ربما من الجائز الافتراض أن بنيامين نتنياهو درس مناهج قُوى الرفض العربية، وفي مقدمتها الفلسطينية، وقرر أن يحاول التفوق عليها في استخلاص منهج رفض خاص به. فهو بإسناد من زعامات قوى التيار «الصهيوديني»، مثل إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، وغيرهما، مضى في العناد على نحو تجاوز توقعات معظم المراقبين فيما يتعلق بحدود وإمكانية تحدي الرئيس دونالد ترمب، ومجمل إدارة سيد البيت الأبيض، بشأن تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة. ربما تبدو المقاربة بين موقف نتنياهو ومواقف الرفض العربية نوعاً من الإقحام غير المفهوم. ربما؛ لكن كل من عاش مراحل انتعاش شعارات تلك القوى، وقدرة زعاماتها على توجيه أحاسيس بسطاء الناس في الشارع العربي عموماً، والفلسطيني خصوصاً، يستطيع أن يلمس درجة من التقارب بين زعيق «كل شيء أو لا شيء» الذي ساد عربياً في التعامل مع مقترحات الحلول المرحلية، وتنطح نتنياهو المتواصل منذ ما يتجاوز العامين، والمعرقل لأي حلحلة للوضع في قطاع غزة تحديداً.
حتى انعقاد الاجتماع الأسبوعي لحكومة تل أبيب، يوم الأحد الماضي، ساد نوع من التفاؤل في واشنطن وعواصم أوروبية بأن يوافق نتنياهو، والفريق المتحالف معه في الحكم، على تنفيذ خطة الخمسة عشر بنداً في قطاع غزة، بعدما أقدمت حركة «حماس»، من جانبها، على اتخاذ قرار نزع سلاحها. لكن الموقف الإسرائيلي المُعلَن رسمياً بعد اجتماع الحكومة ابتلع ذلك التفاؤل، وأفسح المجال كي يسود انطباع خلاصته أن نتنياهو مستعد للمقامرة بإغضاب الرئيس ترمب، أكثر من استعداده للمقامرة بقطع علاقة التحالف مع أحزاب اليمين الصهيوني المتدين. إذا صح هذا الانطباع يصبح من الواضح أن نتنياهو يمارس اللعب على المكشوف، كما يُقال شعبياً، مع اقتراب موعدَيْن انتخابيَّين مهمَين، أولهما موعد انتخابات «الكنيست» الإسرائيلية (27-10-2026)، وثانيهما انتخابات «الكونغرس» النصفية في الولايات المتحدة، خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مما يعني أن فريق اليمين الإسرائيلي يراهن على نقاط ضعف تواجه الرئيس ترمب بشأن مسار الحرب على جبهة إيران، ولذا يمارس الضغط، ويحاول إملاء الشروط.
بيد أن الاحتمال الأرجح هو ألّا يخضع الرئيس الأميركي لضغوط تطرف اليمين الإسرائيلي، بقيادة نتنياهو، ذلك أن أركان فريق البيت الأبيض المكلف بالتعامل مع ملف قطاع غزة يدركون جيداً أن نتنياهو وفريقه يركزون على توظيف الهلع الذي أصاب يهود أميركا بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، بغرض تحريك لوبيات الضغط التي تعمل لصالح إسرائيل، وفي مقدمتها «أيباك»، لفرض شروط تل أبيب على الرئيس ترمب. لكن هذا التحدي لن ينجح بسهولة، ومن هذا المنطلق يمكن فهم لماذا سارع نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لشؤون غزة لدى «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب، إلى الرد على الرفض الإسرائيلي فأكد أن «الخيار الذي نطرحه اليوم هو الطريق الوحيد للمضي قدماً، والذي يضمن ألّا تتكرر هذه المأساة». يبقى ترقب كيف سيتعامل سيد البيت الأبيض نفسه مع رفض نتنياهو، وهو أمر لم يتضح حتى كتابة هذه المقالة.
