رامي الريس
كاتب وصحافي وأستاذ جامعي من لبنان، وباحث ومترجم، يكتب في القضايا العربية والدولية، يحمل شهادة ماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت، وله مشاركات في العشرات من المؤتمرات وورش العمل في لبنان والخارج.
TT

لبنان... أزمات متداخلة تؤجل الاستقرار

استمع إلى المقالة

ليس الانقسام بين اللبنانيين بشأن مسائل تفصيليّة أو هامشيّة في الحياة الوطنيّة، بل هو بشأن خيارات استراتيجيّة: كيف نحرّر الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، الذي يرى البعض أننا استجلبناه لأنفسنا مجدداً؟ كيف ننفّذ قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة؟ ما مستقبل العلاقات اللبنانيّة - السوريّة خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024؟ كيف تُعاد ودائع المودعين بعد مرور نحو 6 سنوات على أكبر أزمة انهيار مالي؟... وسوى ذلك من الأسئلة المصيريّة والمركزيّة التي قلّما استطاع أحد تقديم إجابات حاسمة عنها.

وإذا كان اللبنانيون قد استبشروا خيراً باستعادة عجلة عمل المؤسسات الدستوريّة مع انتخاب العماد جوزيف عون لرئاسة الجمهوريّة في يناير (كانون الثاني) 2025، بعد أن كان التعطيل هو سمة الموقف لسنوات متلاحقة، مما أدّى إلى تأخير اتخاذ كثير من القرارات وتعثرها، فإن طبيعة التركيبة اللبنانيّة المعقدة تشي بأنه حتى سير المؤسسات يتطلب قدراً من التفاهم الوطني بالحد الأدنى، من دون أن يعني ذلك مطلقاً القبول بفكرة التعطيل أو تبريرها.

صحيحٌ أن موازين القوى تغيّرت، وأن آلية اتخاذ القرارات صارت أعلى انسيابية في مكان معيّن، وهذا أمرٌ مطلوب لتسيير عجلة الحكم والدولة، لكن هذا لا يعني أن القدرة على تطبيقها تتسم بالانسيابيّة نفسها. ثمّة قرارات كبيرة اتُّخذت، خصوصاً بشأن حصر السلاح بيد الدولة، وجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، وهي قرارات محقة من حيث مفهوم قيام الدولة وبسط سيطرتها على كامل أراضيها كما هو معمول به في كل دول العالم، إلا إن وضعها موضع التنفيذ لا يبدو يسيراً على ضوء التعنت الداخلي المدفوع بدعم خارجي.

بطبيعة الحال، ليس المقصود بهذه المسألة التأشير إلى إعادة استنباط الصيغ السابقة مما سُمّيت «الديمقراطيّة التوافقيّة» التي من المفترض أن تكون من أرقى أشكال الديمقراطيّات التي تقطع الطريق على أن تشعر أي فئة بالغبن والتهميش، شرط عدم استغلالها التعطيلَ وشلّ عمل المؤسسات أسوة بما كان حصل في لبنان خلال السنوات التي تلت الانسحاب العسكري السوري في عام 2005، وسيطرة «حزب الله» على القرار السياسي اللبناني. إن الاستغلال السياسي الذي حصل لهذه السمة «التوافقيّة» عطّل عمليّاً الحياة الديمقراطيّة اللبنانيّة، وأدخلها نزاعاتٍ كادت تلامس الحرب الأهليّة (غزوة مايو/ أيار 2008 للعاصمة بيروت مثالاً).

لقد ضاق اللبنانيون ذرعاً بهذه الممارسات التي بعثرت إمكانيّة حدوث تقدّم حقيقي على مستوى تطوير ديمقراطيتهم الهشّة وهي تعاني من اللوثة الطائفيّة والمذهبيّة التي تُستحضَر عند كل استحقاق أو منعطف، وأدخلتهم حروباً لا تنتهي أفقدتهم إنجازهم التاريخي الذي تحقق سنة 2000 عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانيّة المحتلة من دون قيد أو شرط ومن دون توقيع معاهدة سلام أو حتى اتفاقيّة ترتيبات أمنيّة.

ولكن مع كل ذلك، ومع أحقيّة المشاعر اللبنانيّة التي تريد «الخلاص»، فلا مفر من الصمود، فالخلاص لا يمكن أن يكون بأي ثمن وكيفما اتفق. ثمة مبادئ ومسلمات وطنيّة لا يمكن القفز فوقها أو إشاحة النظر عنها، وهي تتصل بتحرير الأرض المحتلة التي تشكل نحو 6 في المائة من مساحة لبنان، وتضم ما يزيد على 60 قرية هُجّر منها نحو 200 ألف مواطن لبناني، فضلاً عن الحاجة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان التي لا يمكن اختصارها في تلة «علي الطاهر» الاستراتيجيّة.

ومع بروز معضلة «تسليم السلاح أم الانسحاب أولاً»، فسوف تمر سنوات قبل أن يستعيد لبنان استقراره التام، وسيبقى يسير على شفا الانفجار الداخلي الذي تغذيه الانقسامات بشأن الخيارات الاستراتيجيّة التي أشرنا إليها في الأسطر الأولى من هذا المقال، وسيدفع الجنوبيون اللبنانيون أثماناً مضاعفة لخيارات لم يشاركوا في صياغتها، وهو تسديد متكرر لفواتير تُدفع منذ زمن بعيد.

الأهم أن يعي اللبنانيون أن موازين القوى تغيّرت، وأنه إذا كان المطلوب من أطراف معيّنة ألا تواصل حالة إنكار هذه المتغيرات، وألا تنفذ أجندات خارجيّة لا علاقة لها بالمصلحة الوطنيّة اللبنانيّة، فالمطلوب كذلك من أطراف أخرى ألا تستقوي بعدو خارجي للانقضاض على جهة داخليّة مهما بلغت مستويات الخلاف معها؛ لأن ذلك من شأنه نقل الصراع إلى الداخل اللبناني والتمهيد لنزاعات أهليّة لا تنتهي ولا طائل منها؛ لا بل ستكون تكراراً ممجوجاً وقاتلاً لتجارب سابقة لم تجف دماؤها بعد.