شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

«مكتبة الحياة»... بصيص أمل يشعّ في عمق الظلام القطبي

استمع إلى المقالة

ثمّة سرداب محصّن بأحدث التقنيات المعروفة وأكثرها منعة، ومحفور على عمق مائتي متر في جبل يكسوه الجليد على مدار السنة عند شفا القطب المتجمد الشمالي، ويختزن في جوفه «مكتبة الحياة» وتاريخ الزراعة في العالم، ويحفظها للأجيال المستقبلة في منأى عن الكوارث الطبيعية وجنوح البشر الجارف نحو التدمير والإضرار الممنهج بالطبيعة.

مئات الآلاف من البذور المحصولية والحرجية التي أطعمت الإنسان على مر العصور في كل أرجاء الأرض، مودعة بعناية فائقة في هذا «البنك الوراثي» بموجب أحكام اتفاق ترعاه الأمم المتحدة بين الحكومة النرويجية والصندوق العالمي للتنوع البيولوجي والمركز الاسكندنافي للموارد الوراثية.

تُحفظ العيّنات مجمدة في حاويات مخبرية داخل غرف لا تتعدى حرارتها ثماني عشرة درجة تحت الصفر؛ ما يضمن عدم تعرض البذور للضرر أو التلف في حال تعطّل نظام التبريد. ويعلو هذا السرداب 230 متراً عن سطح البحر، داخل كتلة صخرية ضخمة توفر حماية طبيعية من التقلبات الجوية والظروف البيئية القاسية، وهو مجّهز بنظام أمني معقّد على غرار المحطات المتطورة لتوليد الطاقة الذرية.

الغرض من هذه «المكتبة» المنيعة التحصين هو حفظ ملايين العيّنات النباتية والبذور الأساسية لمئات السنين من الكوارث الطبيعية، مثل الحرائق والفيضانات التي ألحقت أضراراً فادحة ببنك الجينات في الفلبين، والحروب التي قضت على جزء كبير من المخزون الوراثي الزراعي في أفغانستان والعراق، أو التغيرات المناخية وسوء الإدارة وعدم توافر القدرات الفنية اللازمة في كثير من البلدان النامية. ويؤكد المشرفون على هذه «المكتبة» أنها قادرة على الصمود في حال اندلاع حرب نووية شاملة أو ارتطام الأرض بجرم فضائي.

آخر الودائع التي وصلت إلى المكتبة كانت بذور حبوب قديمة ونادرة استخدمتها شعوب الإنكا والأزتيك الأصلية في أميركا الوسطى، وأنواع من الشوفان المهددة بالانقراض في غرب آسيا، ومجموعة مهمة من البذور المطورة في المركز الدولي للبحوث الزراعية في الأراضي القاحلة ومركزه في سوريا.

كان الدافع الأساسي لهذا المشروع هو الحفاظ على المصادر الأساسية للغذاء من خلال صون الإرث الزراعي العالمي وحماية التنوع البيولوجي النباتي الذي انقرضت منه أجناس وسلالات كثيرة، وبات كثير منها معرَّضاً للانقراض لأسباب عدّة، منها الإهمال والعجز عن وقايتها من تداعيات التقلبات المناخية وموجات الجفاف الممتدة وارتفاع نسبة المواد الكيماوية في التربة. لكن سلسلة الأزمات والاضطرابات التي تعصف بالعالم منذ سنوات، معطوفة على تضخم ديموغرافي جامح وأنماط غير مسبوقة من الاستهلاك الغذائي، فضلاً عن اتجاه كثير من الدول الزراعية الكبرى إلى تخصيص مساحات شاسعة لإنتاج الحبوب المخصصة لتوليد الطاقة، جعل من «مكتبة الحياة» في أرخبيل سفالبارد مخزن أمل لتأمين مصادر الغذاء للأجيال المستقبلة في عالم أفلت نهمه من عقاله.