د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

من العداء مع الصحافة إلى الاستغناء عنها!

استمع إلى المقالة

ليس من الصعب على أي باحث مُدقق أن يكتشف ملامح تلك العلاقة المُلتبسة بين القادة السياسيين والإعلام على مر التاريخ؛ بل من السهل أيضاً إثبات أن عدداً كبيراً من هؤلاء القادة وجَّه سهام النقد الحادة للمنظومات الإعلامية الفاعلة في عصره، فضلاً –بالطبع- عن الإجراءات الخشنة والممارسات التقييدية التي تُتخذ ضد الصحافة والصحافيين عند احتدام الأزمات.

وعلى سبيل المثال؛ فقد قال السلطان العثماني عبد الحميد، من منفاه بعد عزله: «لو عُدت إلى قصري، لوضعت محرري الجرائد كلهم في أتون من الكبريت»، وكذلك فعل القيصر نيقولا الثاني؛ الذي قال: «جميل أنت أيها القلم، ولكنك أقبح من الشيطان في مملكتي».

أما القائد الفرنسي الأسطوري نابليون بونابرت، فقد نُسب إليه في إطار رؤيته للصحافة قوله: «أخشى 3 جرائد أكثر من خشيتي مائة ألف حربة»، بينما شنَّت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مارغريت ثاتشر، هجومها الأشهر على وسائل الإعلام، في ظل مواجهة بلادها هجمات مسلحة من الجيش الجمهوري الآيرلندي، حين قالت: «الصحافة توفر الأوكسجين للإرهاب».

لكن هذه المشاعر العدائية التي تراكمت لدى عدد من القادة السياسيين ضد الصحافة عبر التاريخ، لم تُترجَم في صيغة واحدة، ولم تقف عن حد الانتقادات اللاذعة والتقريع واللوم.

وفي عالمنا المعاصر، توزَّعت تلك المشاعر على جملة من السياسات المتفاوتة، وإن كانت تصب كلها في مجرى احتقار الصحافة، أو تقييد عملها، أو ترويعها، وجعل ممارستها أمراً محفوفاً بالمخاطر أحياناً.

لدينا مثلاً أنموذج بوتين، الذي استخدم منظومة قانونية كاملة تحت عناوين مثل: «مكافحة الإرهاب»، و«مقاومة الانفصال»، و«حماية الأمن القومي»، من أجل «ضبط» المنظومة الإعلامية، وبقائها ضمن حدود «غير مُزعجة».

وثمة أنموذج آخر اتبعه عدد من القادة -مثل الرئيس التشيكي ميلوش زيمان، ونظيره السلوفاكي روبرت فيكو- وهو الأنموذج الذي يعتمد هجمات سياسية حادة، وتوبيخاً، وتلطيخاً لسمعة عدد من الصحافيين ووسائل الإعلام، بشكل يزرع عدم الثقة في المُنتَج الإعلامي، ويقيِّد الأداء المهني.

لكن قادة آخرين -مثل الرئيس المجري فيكتور أوربان- عمدوا إلى أنموذج جديد؛ وهو أنموذج يعتمد على إعادة صياغة ملكية المؤسسات الإعلامية النافذة، بما يجعلها مملوكة لموالين أو لمؤسسات قريبة من الحكومة؛ ومن ثَمَّ يتم التحكم في التوجهات العامة لتلك المؤسسات، وإلزامها خطاً تحريرياً معيناً، يساند القائد، أو على الأقل لا يكون مصدر إزعاج له.

لكن ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في هذا الصدد يظل اختراقاً نادراً في هذا المجال بامتياز.

لم يكتفِ ترمب بتوبيخ الصحافيين، وإهانتهم علناً، وشَتْمهم بأبشع الألفاظ. ولم يكتفِ أيضاً بمهاجمة وسائل إعلام رئيسة، واتهامها بأنها «منصات مُضللة»، و«مروجة للأكاذيب»، و«منحازة للديمقراطيين»؛ بل ذهب إلى أبعد من هذا بمراحل، حينما راح يطرد صحافيين من لقاءاته في البيت الأبيض، أو يمتنع عن الرد على أسئلتهم، بعدما يوجِّه إليهم أوصافاً تَسِمُهم بـ«الغباء أو العمالة».

وأخيراً وليس آخراً، فقد عمد ترمب إلى منع بعض وسائل الإعلام الكبرى من حقها في تغطية أخبار البيت الأبيض، وحضور المؤتمرات الصحافية، وتوجيه الأسئلة إلى الرئيس وفريقه.

أما جديد ترمب في هذا الصدد، فيمكن وصفه بأنه محاولته لتغيير «قواعد الاشتباك» تلك تماماً؛ إذ يسعى إلى الانتقال من مرحلة «العداء مع الصحافة» إلى مرحلة «الاستغناء عن الصحافة»، وهو يفعل ذلك وفق سياسة مرسومة، وأجندة مُحكَمة، وبدأب شديد.

فقد بدأ ترمب سياسة تستهدف «امتلاك البنية الإعلامية للاتصال الرئاسي»، عبر «إعادة توزيع السلطة الاتصالية» لتتركز في أيدي الرئيس وفريقه، بدلاً من توزُّعها على المنصَّات ذات التوجهات المختلفة والسياسات التحريرية المتباينة.

فبعد امتلاكه منصة «تروث سوشيال»، ومنصة البث «تروث سوشيال بلَس»، لكي يخاطب الجمهور مباشرة من خلالهما من دون أي وسيط، تم الإعلان في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، عن إطلاق «ترمب تي في»، الذي يتجسَّد في قناة بث حكومي، تقدم مواد مصورة عن نشاط الرئيس وأقواله، لتضحَى قناة توزيع مرئية مستمرة، تتجاوز الحاجة إلى الوسيط أو «حارس البوابة» التقليدي في المنصات الإعلامية الأخرى.

وبصرف النظر عن مدى نجاح تلك البنية الإعلامية الرئاسية؛ فإن اللجوء إلى هذا الخيار يعني -ببساطة- تحولاً جوهرياً في علاقة السلطة بالإعلام. فبعد الثلاثية التقليدية التي كانت الخطابات الحكومية تنتقل فيها من السُّلطة إلى الصحافة ثم تصل إلى الجمهور، يريد ترمب لهذه الثلاثية أن تكون من السُّلطة إلى المنصات الخاصة بها إلى الجمهور.

ماذا يعني هذا؟ يعني أننا في عصر جديد للاتصال الحكومي، قد يبلغ أهدافه يوماً، بما يُقوض كثيراً من وظائف الصحافة، ويُضعف أهميتها.