لم تكن موجةُ النزوحِ اليمني الأخيرة إلى جيبوتي، على وقعِ الأحداث المتسارعة في الساحل الغربي لليمن، الأولى من نوعها، كمَا أنَّها ليست مجرد حالة إنسانيةٍ عابرة فرضتها ظروفُ الصراع الراهن؛ بل هي امتدادٌ لتاريخ طويل من التواصل والهجرة والتَّداخل الإنساني بين ضفتَي «باب المندب».
لقد كانت جيبوتي، الصغيرةُ بمساحتها الجغرافية وإمكاناتِها الاقتصادية، كبيرةً في احتضان أبناء جوارها، وحكيمةً في تعاطيها مع أزمات المنطقة وتقلّبات العالم. فعلى الرغم ممَّا تفرضه موجاتُ النزوح من أعباء أمنيةٍ واقتصادية واجتماعية جسيمة، لم تتخلَّ جيبوتي يوماً عن مسؤوليتها الإنسانية، ولم توصد أبوابَها أمام من قصدها طلباً للأمن والنجاة.
إذا تحدثنا عن نزوح الأشقاء والأهل من اليمن إلى جيبوتي في أزمنة الصراعات، فإنَّ التاريخَ المعاصر يسجّل موجاتٍ متعاقبة؛ أبرزها موجةُ عام 2015، إثر اندلاعِ الأزمة اليمنية وتفاقمِ الصراع المسلح، وقبلها حرب عام 1994 التي عُرفت بحرب الانفصال، وكذلك أحداث الثالثَ عشرَ من يناير (كانون الثاني) عام 1986 في جنوب اليمن.
غير أنَّ الانتقال بين الضفتين لم يكن مرتبطاً بالحروب وحدها؛ فقد شهدت المنطقة على امتداد تاريخها هجراتٍ يمنية متواصلةً من مختلف أنحاء اليمن: من شرقه وشماله ووسطه وجنوبه وساحله الغربي. وكان الناسُ يركبون البحرَ في زوارق خشبية بسيطة، ويقطعون المسافةَ القصيرة بين الضفتين خلال ساعات، ليصلوا إلى جيبوتي، البوابة الأفريقية المقابلة لـ«باب المندب».
ولم تكن الهجرة في اتجاه واحد، بل ظلَّ التَّنقل متبادلاً بين ضفتي البحر الأحمر و«باب المندب». فعندما انهارت مؤسساتُ الدولةِ في الصومال مطلعَ تسعينات القرن الماضي، واضطر مئاتُ الآلاف من الصوماليين إلى مغادرة ديارهم، لجؤوا إلى دول الجوار، كمَا عبر كثيرٌ منهم البحر نحو اليمن، حيث وجدوا على الضفة الأخرى ملاذاً آمناً وحاضنةً إنسانية.
وهكذا ظلَّت شعوبُ المنطقة تتبادل الإيواء والنصرة في أزمنة المحن؛ يستقبل بعضها بعضاً كلما ضاقتِ السبلُ واشتدت الأزمات. ومع استمرار التنقل بين الضفتين، تداخلت العادات والثقافات، وتشابكتِ الروابط الاجتماعية، ونشأت أواصرُ القرابة والمصاهرة، حتى أصبح التزاوجُ والانصهار الإنساني حالةً طبيعيةً راسخة، تتجدَّد مع استمرار الحياة في هذه المنطقة.
ولم يعد البحر حاجزاً يفصل بين الشعوب، بل تحوَّل إلى جسر للتواصل والتعارف وتبادل المنافع، وصياغة ذاكرة إنسانية مشتركة بين ضفتيه.
وفي الحديث عن تاريخ الهجرة في هذه المنطقة، لا يمكن إغفالُ واحدةٍ من أعظم محطات التاريخ الإسلامي، والمتمثلة في هجرتَي صحابةِ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الأولى والثانية، إلى أرض الحبشة، حين فرّوا بدينهم من الاضطهاد، فاستقبلهم النَّجاشيُّ وآواهم وأكرم وفادتَهم، ولم يسلّمهم إلى من أراد بهم سوءاً.
