سيلاحظ النواب العائدون إلى البرلمان الثلاثاء بعد عطلة الصيف الطويلة لوحة صور جديدة تخليداً لذكرى آن ويدكومب، الوزيرة المحافظة السابقة التي تحولت إلى متحدثة باسم حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، والتي قُتلت في يوليو (تموز) الماضي. ولن يكون ذلك التذكير الوحيد بتلك الحادثة المأسوية: إذ سيتوافد عشرات من عناصر الشرطة وأفراد الأمن إلى وستمنستر لتسلّم بطاقاتهم التعريفية والتعرّف على معالم المكان.
وقد جرى تكثيف التدابير الأمنية في أعقاب هجوم ويدكومب، لا سيما لزملائها السابقين في حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، بمن فيهم زعيم الحزب نايجل فاراج. وقد أُفيد في يوليو الماضي بأن شرطة مكافحة الإرهاب التي تحقق في وفاتها تدرس احتمال وجود صلة بين الحادثة وحادث آخر وقع في أبريل (نيسان) بأحد العقارات المرتبطة بفاراج. (وقد وُجّهت إلى أحد المشتبه بهم تهمة قتل ويدكومب، ومن المرتقب أن يمثل أمام المحاكمة في العام المقبل).
إننا مطالبون بتخصيص ما يلزم من موارد لضمان سلامة السياسيين. غير أن الخشية المفهومة التي قد تنتابهم تنطوي أيضاً على خطر نقل جوانب مهمة من عملياتنا السياسية بعيداً عن الأضواء وخلف أبواب مؤصدة. ومن أجل ديمقراطيتنا، يتعين على الموظفين العموميين مقاومة هذا الميل.
في الواقع، ليس العنف السياسي بالأمر الجديد. فأول ضحية مسجّلة في التاريخ كان ريموش، ملك الإمبراطورية الأكادية في العراق، الذي يبدو أنه قُتل على يد مجموعة من رجال البلاط نحو عام 2270 قبل الميلاد. والاغتيالات تميل إلى توليد مزيد من العنف؛ إذ لقي خليفته، شقيقه مانشتوشو، مصرعه هو الآخر غيلة.
وقد اشتعل هذا الخطر في أوروبا مراراً وتكراراً؛ فقد شهدت «سنوات الرصاص» في إيطاليا خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي جيلاً كاملاً من السياسيين الذين مارس عليهم التطرف اليساري واليميني أشدّ صور الإرهاب، ثم جلبت تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية حملة من الاغتيالات السياسية نفذها انفصاليو الباسك من منظمة «إيتا». وقُتل السياسيان السويديان أولوف بالمه وتلميذته آنا ليند في حادثتين متشابهتين بشكل لافت في شوارع استوكهولم بفارق 17 عاماً، في حين اغتال الجمهوريون الآيرلنديون 4 مشرّعين بريطانيين بين عامي 1979 و1990، وكادوا يضعون رئيسَي الوزراء مارغريت ثاتشر وجون ميجور إلى قائمة ضحاياهم.
والآن، تخضع بريطانيا لموجة جديدة من تصاعد العنف السياسي. غير أن الجناة هذه المرة، وهم في الغالب أشخاص وحّدهم التطرف ذاتياً عبر الإنترنت، يبدو أنهم ينجذبون نحو «أهداف يسهل الوصول إليها»، أي شخصيات أقل شهرة قد لا تتوقع أن تجد نفسها في مرمى نيران قاتل محترف، ولذلك لا يحظون عادة بحماية أمنية كبيرة.
على سبيل المثال، لقيت النائبة العمالية جو كوكس مصرعها على يد متعاطف مع أقصى اليمين خلال حملة «بريكست» في 2016؛ وطعن متطرف إسلامي النائب المحافظ ديفيد أميس طعناً قاتلاً في 2021. بينما كاد آخر يغتال النائب العمالي ستيفن تيمز في 2010. والآن انضمت آن ويدكومب، 78 عاماً، التي يُزعم أن قاتلها اقتحم منزلها المعزول في «دارتمور»، بينما كانت تتناول غداءها وكان الباب مفتوحاً، في أكثر أيام السنة حرارة، إلى هذه القائمة المرعبة.
