كان الفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشه، الذي عاش في القرنين التاسع عشر والعشرين، أحد الفلاسفة الذين اهتموا بفكرة التاريخ؛ وفي هذا الصدد أطلق مقولته المركزية التي تفيد بأن «كل تاريخ هو تاريخ معاصر»؛ بمعنى أن الحاضر -باهتماماته ورؤاه وأسئلته- يؤثر تأثيراً حاكماً في الطريقة التي نستعيد بها التاريخ ونفسره.
أما المؤرخ الإنجليزي إدوارد هاليت كار، فقد رأى في كتابه «ما التاريخ؟» أن «التاريخ ليس سوى عملية تفاعل مستمرة بين المؤرخ والوقائع التاريخية، وحوار غير منقطع بين الحاضر والماضي». وهو نهج في معالجة فهمنا لتلك الوقائع لا يبتعد كثيراً عن إسهامات مفكرين كبار من طراز هيغل وفيكو، اللذين ذهبا أيضاً إلى معالجة الطريقة التي تُنتِج بها المجتمعات أنظمة معينة للخطاب والمعرفة بخصوص ماضيها وصلته بالحاضر المعيش.
ليس ذلك عرضاً نظرياً لأدبيَّات علاقة التاريخ بالحاضر، ولا تفسيراً للأساليب التي تتبعها المجتمعات لفهم ماضيها، ولكنه محاولة لإدراك حقيقة أن التاريخ يكتبه الحاضر، بعدما يعيد النظر في الوقائع الثابتة؛ لكن من زوايا مختلفة وبمصالح ورؤى متباينة ولأهداف مُحددة.
ومن يهتم بمتابعة ما يفيض به المجال الإعلامي العربي اليوم من مقاربات للأحداث والأفكار، سيلاحظ جملة من السِّمات الفارقة:
أولاها أن ثمة تحوّلاً لافتاً في وظيفة الحوار الإعلامي نفسه، الذي يبدو أنه ينتقل باطِّراد من مهمة تفسير الحاضر إلى محاولة إعادة صياغة الماضي وتأويله. ولأسباب كثيرة، بات أكثر الأسئلة التي تتدافع بنهم عبر منصَّات «البودكاست» و«التوك شو» والحوارات المرئية والمكتوبة يتعلق بـ«ماذا حدث؟» وليس «ماذا يحدث؟».
وثانيتها أن الاهتمام المتصاعد بالتاريخ يجتهد لكي يحوِّله بديلاً عن الاهتمام المُستحَق والمُفترَض بالحاضر، وأن الوقائع التاريخية، وشخوصها الفاعلة، لا تُستدعَى فقط لفهم الحاضر -كما كان يقول كروتشه- ولكنها تأتي لتعويض نقص القدرة على مقاربة الحاضر بقضاياه وأحداثه المُلتبسة والحساسة.
أما ثالثة تلك السمات فتتعلق بطبقة جديدة ظهرت وتكرَّس حضورها على المنصَّات المختلفة، وهي طبقة يمكن تسميتها «متحدثي الأرشيف»، الذين ستتم استضافتهم بذريعة أن «فهم الحاضر يبدأ بفهم الماضي أو إعادة فهمه»، وهنا سنكون بصدد محاولة متكاملة لـ«إدارة الذاكرة الجماعية»، وتلك الإدارة ستَضحَى مهيمنة على اهتمام المنصَّات، وستغدو مناط تباين واختلاف كبيرين، وتَحارُب في بعض الأحيان.
فلكل منصَّة سياسة تحريرية، وذرائع للمموِّلين، ومواقف وآيديولوجيات، وسيكون ذلك كله عاملاً جوهرياً في اختيار القصص التي تعرضها على الجمهور، واستبعاد تلك التي يجب ألا يعرف عنها الجمهور.
ولأن مقاربة الوقائع السياسية الحاضرة مُكلفة ومُرهقة وحافلة بالفخاخ في آنٍ، فإن الهروب إلى التاريخ أكثر أمناً وأقل إثارة للحساسيات. ولكن هذا التاريخ يجب أن يقوم على روايته أشخاص معينون، يخدمون فكرة بعينها، ويؤصِّلون لمواقف مُحددة، ويُبرزون صوراً لزعماء تاريخيين في أبهى الأُطُر، ويلطِّخون صور زعماء آخرين، أو يضعونهم على «لوحة التنشين».
ومن حظ عملية «إدارة الذاكرة الجماعية» الطيب، أنها تعتمد في الغالب على منتجات الفيديو القصير؛ فالمقابلة التي تستغرق ساعة أو أكثر، ستتم تجزئتها إلى مقاطع ساخنة ومُركَّزة وحاسمة في قطعها ويقينها، وتلك المقاطع ستُغرِق المنصات المختلفة، وسيتداولها الناس الذين تتعلق أعينهم بشاشات الهواتف جُل الوقت، وستُشكِّل رؤيتهم لوقائع التاريخ، ومواقفهم من رموزه، وستغنيهم عن أي بحث أو تدقيق أو اعتبار للسياق.
ثم إن هذا المُنتَج الجديد، أو المُتجدد، ذو «جدوى» كبيرة بكل تأكيد؛ فهو منخفض المخاطر إلى أقصى درجة ممكنة، وتكلفته المادية زهيدة للغاية؛ إذ لا يحتاج سوى «أحد متحدثي الأرشيف»، وميكروفون، ومقعد، ثم تقطيع وتأطير وبث على المنصات.
ليس هذا فقط، ولكن هذا المُنتَج أيضاً محبوب ومرغوب؛ ففيه قَطع وحسم وثقة، وفيه إثارة وأسرار وفضائح، وفيه «شجاعة نادرة»؛ إذ سيكون بوسع «متحدث الأرشيف» أن يُجرِّح وينتقد، وربما يُهين قادة ورموزاً ألهموا شعوباً، أو خاضوا حروباً، أو فجَّروا ثورات، بينما هو آمن ومُستقر ومُطمئن بلا هواجس ولا مخاوف.
إنه مُنتَج فريد، سيتحايل على القيود والمحدِّدات وينجو منها جميعاً، ثم إنه سيتجاوز إرهاق الحاضر وحساسياته وتكاليفه الكبيرة. ورغم كل ما ينطوي عليه من نقص وتغييب والتواء، فإن الجمهور سيُقبل عليه بشغف ونهم شديدين.
يقتضي الإنصاف القول إن الإعلام الغربي يحفل بمقاربات كثيرة مماثلة، ولكنه لا يستخدمها تكأة للهروب من مقاربة الحاضر وانشغالاته وقضاياه.
وعندما تنهمك منظومة إعلامية كاملة في طرح سؤال واحد يدور حول «ماذا حدث؟»، بينما تتجاهل طرح الأسئلة المُلحَّة عن «ماذا يحدث؟»، سيعني هذا أن عواراً كبيراً يضرب تلك المنظومة، رغم كل ما تحصده نتاجاتها من مشاهدات وتفاعلات.
