غوتام موكوندا
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

المخاطر البيولوجية والذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقالة

استقال الباحث جاكوب كوكسون من شركة «أنثروبيك» مؤخراً، ونشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن سببَ استقالته يعود إلى أنَّ «الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون بجدية بأنَّه قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد الحالي». وقدّر إيفان هوبينغر، قائد فريق علم المواءمة في الشركة ذاتها، احتمالية حدوث ذلك بأكثر من 10 في المائة خلال السنوات العشر المقبلة. كما دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، إلى إبطاء وتيرة التطوير في مجال الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الحد من المخاطر، وهو طرح ردّد صداه سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «إكس إيه آي».

ربما تتخيَّل الكارثة على هيئة روبوتات قاتلة بلكنة نمساوية ثقيلة. لكن أعظم الأخطار يكمن في الخلايا، وليس في الفولاذ. وقد كشف استطلاع أجراه معهد الأمن والتكنولوجيا -شمل 111 متخصصاً في الأمن القومي- أن 70 في المائة منهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يُعزز بشكل ملموس -أو سيُعزز قريباً- من مخاطر الأسلحة البيولوجية. تخيَّل باحثاً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يُدرج جيناً لإشارات المناعة في فيروس «جدري الفئران» يُثبّط الاستجابة المناعية بشكل كامل، فيقتل كل حيوان غير مُطعّم يُصيبه الفيروس، وأغلب المُطعّمين ضده أيضاً.

هذا كابوس حقيقي. لكنَّه ليس خيالاً علمياً. فقد حدث ذلك قبل أكثر من 25 عاماً دون أي عون من الذكاء الاصطناعي. إذ أحدث فيروس «جدري الفئران» المُزوَّد بجين «الإنترلوكين - 4» هذا الأثر تحديداً في الفئران، ووُصف ذلك في ورقة بحثية نُشرت في دورية «علم الفيروسات» في فبراير (شباط) 2001. والباحثون الأستراليون الذين طوّروه لم يكونوا يسعون أصلاً إلى قتل الفئران، وإنما كانوا يحاولون الحدّ من تكاثرها فحسب.

تُوفّر الطبيعة مخزوناً وفيراً من مسببات الأمراض للإرهابيين الطامحين. أما تحويل المسببات لتكون الأشد فتكاً فباتَ في متناول اليد، وإن اكتنفته بعض الصعوبات. وقد يُسهّل الذكاء الاصطناعي هذه العملية، لكنَّه لم يكن يوماً العقبة الرئيسة. فالتحدي الحقيقي يكمن في أخذ جينوم فيروس -طبيعياً كان أو مُعدّلاً- وتحويله إلى سلاح فتاك. وهذا لا يزال يستلزم مختبراً، وعلماء متخصصين. والمهارات اللازمة لذلك لا تُكتسب من الكتب المدرسية بسهولة، وإنما هي ما يُعرف بـ«المعرفة الضمنية»، التي طالما اعتُقد أنها تستوجب خبرة عملية، والتتلمذ على يد المختصين.

في عام 1917، طلبت فرنسا من الولايات المتحدة صنع نسخ من مدفعها الميداني عيار 75 مليمتراً. ورغم توفر المخططات الكاملة، عجزت الولايات المتحدة عن إنتاج نسخة واحدة في غضون 18 شهراً قبل نهاية الحرب. والسبب أن المخططات لم تُشِر إلى خيوط البراغي في عربة المدفع، وحين قاس الأميركيون مدفعاً فعلياً وجدوا 6 أنواع مختلفة منها، لم يكن أي منها هو النوع المستخدم في تلك الحالة. وكما كتب المؤرخ العسكري إتش إيه دي فيرد: «السر الوحيد في منظومة الارتداد الفرنسية كان صعوبة تصنيعها». تلك هي المعرفة الضمنية.

وبمرور الوقت، تتضاءل أهمية المعرفة الضمنية في الغالب. فمصنع اليوم قادر على صنع تلك المدافع انطلاقاً من ملفات مُرسَلة بالبريد الإلكتروني. ورغم أن المعرفة الضمنية لا تزال تُشكّل ضمانة مهمة، فإنّ هذا التحول لا يزال في بداياته في مجال علم الأحياء. وقد شغلتني المخاوف من تداعياتها على المخاطر البيولوجية منذ زمن طويل سبق ظهور الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2009 شاركت في تأليف ورقة بحثية رفقة كينيث أوي، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وسكوت مور، من جامعة بوسطن، أكدنا فيها أن علم البيولوجيا الاصطناعية يسعى إلى تقليص أهمية المعرفة الضمنية في الهندسة الحيوية، وأن ذلك قد يُضاعف من التهديدات البيولوجية.