وقد أرست تلك الهجرةُ معانيَ إنسانية خالدة في إغاثة المستجير، ونصرة المظلوم، وإكرام الوافد؛ وهي قيم ظلَّت حاضرةً بين شعوب ضفتي البحر الأحمر، يتوارثها الناسُ جيلاً بعد جيل، ويجدّدونها كلما ألمّت المحنُ بأحد شعوب المنطقة.
وعودةً إلى دور جيبوتي الإنساني، فقد حدَّثني وزيرُ الداخلية الجيبوتي السَّابق أنَّه خلال موجةِ نزوح الأشقاء اليمنيين عام 2015، ومع ارتفاع أعدادِ الوافدين إلى أكثرَ من ثلاثين ألفاً، وتأخر وصولِ الدعم والمساندة الخارجية، أصبحت إمكاناتُ البلاد المحدودة تواجه ضغوطاً كبيرة ومتزايدة.
وأمام هذا الوضعِ الصعب، رأى الوزيرُ وقفَ استقبال القادمين بحراً بصورة مؤقتة، فخاطبه رئيسُ الجمهوريةِ السيد إسماعيل عمر جيله بعاطفة إنسانية جياشة قائلاً: «أخوك عند باب بيتِك يحتاج إلى عونك، فلا توصد بابَك؛ والله سيكرمُنا بمساعدتهم».
لم تكن تلك الكلمات مجرد توجيه إداري لمعالجةِ ظرفٍ طارئ، بل كانت تعبيراً صادقاً عن ضمير دولة، وتجسيداً لمنظومة من القيم التي آمنت بها جيبوتي قيادةً وشعباً: أنَّ الجار لا يُترك عند الشدة، وأنَّ الواجب الإنساني يسمو على ضيق الإمكانات وحسابات الظروف.
وعندها انبرى الشعبُ الجيبوتي بأسره، وفي مقدمته السيدة الأولى خضراء محمود حيد، لتقديم العون والإغاثة وإيواء الأشقاء اليمنيين، في صورة جسَّدت عمقَ الروابط الأخوية والتاريخية بين الشعبين.
كما سجَّل التاريخُ في تلك المرحلة موقفاً إيجابياً للمملكة العربية السعودية الشقيقة، من خلال «مركزِ الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، الذي كانَ من بواكير أعماله إنشاء مركز لإيواء النازحين في مدينة أوبخ الجيبوتية، بوابة البلاد المطلة على مضيق باب المندب، بما أسهم في تعزيز قدرة جيبوتي على استقبال النازحين وتوفير الرعاية والحماية لهم.
لم يقتصرِ النزوح إلى جيبوتي على الأشقاء اليمنيين وحدهم؛ فقد استقبلت البلاد، مع كل صراع أو كارثة إنسانية شهدتها المنطقة، نازحين ولاجئين من الصومال وإثيوبيا وإريتريا وغيرها من دول الجوار. وفي كل مرة، كانت جيبوتي تتقاسم معهم ما تملكه، رغم محدودية مواردها وإمكاناتها، مدركةً أنَّ الجوار ليس مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، ومصير مشترك تفرضه الجغرافيا ويؤكده التاريخ.
إنَّ الدول لا تُقاس فقط باتساع مساحاتها أو حجم ثرواتها أو عدد سكانها؛ بل تُقاس كذلك بمواقفها عند الشدائد، وبقدرتها على الانتصار للإنسان حين تضيق به السبل. ومن هذه الزاوية، أثبتت جيبوتي مراراً أنها دولة كبيرة بمواقفها، غنية بقيم شعبها، وراسخة في التزامها تجاه محيطها الإقليمي.
لقد كان قدر جيبوتي، بما حباها اللهُ من موقع استراتيجي بالغ الأهمية، أن تكون بوابةً بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وأن تقفَ في قلب واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. لكنَّها اختارت أن تجعل من هذا الموقع، إلى جانب أهميته السياسية والاقتصادية، جسراً للأخوة والتضامن، وواحةً للأمن والاستقرار، وملاذاً لمن ضاقت بهم أوطانهم.
