طلال الحمود
إعلامي وكاتب سعودي، رئيس تحرير الأخبار الرياضية في قناة العربية.
TT

إيطاليا العربية

استمع إلى المقالة

واجه الاتحاد الإيطالي لكرة القدم واحدة من كبرى الأزمات في تاريخه، حين فشل في العثور على مدرب يقبل بمنصب المدير الفني للمنتخب الغائب عن النسخ الثلاث الأخيرة من المونديال، بعد اعتذار بيب غوارديولا وكارلو أنشيلوتي عن المهمة المحفوفة بالمخاطر، وبات «الآتزوري» صاحب المجد التليد ينتظر على قارعة الطريق موافقة أحدهم على تولي مشروع إعادة تأهيل بطل العالم السابق، قبل أن يوافق روبرتو مانشيني على العودة إلى منصبه.

وجاء غياب إيطاليا الطويل ليزيد من معاناة اللعبة، في بلاد كانت تقود العالم بمنتخباتها وأنديتها وبطولاتها المحلية، قبل أن تنهار وتتراجع فنياً وإدارياً بدرجة توازي ما يجري في البلدان العربية من تخبط وعشوائية في القطاع الرياضي عموماً، وليس غريباً أن ينضم المنتخب الإيطالي إلى قائمة منتخبات سادت ثم بادت، بسبب فشل اتحاد كرة القدم في خلق بيئة مناسبة لمواكبة التطور وأساليب الحوكمة، كما تفعل اتحادات بقية الدول الأوروبية.

وعلى الرغم من حديث الطليان عن غياب النجوم وندرة المواهب، يغض مسؤولو كرة القدم الطرف عن غياب الشفافية والثغرات القانونية في اللوائح، ما فتح باب التلاعب والفساد لممارسات كانت كفيلة بقيادة هذه الصناعة كاملة إلى الهاوية، ولعل قضية «الأرباح الرأسمالية» دليل على أن اتحاد اللعبة بات أضعف حلقة في المنظومة، بسبب رداءة أدواته القانونية وقدراته الإدارية، بعدما بالغت بعض الأندية في تضخيم أرباحها على الورق، من خلال تقييم لاعبيها بمبالغ كبيرة، ثم بيع عقودهم بصفقات تبادلية، مستفيدة من عدم وجود قيمة سوقية معتمدة، والكارثة الأكبر كانت في تمييز الاتحاد الإيطالي بين الأندية بملاحقة بعضها مثل يوفنتوس، والتغاضي عن تجاوزات قطبي ميلان في المخالفات المالية نفسها.

وعلى طريقة البلدان العربية، تضررت إيطاليا من تعثر محاولات هيكلة منظومة كرة القدم، وضعف اللجان في اتحاد اللعبة، وفي مقدمتها التحكيم والجدل الدائر بصفة مستمرة، بشأن قرارات الحكام وتأثيرها على المباريات، فضلاً عن لجنة الانضباط المتهمة بعدم اتساق العقوبات وطول الإجراءات والرضوخ للضغوط الإعلامية التي تُمارسها الأندية الكبيرة للتأثير على اللجنة، ولا يتعلق الأمر دائماً بالفساد لكنه أقرب إلى خلل في تفسير اللوائح يؤدي إلى تفاوت العقوبات، ويمتد إلى توقيت إصدار القرارات، وهي أمور أثارت جدلاً واسعاً في أكثر من قضية بارزة.

وعندما يصل اتحاد كرة قدم إلى هذه الدرجة من العشوائية، فالأرجح أن تنهار منظومة كرة القدم في البلاد حتى لو كانت إيطاليا صاحبة الإرث الكبير والتاريخ العريق، ولعل ما يدعو للشفقة أن بعض الاتحادات العربية تبرر فشل قراراتها واستراتيجياتها، بأنها تتوافق مع المعمول به في الاتحاد الإيطالي منذ سنوات، دون الالتفات إلى أن هناك نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها في كثير من دول العالم، بدلاً من البحث عن أسوأ الممارسات في كل اتحاد أوروبي، وتطبيقها على أنها صالحة لكل زمان ومكان، ويبدو أن الاتحاد الإيطالي ذاته كان يأخذ من جيرانه أخطاءهم، ويهمل أسباب نجاحهم، ما قاده إلى أن يصبح مدرسة للفشل يجد فيها بعض العرب مبرراً لفشل أنديتهم ومنتخباتهم.