كان يوم عمل عادياً في موقع حفائر البعثة الأميركية التابعة لجامعة هارفارد في الناحية الشرقية من هرم الملك خوفو بالجيزة، والمعروف باسم الهرم الأكبر، ولكن ما حدث في ذاك اليوم 2 فبراير (شباط) عام 1925 سيسجل في تاريخ علم المصريات بأنه اليوم الذي تم الكشف فيه عن كنز الملكة حتب حرس الأولى – زوجة الملك سنفرو وأم الملك خوفو. والحقيقة بل والمثير أنه وعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام على الكشف فإن سر مقبرة الملكة حتب حرس لا يزال واحداً من أكثر ألغاز علم المصريات التي لم يصل العلماء إلى حلها، أو الاتفاق على سردية واحدة لتفسيرها ونعود إلى القصة من البداية. في ذلك اليوم كان مصور البعثة محمدين إبراهيم يقوم بوضع حامل الكاميرا لتصوير موقع الحفائر في نهاية الموسم كما أمره عالم المصريات جورج رايزنر الذي كان قد غادر مصر عائداً إلى الولايات المتحدة تاركاً مساعده آلان رو وأعضاء فريقه ينهون مهامهم بتوثيق الموقع وتصويره. ومن دون مقدمات لاحظ المصور أن أرجل الحامل قد انزلقت داخل فتحة في طبقة من الجص، وعلى الفور قام آلان رو بفحص المكان ليتبين له أنها فتحة بئر للدفن مغطاة بطبقة من الجص! الأمر الذي يعني أن البئر قد تم استخدامها للدفن وأن ما بها لا بد وأن يكون سليماً فلا توجد شواهد على وصول اللصوص إلى المقبرة.
لم ينتظر آلان رو كثيراً، فقرر استكمال العمل والكشف عن المقبرة. أيام قليلة وكان قد أخلى البئر من الرمال ووصل إلى قاعها وهناك عثر على باب حجرة الدفن في نهاية البئر مغلقاً وعليه طبقة الملاط أو الجص التي تؤكد أننا أمام مقبرة سليمة. إلى هنا لم يكن أحد يتوقع ما سيتم الكشف عنه في تلك المقبرة، وبالفعل أرسل آلان رو إلى مدير البعثة جورج رايزنر رسالة عن طريق التلغراف يستشيره في الأمر وقد جاءه الإذن باستكمال العمل.
تم فتح سدة الباب وكانت المفاجأة السارة أثاث جنائزي رفيع الصناعة مكسو بصفائح من الذهب إضافة إلى تابوت مغلق وصندوق من المرمر، من الذي يستعمله المصريون القدماء لحفظ أحشاء المتوفى المحنطة. وغير ذلك من أثاث جنائزي فاخر وكان من السهل قراءة اسم صاحب المقبرة وألقابه الموجودة بنقوش هيروغليفية واضحة على الأثاث.
إنها مقبرة الملكة حتب حرس الأولى زوجة الملك سنفرو وأم الملك خوفو. وبعد الوصول إلى التابوت الحجري تم توثيق وجود طبقة الملاط ما بين صندوق التابوت وغطائه، الأمر الذي يعني أن مومياء الملكة لا تزال ترقد بسلام داخل تابوتها. ولكن كانت المفاجأة الصادمة بفتح التابوت، إذ لم يعثر آلان رو على شيء، فلا توجد مومياء ولا حتى أثار لمومياء؟ هنا يبدأ اللغز! كان اختفاء المومياء سبباً في إعادة فريق الحفائر النظر إلى الكشف من جديد.
في البداية تساءلوا عن سبب وجود هذا الأثاث الضخم والفخم، فمقبرة عادية عبارة عن بئر عمودية منحوتة في الصخر تنتهي بحجرة دفن واحدة ضيقة لا تناسب حجم الأثاث الموجود بها؟ ثم إن ترتيب الأثاث غير منطقي للغاية فما كان من المفترض العثور عليه في بداية الحجرة مثل الأواني الفخارية والحجرية، إذ تم العثور عليه في نهاية حجرة الدفن، والعكس صحيح: ما كان يوضع في نهاية المقبرة عثر عليه في بداية حجرة الدفن، إن كل شيء داخل الحجرة كان معكوساً كما لو كان هناك أناس يخرجون أشياء من مكان ويضعونها في مكان آخر! نستكمل سر الملكة حتب حرس في المقال القادم بإذن الله تعالى.
