في كرة القدم، قد تكسب الانتخابات وتخسر اللعبة، وقد تجمع أصوات الاتحادات وتفقد في المقابل ثقة من يصنعون قيمتها وقوتها وتأثيرها. وهذا تحديداً ما حدث في الأزمة التي ضربت «فيفا» خلال الأسبوعين الماضيين.
جياني إنفانتينو قد ينجو، وقد يحصل على أصوات كافية تمنحه ولاية رابعة في مارس (آذار) المقبل، وقد تقف خلفه أفريقيا وبعض اتحادات أميركا الجنوبية وآسيا والكونكاكاف، لكنه لن يعود أبداً إلى ما كان عليه قبل كأس العالم 2026.
لا شك أن هذا المونديال أسهم كثيراً في حرق صورة إنفانتينو، وواقعة بالوغون الشهيرة كانت واحدة من أخطر لحظاته، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه طلب إلغاء البطاقة الحمراء لمهاجم منتخب بلاده، في حادثة فتحت باباً خطيراً للتدخل في قوانين كرة القدم وقراراتها الفنية.
وحين أقول إن إنفانتينو احترق؛ فلأن خصمه الحقيقي هذه المرة هو أوروبا.
أوروبا قد لا تملك وحدها الأصوات الكافية لإسقاطه في الانتخابات، لكنها تملك ما هو أخطر من الأصوات: القدرة على ضرب أهم منتج يملكه «فيفا». فإذا وصلت المواجهة إلى مقاطعة كأس العالم، فإن غياب إنجلترا، وإسبانيا،، وفرنسا، وألمانيا وإيطاليا لا يمكن تعويضه بعشرات الأصوات التي قد يحصل عليها إنفانتينو من اتحادات أخرى.
و«يويفا»، في الحقيقة، هو مركز الثقل في كرة القدم العالمية، بل في تقديري الشخصي، أوروبا هي «أهل اللعبة»، ومع ذلك يستطيع رئيس «فيفا» تعويض أصواتها في صندوق الاقتراع، لكنه لا يستطيع تعويض منتخباتها الكبرى في كأس العالم. وهنا تحديداً تختلف القوة الانتخابية عن القوة الحقيقية في كرة القدم.
إنفانتينو انشغل بالمال والاستثمار على حساب هوية اللعبة وروحها، ووصل إلى مرحلة بدا فيها وكأنه يدير «فيفا» وحده وبمزاجه، لا من خلال مجلس يتحمل معه مسؤولية القرارات. ولهذا؛ وجد حتى بعض مؤيديه أنفسهم عاجزين عن الدفاع عنه؛ لأنه لم يشركهم أصلاً في القرارات التي أصبحوا مطالبين بالدفاع عنها.
والرسالة المشتركة التي وقَّعها رؤساء «يويفا» والاتحاد الآسيوي وكونكاكاف وأمناؤها العامون جاءت لتؤكد حجم الأزمة، بعدما تحدثت عن كسر الثقة «من خلال الخداع»، وعن وضع إنفانتينو نفسه «فوق الجماعة». وهذا لا يعني أن الاتحادات الوطنية في آسيا وكونكاكاف ستصوّت ضده؛ فلكل اتحاد حساباته وصوته المستقل، وقد يظل كثير منها إلى جانبه... لكن هذا ليس جوهر المسألة.
برأيي... الأصوات قد تبقي رئيساً، لكنها لا تصنع كأس عالم... قد يفوز في الانتخابات من دون أوروبا، لكنه لا يستطيع إقامة كأس عالم حقيقية من دونها. وإذا تحولت المواجهة يوماً إلى مقاطعة أوروبية، فلن تكون القضية عندها ولاية رابعة أو عدد الأصوات. سيجد نفسه أمام خيار لا ثاني له: الاستقالة.
مشكلة إنفانتينو أنه أغضب أهل اللعبة، ثم بحث عن النجاة عند اتحادات تمنحه العدد في صناديق الاقتراع، في حين القوة الحقيقية موجودة في الملعب.
حتى ترمب، وكل أصوات الاتحادات التي تقف خلفه، لن تنقذه إذا قالت أوروبا: «لن نلعب»، والحوكمة التي لطالما رفع «فيفا» شعارها أصبحت الفأس التي وقعت على جياني.
قد يبقى رئيساً لبعض الوقت... لكن الحقيقة في رأيي أن إنفانتينو الذي عرفناه قبل مونديال 2026 انتهى.
