د. عبد المنعم سعيد
عضو مجلس الشيوخ المصري حالياً، ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة المصري اليوم» الصحافية في القاهرة، ورئيس اللجنة الاستشارية لـ«المجلس المصري للدراسات الاستراتيجية»، وسابقاً كان رئيساً لمجلس إدارة «مؤسسة الأهرام» الصحافية، و«مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية»، و«المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية»، وعضو مجلس الشورى المصري. كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ عام 2004، و«الأهرام» و«المصري اليوم»... وعدد من الصحف العربية. أكاديمي في الجامعات والمعاهد المصرية، وزميل زائر في جامعة «برانديز» الأميركية، ومؤلف للعديد من الكتب.
TT

التفكير في الحرب الأبدية

استمع إلى المقالة

«الحرب الأبدية» تعني الحرب التي ليست لها نهاية، وهو تعبير فيه إدانة للإدارات الأميركية المتعاقبة التي تورطت في مثل هذه الأحداث الجسام. أول من عرفتُهم في استخدام التعبير كان الرئيس جو بايدن الذي عزم ونفذ الخروج الأميركي من أفغانستان لكي يتولى أمرها تنظيم «طالبان» بعد عشرين عاماً من غزو الدولة وطرد حكامها بعيداً عن السلطة في كابل. التعبير أخذ صفات سلبية كثيرة من الرئيس دونالد ترمب بوصفه الفعل الفاشل الذي وقعت فيه الولايات المتحدة في عهود ديمقراطية؛ فهكذا بدا الأمر في فيتنام التي بقيت فيها قرابة عقد في حرب مستمرة.

أصبحت الدوائر الأميركية المختلفة، تتساءل خصوصاً في ساحات العلاقات الدولية والنظام الدولي، وما شابه ذلك عمّا إذا كانت الحرب الجارية في الشرق الأوسط باتت واحدة من هذه الحروب التي بدأت بحرب غزة الخامسة، وأطلت على حرب الخليج الرابعة، وأصبحت الحرب الأميركية - الإيرانية، التي توسعت إقليمياً إلى المضائق البحرية، والاقتصاد العالمي الذي أصابته نكسةُ الطاقة بعوار شديد، بينما في الواقع فإنه ينبئ باستمرار أبدي أو طويل بالمعايير التاريخية.

لفت نظري من بين مقالات دوريات «الشؤون الخارجية» و«السياسة الخارجية» و«أتلانتك» وغيرها «البودكاست ثلاثة مخرجات» الذي يقوم به لين ثومان، وعقده مع روبرت كاغان فيلسوف التاريخ في مؤسسة «بروكينغز».

وفي الجولة الأولى بين السائل والمسؤول كانت الخلاصة أن الولايات المتحدة تفعل ما فعلته جميع القوى العظمى في التاريخ، بل إن ذلك كان مطروحاً قبل قيام الثورة الأميركية التي حملت في داخلها نوايا توسعية امتدت بالفعل إلى شبه قارة بين المحيطَين الأطلسي شرقاً، والمقابل غرباً، الباسفيكي.

وهكذا كانت الدولة الأميركية وما فعلته في كوبا والفلبين وهايتي وكوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان؛ والآن في فنزويلا وإيران. هذا السجل لا يزيد عما فعلته بريطانيا العظمى على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. وكذلك كان الفعل لأسباب دفاعية حينما يُخشى من خطر آيديولوجي مثل النازية الألمانية، أو خطر من السلاح النووي مثلما كان مع العراق والآن مع إيران؛ وأحياناً لكي تحل معضلة من معضلات العالم وفي الطريق فإنها تعبر عن رفضها للإمبريالية، ولكنها في الواقع لا تمانع من إقامة إمبراطورية. الناتج كان أحياناً ناجحاً في أوروبا وآسيا؛ حيث لا تزال القواعد العسكرية الأميركية قائمة في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، وانتهت النازية من الأولى، والعسكرية من الثانية، وانتهت الحرب الأهلية الكورية من الثالثة، حيث القواعد تعبر عن توازن القوى مع كوريا الشمالية، والاتحاد السوفياتي سابقاً، والصين حاضراً.

ومن وجهة النظر الأميركية فإن هذه الدول باتت ديمقراطية ومزدهرة وناجحة.

في الشرق الأوسط، فإن السجل لم يكن بهذا النجاح، حيث التدخل الأميركي يصبح نوعاً من التورط، حيث البيئة السياسية والاجتماعية لا تقبل به. وإلى هذه النقطة ينتهي حديث روبرت كاغان، ويأتي النقاش في الشرق الأوسط. وإذا كانت أميركا قد خرجت من أفغانستان في العهد الديمقراطي فإنها في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي خرجت تماماً من العراق، حيث النظام السياسي يقوم على «المحاصصة»، وحيث توجد الميليشيات العراقية على كثرتها.

إلى أي مدى كان الغزو الأميركي للعراق مؤثراً في الطريقة الأوروبية والآسيوية، والذي تم مرة لتحرير الكويت، ومرة أخرى لإسقاط نظام صدام حسين بتهمة المشاركة في أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، والسعي إلى السلاح النووي والذي في الحالتين لم يثبت له برهان.

الآن فإن المسألة الأميركية - الشرق أوسطية باتت أكثر تعقيداً، حيث لم تأتِ إسرائيل إلى «بودكاست» ثومان مع كاغان، ولم يُسجَّل الاحتلال، ولا غارة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولا رد الفعل الذي ذهب إلى القتل الجماعي والدفع إلى التطهير العرقي.

الحرب الجارية في الشرق الأوسط تشمل قطاعين من المجالات الإقليمية الممتدة في مسرح العمليات بين الخليج العربي والبحر الأحمر، والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط؛ وفي هذين فإن العراق يوجد في موضع بالغ الحرج.

فهو من ناحية حصل الآن على الخروج الأميركي من حالة احتلال استمر من أجل قيادة تحالف حرب أخرى على إرهاب «داعش»، ولكنه من ناحية أخرى يواجه التحدي الإيراني الذي هو فضلاً عن التهديد «الجيو سياسي واستراتيجي» لحالة الجوار، فإنه في ظل قيادة جديدة وشابة لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي عليه أولاً أن ينجي العراق من تناقضات المرحلة الانتقالية؛ وثانياً أن يعيش التوازن بين إيران والولايات المتحدة في ظل توترات وحروب!