وقد يكون للذكاء الاصطناعي أثر أعمق بكثير على أهمية المعرفة الضمنية مما أحدثته البيولوجيا الاصطناعية على الإطلاق. ويرى عالما الأحياء: روجر برنت، وغريغ ماكيلفي جونيور -من مؤسسة «راند»- أننا ينبغي أن نتخلَّى عن افتراض أنَّ المعرفة الضمنية شرط أساسي أصلاً. وقد أثبتا أنَّ النماذج الأساسية المتاحة عام 2024 قدّمت «تعليمات وإرشادات دقيقة لاستعادة فيروس شلل الأطفال الحي من بنية مُركبة من حمض نووي اصطناعي جرى الحصول عليه تجارياً». وتضخ شركات رأس المال الاستثماري أموالها في «مختبرات مؤتمتة» قد تؤدي -من الناحية النظرية على الأقل- إلى إلغاء الكثير من المهارات البشرية في علم البيولوجيا التجريبية، وتُسرّع بشكل ملحوظ وتيرة إجراء التجارب. وهذا خبر رائع للمدافعين عن ذلك، ولكل من يرغب في تسريع وتيرة التقدم الطبي. ولكن في غياب ضوابط رادعة، فقد يكون خبراً رائعاً للمهاجمين أيضاً.

وتتمثل إحدى الضمانات الرئيسة في فرض إلزام فحص أي تسلسل من الحمض النووي المُخلّق، للكشف عن احتمال توظيفه في إنتاج مسببات الأمراض. ويُشترى أغلب الحمض النووي الاصطناعي اليوم من شركات متخصصة، غير أن أجهزة التخليق الجيني المكتبية باتت متاحة في الأسواق. وتُجري كثير من شركات تخليق الحمض النووي عمليات الفحص فعلاً، ولكن ليس جميعها. وقد أثبت فريق تقوده شركة «مايكروسوفت» أن أدوات تصميم البروتينات بالذكاء الاصطناعي قادرة بالفعل على إنتاج تسلسلات تعجز برمجيات الفحص عن رصدها، وإن ظلّ التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه التسلسلات ستؤدي وظيفتها البيولوجية فعلياً.

تكتفي الحكومة الفيدرالية حالياً بطلب -دون إلزام- إجراء عمليات الفحص، وقد ظل الإطار التنظيمي المُعدّل مُعلّقاً طوال 16 شهراً منذ أن طالب أمر تنفيذي بإقراره. وينبغي أن يُصبح الفحص إلزامياً، وأن تتضافر موارد شركات فحص الحمض النووي رفقة مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لإنشاء مكافآت تُحفّز كل من ينجح في اختراق منظومات فحص الحمض النووي القائمة على الذكاء الاصطناعي. وكلما تكاثرت المختبرات المؤتمتة، ينبغي حصر تعاملها على الباحثين الموثوقين من مؤسسات بحثية معتمدة، وإخضاعها لمتطلبات الفحص ذاتها.

هذه سياسات لا خسارة فيها بأي حال. فهي ستكون فكرة سديدة حتى من دون الذكاء الاصطناعي، وهي أجدى كذلك بوجوده. وتطبيقها سيكون أيسر بكثير بدعم الحكومة الفيدرالية. غير أنَّ البيت الأبيض، بدلاً من الإسهام في ذلك، وقف ضد تنظيم الذكاء الاصطناعي، إذ قال الرئيس دونالد ترمب إن «سيطرة الذكاء الاصطناعي على العالم، وتدمير البشرية -وسائر الأمور السيئة- مجرد خدعة»، مُضيفاً أن «الضوابط الوحيدة التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي هي رئيس قوي وذكي (ذو معدل ذكاء مرتفع!)، والولايات المتحدة تمتلك ذلك بامتياز!».

وفي حال احتاج ذلك الرئيس ذو معدل الذكاء المرتفع إلى بعض المشورة المتخصصة، كان من المفيد إضفاء الطابع المؤسسي على هذه المشورة داخل الحكومة، عوضاً عن حلّ «المركز الوطني لمكافحة الانتشار والأمن البيولوجي» و«مكتب مكافحة أسلحة الدمار الشامل» التابع لوزارة الأمن الداخلي. بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، حين علّقت الإدارة الأطر المُحدَّثة للفحص التي كان من شأنها سد الثغرة التي تُتيح مرور العوامل البيولوجية المستجدة من دون رقابة.

وإلى أن تقرر الحكومة التدخل، سيقع على عاتق قادة القطاع الخاص مسؤولية سدّ هذه الفجوة. وقد أعلنت شركة «أنثروبيك» بالفعل عن تصديها لخمس محاولات لتوظيف برنامج «كلود» في أبحاث قد تُسهم في تطوير أسلحة بيولوجية، مُشيرة إلى أنها لم تعد قادرة على الجزم بأن أحدث نماذجها يقع دون المستوى الذي يُشكّل عوناً ذا شأن في بناء مثل هذه الأسلحة. إن وقوع هجوم محدود النطاق باستخدام عامل بيولوجي طوّره الذكاء الاصطناعي سيُفضي حتماً إلى فرض لوائح تنظيمية مُقيِّدة للصناعة برمّتها. لذا علينا أن نتدارك الأمر قبل أن ينتهي بنا المطاف كما انتهى بتلك الفئران الأسترالية.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»