فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

سياسات التنمية... وانتصار «قوّة الفرح»

استمع إلى المقالة

لو تأمّلنا بعض المواقف المصاحبة لكلّ فعاليّة فرِحة، سواء أكانت رياضيّة أم فنيّة أم ثقافيّة، لعثرنا على بعض المحاولات المعادية المكررة التي تصاغ بحبر مسموم على كراريس لمنظّرين في مجاميع تيارات التشويش، ومن قلب كهوف التشغيب. وكلها تبثّ من منصات مناوئة ذات جذور آيديولوجية تعادي مفهوم الدولة وبرامجها التنموية.

مثلاً، مع بدء إعلان بطولة «كأس الخليج» تصاعدت بعض الأصوات التي تُشكك في إمكانية الإقبال الجماهيري بسبب العدوان الآثم المجرم من قبل ميليشيات الحوثي الإرهابية المارقة.

ولكن أثبتت القدرات والقوى الفعّالة السياسية والأمنيّة والحكومية والتنظيمية أن الدولة قادرة على إتمام أضخم فعاليّة بأمن وطمأنينة، فبعض المباريات تجاوز جمهورها الأربعين ألف متفرّج.

والآن نحن على أبواب برامج فرح إبداعية استثنائية سنويّة تتوّج في «موسم الرياض»، الذي سينطلق في الحادي والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وهو مهرجان يلبي أذواق الناس ببرامجه المتكاملة التي تغذّي خيارات كل فئات المجتمع؛ صغيرهم وكبيرهم، وبكلّ أناقة وتفوّق وأريحية، وهذا المهرجان تعبير أصيل عن القوّة التنموية والعزيمة على تغذية المدن بالحياة والعمران والرفاه.

إن المجتمع ينتظر المهرجان بشغف؛ لأنه يعبر عن مناخ تنموي، وكل صعودٍ في أي مجال من مجالات الحياة يعني، بالضرورة، تفوّق أفكار الحياة على ثقافة الكراهية والعداوة، وعلى ما يناقض المباحات والجماليات. والحق أن علينا هجر خطاب العداوة للحياة، وعدم الإنصات إليه.

نعم، يجب علينا أن نفرح؛ هكذا يصرّ الحكماء.

على سبيل المثال، فإن المتأمل والكاتب الفرنسي فريدريك لونوار، تجلّت تجربته في كتيّب مفعمٍ بالتجربة، عنونَهُ بـ«قوّة الفرح»، وطُبع بالعربية بترجمة من أيمن عبد الهادي. وقد خصّص المؤلف فصلاً كاملاً لمعاني «تنفّس الفرح». ويقوم بلوغ حالات الفرح، كما يذكر في الصفحة الأولى من تمهيده، على ثلاثة أسس تتمثل في الانتباه، والحضور، وثقة القلب وانفتاحه.

ويتساءل لونوار: «أليس بوسعنا بالفعل، ومن خلال حالة نفسية محددة، أن نعزّز ظهور الأفراح الحقيقية؟! في الواقع، استطعت أن ألاحظ أن ثمة حالة نفسية، وعدداً من المواقف، وطريقة في الوجود، تسمح لنا بتهيئة الأرض الخصبة الملائمة لاستقبال الفرح».

ما يشغلنا عن الفرح هو عدم الانتباه، ويقول: «إن الانتباه هو الذي يصلنا بالحواس. تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم، وهكذا يختنق ذهننا، ولا نعود منتبهين بحالٍ من الأحوال لحياتنا. نعمل ونحن نفكّر في شيء آخر، في تناول العشاء مساءً أو في إجازة نهاية الأسبوع المقبلة. نعدّ الطعام، لكن ترحل أفكارنا إلى الملفات المتكوّمة على مكتبنا... ينطلق الفرح غالباً عبر تجربة حسّية؛ فلو شاهدنا المنظر الطبيعي نفسه ونحن منتبهون لتناغم الأشكال، وللمنظور، وللألوان، وللنور، وللروائح، وللأصوات أو للصمت، ربما يكون بوسعنا، لأنه ما من شيء مضمون، أن نشعر بالفرح يغزونا؛ لأن جمال الطبيعة يؤثّر فينا بقوة. لقد وُلدت أكبر الأفراح التي شعرت بها في حياتي على هذا النحو... تتيقّظ حواسي حين أتنزّه؛ أتابع شعاع نور بين الأشجار المتشابكة، وحركة موجة على المحيط، ومنظوراً ينفتح فجأة على مجموعة تتسلّق أحد الجبال، ويحدث لي كثيراً أن أستمع إلى الموسيقى بينما أعمل، أو حين يشغلني أمر ما».

الخلاصة أن الفرح جزء دنيوي أصيل، وشريك في تحقيق الإبداعات والإنجازات، ومفيد لكل فئات المجتمع، أيّ مجتمعٍ كان، فحين يتسلّى الإنسان فإنه يشعر بحيويته في المجال العام، وهذا ينعكس إيجاباً على العلم والعمل، حين يرى الفرد معنى «إتاحة المباح» في واقعه يشعر بالرضا.

علينا أن ننصت إلى دواخلنا الأصيلة التي نمت وترعرعت على إرث أجداد لطالما عاشوا الأهازيج والفرح والبهجة ونثروا الفنون، أما المرجفون في المدينة، والمشاغبون، فهم صوت بلا قيمة، فلتفرح مجتمعاتنا ببرامجها الطيبة الخلّاقة، ولتعلم أن هذه النّعم عنوانٌ أساسي من عناوين الطمأنينة والاستقرار والرفاه وتثبيت الازدهار.