طلال الحمود
إعلامي وكاتب سعودي، رئيس تحرير الأخبار الرياضية في قناة العربية.
TT

هتافات المآسي

استمع إلى المقالة

استأثرت هتافات بعض المشجعين ضد البرتغالي روبن نيفيز لاعب الهلال السعودي باهتمام مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي، بعدما اعتبر اتحاد كرة القدم المحلي أن ما تم ترديده يمثل إساءة مرفوضة تستوجب اتخاذ إجراءات رادعة، مع تأكيده على رفض استغلال المآسي الشخصية للإساءة أو الاستفزاز، وجاء تحرك الاتحاد السريع عقب تصريحات نيفيز وبيان ناديه الذي استنكر فيه ما تعرض له اللاعب من بعض الجماهير.

ومع تواصل الجدل بشأن الإساءة التي طالت نيفيز ومحاولة البعض التخفيف من شأنها، غير أن هذه الحادثة لم تكن مجرد خلاف عابر أو سخرية من جماهير الفريق الخصم داخل إطار الرياضة، بعدما تخطى مضمون الهتافات حدود الاستفزاز إلى استدعاء المآسي لإيذاء مشاعر لاعب أو مجموعة مشجعين، من خلال استخدام حادثة موت شخص أو مآساة جماعية سلاحاً ضد المنافسين، وهذا ما حدث مع نيفيز حين ردد بعض المشجعين اسم اللاعب البرتغالي الراحل «ديوغو جوتا» الذي كان صديقاً مقرباً للاعب الهلال وزميلاً في المنتخب وناديي بورتو وولفرهامبتون، فضلاً عن أن نيفيز ذرف الدموع عند الوقوف دقيقة صمت خلال كأس العالم للأندية في صيف 2025 حزناً على رحيل رفيقه، قبل أن يسافر للمشاركة في مراسم التأبين ويتولى بنفسه حمل نعش جوتا إلى مرقده الأخير.

اعتادت جماهير كرة القدم خلال المباريات على استفزاز لاعبي الفريق الخصم بالسخرية من الأداء أو النتيجة، غير أن امتداد الأمر إلى تعمد إلحاق الأذى النفسي بالطرف المقابل يعتبر جريمة تتصدى لها القوانين بحزم دون النظر إلى تصنيفها داخل الملعب أو خارجه، إذ اعتادت الاتحادات الأوروبية على التعامل مع ممارسات مشابهة كان مرتكبوها يقصدون من خلال الهتافات أو اللافتات التذكير بموت إنسان أو هلاك جماعة بفعل كارثة طبيعية أو حريق منزل أو سقوط طائرة، بهدف الإيذاء النفسي والتأثير على معنويات الطرف المقابل، وفي الملاعب الإنجليزية تمت معاقبة مشجعين وأندية بسبب هتافات تسخر من ضحايا سقوط طائرة فريق مانشستر يونايتد في عام 1958، وهتافات أخرى تستهزئ بأرواح مشجعي ليفربول الذين قضوا في ملعب هيلزبورو عام 1989، مما جعل الاتحاد الإنجليزي يصدر في 2023 مجموعة من القواعد تتناول ما يطلق عليه «هتافات المآسي» للحد من إلحاق الضرر النفسي بعائلات وأصدقاء الضحايا.

واللافت في قضية نيفيز أن الأنظمة السعودية عموماً تجرم هذه الممارسات وتعاقب عليها بالغرامة المالية أو بالمنع من دخول الملاعب وأحياناً بالحبس، غير أن الملاعب الخاصة بالأندية أو التابعة لوزارة الرياضة لا تتوفر على تجهيزات لرصد مخالفات الجماهير، مما يجعل إدانة الفاعل الحقيقي غير ممكنة، وبالتالي استمرار الهتافات المسيئة، خاصة مع غياب التوعية وجهل كثير من المشجعين بقائمة الأفعال والأقوال المحظورة في ملاعب كرة القدم محلياً وعالمياً.