ولا عجب أن السياسيين مصابون بالرعب. وأنا أيضاً كنت سأكون كذلك. ولا عجب أن الشباب ينفرون من دخول ساحة من المرجح، في أفضل الأحوال، أن تجعل منهم هدفاً محتملاً لإساءة بشعة عبر الإنترنت - لا سيما إذا كانوا نساء أو من أقلية إثنية أو من المثليين - وترفع، في أسوأ الأحوال، احتمالات موتهم عنفاً.
وهذا يمارس تأثيراً مروعاً على ديمقراطيتنا، فقبل أقل من نصف قرن، كان وستمنستر مكاناً يستطيع فيه الزائر أن يلتقط لنفسه صورة أمام الباب الأسود الشهير لرقم 10 داونينغ ستريت، أو يلتقي بنائبه دون موعد مسبق في الردهة المركزية لمجلس العموم (حيث أصبح سبنسر بيرسيفال عام 1812 رئيس الوزراء البريطاني الوحيد الذي تعرض للاغتيال). أما اليوم فهناك بوابات في أنحاء داونينغ ستريت كافة، وحواجز تمنع الدخول إلى البرلمان، ولوح ضخم من الزجاج المضاد للرصاص يحمي شرفة الزوار في مجلس العموم. (ورغم كل ذلك، تمكن محتجون من قذف توني بلير بمسحوق بنفسجي، لحسن الحظ غير مؤذ، خلال جلسة استجواب رئيس الوزراء عام 2004).
إن هذه التدابير الأمنية ضرورية بطبيعة الحال، لكن من المهم بالقدر نفسه أن نقاوم إغراء نقل السياسة إلى الكواليس المؤصدة، بحيث لا يطّلع على خباياها سوى أهلها من المقربين، كما هي الحال في الصين أو روسيا أو أي دولة استبدادية أخرى. فحماية عاداتنا العريقة التي نعتز بها لا تقل أهمية عن حماية أولئك الذين يقفون، لفترة مؤقتة، في واجهة حكومتنا.
الشهر الماضي، رفض فاراج حضور «فرز الأصوات»، أي إعلان نتيجة الانتخابات الفرعية عديمة الجدوى في كلاكتون، التي دعا إليها بنفسه لصرف الانتباه عن اتهامات بالفساد. وقد قللت السلطات من شأن تبريره، الذي كان مفاده أن الشرطة أبلغته بوجود «تهديد موثوق» يستهدف الحدث، ما دفع النقاد إلى الاعتقاد بأنه ببساطة لم يرغب في الظهور بمظهر سخيف بجانب عشرات المرشحين الهزليين الذين شاركوا في الانتخابات. وقد يكون هذا صحيحاً بالفعل، لكن ينبغي علينا أن نصدّق كلام فاراج كما هو، فلماذا لا يكون حذراً، بعد ما جرى للسيدة ويدكومب؟ وبشكل مؤسف، عدّ بعض أفراد اليسار أنه هدف مشروع لهجمات تتجاوز حدود الخطاب المقبول، وهو غالباً ما يتعرض لأمور كريهة مثل قذفه بالمشروبات، وما هو أسوأ من ذلك.
غير أنه حتى بافتراض أن مخاوفه على سلامته كانت صادقة، فإن ذلك لا يبرر قراره بالتنصّل من حضور فرز الأصوات. فالشرطة طمأنته إلى قدرتها على ضمان سلامته، وكان عليه أن يثق بقدرتها على حمايته. إن مثل هذه المظاهر العلنية لانتخاباتنا الحرة والنزيهة أشد أهمية بالنسبة لديمقراطيتنا من أن نسمح بتضييعها. وبالمنطق نفسه، كان صائباً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعاد إقامة عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض بعد محاولة اغتياله الأولى في أبريل، وإن كان ذلك في مكان أكثر أمناً. وكان على فاراج أن يُظهر شيئاً من شجاعة صديقه.
وقد يكون من قبيل التفاؤل المفرط أن نأمل في أن تهدأ موجة العنف الحالية قريباً. وإلى أن يحدث ذلك، علينا أن نركز على حماية سياسيينا وسياستنا سواء بسواء.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»
