه «انتصاراً أميركياً» يحتاج إليه العالم ويقدره ولا يرتاب في نتائجه. وثالثها تهيئة المناخ السياسي والصناعي للتوسع في عمليات تطوير تلك الأداة الجديدة، وتقليل القيود على تعزيزها، وتسخيف أي محاولة نقدية لمراجعة مخاطرها، أو كبح جموحها، عبر التنظيم والضبط اللازمين.
يريد ترمب أن يجعل العالم يستخدم مصطلح «الذكاء الفائق» عند الإشارة إلى «الذكاء الاصطناعي» لكي يحقق هدفاً رمزياً ستكون له مفاعيل كبيرة وواضحة في الواقع؛ إذ يهدف إلى استخدام عنوان يُوحي بالتفوق والريادة والقدرة على تجاوز الحدود المألوفة، بدلاً من عنوان تقني، يشير إلى تطور علمي، له مزايا كبيرة وسلبيات كثيرة أيضاً، ويثور في شأنه جدل عالمي لا يتوقف، يحمل في طياته تحذيرات من خسائر، بل ومخاوف من تهديد ينال الوجود البشري ذاته.
«الذكاء الاصطناعي» هو التعبير الأدق والأكثر ملاءمة الذي يحظى بتوافق علمي على استخدامه، و«الذكاء الفائق» هو مصطلح سياسي، له أهداف عملية تخص ترمب، الذي يستخدم طاقاته السياسية والاتصالية كلها لكي يجبر العالم على اعتماده. وتلك بعض ملامح استراتيجية الرئيس الأميركي الاتصالية وطريقته في معالجة الأمور.
