سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

درس التاريخ لن يستثني العراق ولا اليمن

استمع إلى المقالة

لا معنى للقرارات التي بادر رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى اتخاذها بمجرد الاعتداء الذي وقع على خط الأنابيب السعودي (شرق غرب)، سوى أنه رجل يستشعر المسؤولية في مكانه، ثم يتصرف على هذا الأساس.

فالرجل بادر إلى إصدار قرار باستبعاد عدد من رجال الأمن في محافظة ميسان التي انطلقت منها المُسيّرات المعتدية، وكان القرار بعد أن تم تحديد الموقع الذي جرى منه إطلاق المسيّرات، وشمل القرار عدداً من رجال الأمن في الموقع إياه.

ولم يكن هذا هو القرار الوحيد، وإنما كان إلى جواره قرار آخر بإغلاق ثلاثة معابر حدودية بين العراق وإيران، وقد جرى ذلك لأنّ ظناً قد وقع بأن المسيّرات التي هاجمت خط الأنابيب السعودي الرابط بين الجبيل في أقصى الشرق على الخليج العربي، وينبع في أقصى الغرب على البحر الأحمر، ربما تكون قد جاءت من خلال المعابر الثلاثة.

وكان هذا القرار بدوره استشعاراً بالمسؤولية على المستوى الوطني العراقي، لأن العراق بلد مستقل يتمتع بسيادة، ولأن هذا يقتضي ألا تدخل من المعابر الحدودية مُسيّرات ولا غير مسيّرات مما يضر بالعراقيين، أو بأرض الجوار في المملكة العربية السعودية.

ثم كان إلى جانب القرارين قرار ثالث بفتح تحقيق يريد أن يعرف من أين جاءت المسيّرات التي هاجمت خط الأنابيب؟ وكيف انطلقت؟ ومن أي موقع على وجه التحديد؟ ومَنْ أطلقها؟... فهذه كلها تساؤلات لها إجابات بالتأكيد، ولكن المشكلة أن المحقق لا يعرفها، وهذا ما دعا إليه رئيس الوزراء العراقي سعياً إلى الوصول للحقيقة.

وليس أغرب من أن تطلب إيران رسمياً الاشتراك في التحقيق، وقد استجابت لها السلطات العراقية، ولا بد أنها وهي تستجيب لمطلبها الغريب كانت تفعل ذلك ولسان حالها يشير إلى إيران ويقول: تقتل القتيل ثم تمشي في جنازته.

ولا أريد من أحد أن يقول إن القول بهذه العبارة فيه اتهام لإيران بغير دليل، فالحقيقة أن الدليل متوفر، وهو يتوفر في ما تقول به العلوم الجنائية في الجرائم التي تقع على مستوى الأفراد، فيقال عندئذ: فتش عن المستفيد من وقوع أي جريمة.

وبهذا المنطق لا يوجد مستفيد من الهجمات على خط الأنابيب أكثر من إيران، وبالطبع فإن الأمر لا يخلو من وجود مستفيدين آخرين، غير أن سلوك إيران في الإقليم يجعلها هي المستفيدة من الهجمات، ويعلق المسؤولية عن وقوع الهجمات في رقبتها، أو يجعلها المستفيد رقم واحد إذا جاز أن يكون إلى جوارها مستفيدون آخرون، أو أطراف مستفيدة أخرى.

وإذا شئنا دليلاً أقوى على أن طرفاً بعينه هو المستفيد من وراء الهجمات، فلا يوجد دليل أقوى من تزامن الهجمات الحوثية من اليمن في الجنوب، مع هجمات المُسيّرات من العراق في الشمال، فاليد المحركة في الحالتين واحدة، وليست الميليشيا التي أطلقت المسيّرات من بلاد الرافدين سوى أداة جرى استخدامها، ولا الجماعة الحوثية سوى أداة هي الأخرى.

إنني أثق في جدية رئيس الوزراء العراقي، ومرجع الثقة أنه أظهر رغبة جادة منذ يومه الأول في منصبه تجاه أمرين: الأول منع استهداف دول الجوار من فوق الأراضي العراقية، والثاني السعي إلى أن يكون مبدأ حصرية السلاح معمولاً به في بلاده، وأن تحتكر حكومته امتلاك السلاح واستخدامه، شأنها شأن أي حكومة طبيعية في أي بلد طبيعي.

وقد استجابت له جماعتان في قضية حصرية السلاح، إحداهما جماعة التيار الصدري، والثانية جماعة كتائب الإمام علي، ولا بديل عن أن تلحق بهما بقية الجماعات، لأن بقاء السلاح في يد جماعة أو أكثر خارج سيطرة الدولة أمر شاذ لا يستقيم، ولا يمكن أن يستمر مهما عاش لفترة قصيرة أو طويلة. ولكن الأهم أن يجد الزيدي مَنْ يسعفه في رغبته من داخل العراق على مستوى آحاد العراقيين، وبالتوازي خارج العراق على مستوى الحكومات العربية التي يعنيها أن تتخلص بغداد من النفوذ الإيراني السياسي غير الطبيعي فيها.

ولا بد أن الحكومة السعودية كانت تتحلى بكثير من الحكمة السياسية، وهي تمنح رئيس وزراء العراق من الوقت ما يستطيع فيه معالجة الأمر، ثم عندما لم تسمح لطرف باستدراجها إلى معركة لا تحدد الرياض توقيتها بنفسها.

أما جماعة الحوثي، فإذا كانت قد كسبت جولة بوصولها إلى باب المندب، فالحرب جولات لا جولة واحدة، وقد سبق أن وصلت إلى هناك وخرجت، وهي تعرف أن أمرها سيحدده الشعب اليمني نفسه الذي لن يرضيه أن تعلو جماعة على دولة ذات تاريخ مثل اليمن. سوف يتولى شعب اليمن الأمر بنفسه، وإذا لم يحدث هذا في الغد، فسوف يحدث بعد الغد. سوف لا تنتصر جماعة على دولة لأن هذا هو درس التاريخ الذي لا يستثني بلداً، ولا فرق هنا بين أن يكون البلد هو العراق أو أن يكون هو اليمن.